Published On 13/9/2026
|
آخر تحديث: 15:55 (توقيت مكة)
أصبح المال أغلى في كل مكان، فهو كأي سلعة أخرى له سعر يُعرف بـ”الفائدة”. ونحن لا ندفع هذا السعر على ما نملكه، بل على ما نقترضه. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن العالم بأسره اليوم يعتمد على الاقتراض.
ويشهد الاقتصاد العالمي تحولا جذريا مع انتهاء حقبة “المال الرخيص”، حيث تحولت الفائدة المرتفعة إلى عبء يثقل كاهل الحكومات والشركات والأفراد على حد سواء. ومع بلوغ حجم الديون الحكومية العالمية نحو 116 تريليون دولار، تتصاعد تكلفة الاقتراض بشكل غير مسبوق، لتتحول عوائد السندات إلى فاتورة باهظة تُسدد على حساب الخدمات العامة والنمو الاقتصادي.
ويفصح تسارع عوائد السندات الحكومية في 4 دول كبرى عن تحول جذري في سعر المال عالميا، حيث سجلت ألمانيا 3.5% وهو أعلى مستوى منذ عام 2011، وبريطانيا 5.6% وهو الأعلى منذ الأزمة المالية العالمية، في حين بلغت اليابان نحو 3% وهو أعلى مستوى منذ 3 عقود، واقتربت أمريكا من 5% وهو الأعلى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وأوضحت هذه الأرقام أن المال أصبح أغلى في كل مكان، وأن الفاتورة ستصل إلى الحكومات والشركات وجيوب المواطنين، وفق تقرير للجزيرة أعده نديم الملاح.
وسلط التقرير الضوء على أربعة أسباب اجتمعت لدفع هذا الارتفاع:
- حكومات تقترض بشراهة.
- شركات تزاحم على المال نفسه لبناء الذكاء الاصطناعي.
- صدمة في أسعار النفط من التوترات الإيرانية الأمريكية أعادت التضخم إلى الواجهة.
- بنوك مركزية عادت إلى رفع الفائدة أو تلوح بذلك.
وتناول التقرير موقف اليابان الاقتصادي، إذ تقف “عند حافة الهاوية”، حيث يتجاوز الدين الحكومي 204% من حجم الاقتصاد، أي أكثر من ضعفي الناتج المحلي، في حين سيذهب ربع ميزانية الحكومة اليابانية هذا العام لسداد الديون وفوائدها، قبل بناء مدرسة واحدة أو مستشفى.
مفارقة اليونان
وفي سياق متصل، يشير المشهد في أوروبا إلى مفارقة لافتة، حيث تثق الأسواق في اليونان -رغم دينها الذي يبلغ 143% من اقتصادها- أكثر من ثقتها في فرنسا التي يبلغ دينها 117% فقط، وتقترض اليونان بسعر 4.21% بينما تقترض فرنسا بسعر 4.45%، أي أن فرنسا تدفع أكثر من اليونان بـ0.24% رغم أن ديونها أقل بـ26% من الاقتصاد.
ويفسر التقرير ذلك بأن اليونان عانت الألم وأصلحت نفسها، بينما رفضت فرنسا الإصلاح وأجلته، لتدفع هذا العام فاتورة فوائد تتجاوز 66 مليار يورو (نحو 71 مليار دولار)، ويبلغ عجز فرنسا 5.8% وهو أعلى بكثير من السقف الأوروبي البالغ 3%، مما يجعل المستثمرين يثقون في مسار اليونان أكثر من مسار فرنسا.
ولا يقتصر دفع ثمن هذه الديون على الحكومات، بل يمتد ليمس الهيكل المجتمعي، راسما مسارا اقتصاديا يُعرف بمنحنى حرف “كيه” (K) بالإنجليزية، والذي يفرق المجتمعات إلى مسارين متعاكسين:
- المسار الصاعد (الأسر الميسورة): تستفيد هذه الطبقة من الفائدة المرتفعة، حيث تدر مدخراتها وودائعها وسنداتها عوائد أعلى، مما يعزز من ثرواتها بوصفها في موقع “المُقرض”.
- المسار الهابط (أصحاب الدخل المحدود): تتكبد هذه الطبقة خسائر مزدوجة؛ فهم يفتقرون للفائض المالي ويعتمدون على الاقتراض والأقساط، مما يرفع تكلفة معيشتهم. وتتضاعف معاناتهم حين تقتطع الحكومات من ميزانيات الخدمات العامة، كالصحة والتعليم، لسداد فوائد ديونها المتراكمة.
ومع ترسيخ هذه الديناميكيات الجديدة، تتأكد حقيقة انتهاء عصر المال الرخيص، لتترك الاقتصاد العالمي أمام تحدٍ مفتوح حول الجهة التي ستتمكن من تحمل هذه التكلفة الباهظة لفترة أطول دون الانهيار تحت وطأة الفوائد المتراكمة.
