طهران– كشفت صحيفة “شرق” الإيرانية عن نسخة جديدة من مشروع “تنظيم الفضاء الإلكتروني”، تتضمن إلزام مقدمي الخدمات الرقمية بالتحقق من هوية المستخدمين، وعقوبات مالية وإدارية واسعة، إلى جانب إعادة توزيع صلاحيات إدارة الإنترنت بين المؤسسات الإيرانية.

وقالت الصحيفة، في تقرير نشرته الاثنين الماضي، إن النسخة الثانية وُزعت على عدد من النواب لإبداء ملاحظاتهم في 26 أغسطس/آب الجاري، وإنها اختُصرت من 20 صفحة و11 مادة في النسخة الأولى إلى 5 صفحات و8 مواد، لكنها أصبحت أكثر تشددا في الالتزامات والعقوبات المفروضة على الشركات والمستخدمين.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

ولا يزال النص مسودة نيابية غير نافذة. وقال النائب حسين علي حاجي دليغاني، الذي تنسب إليه الصحيفة إعداد النسخة الجديدة، إن مبادئها العامة أُقرت داخل لجنة مشتركة وإن تفاصيلها قيد الدراسة. لكن الصحيفة نقلت روايات متباينة عن نواب آخرين بشأن انتهاء عمل اللجنة، وأكدت أن المشروع لم يصل بعد إلى الجلسة العامة للبرلمان، ما يجعل مرحلته التشريعية غير محسومة.

التحقق من الهوية

تنص المادة الخامسة على اعتبار تقديم الخدمة قبل التحقق من هوية المستخدم مخالفة، وفقا لضوابط “نظام الهوية المعتبرة في الفضاء الإلكتروني”. ولا تحدد المسودة طبيعة البيانات التي ستجمعها المنصات، أو مدة الاحتفاظ بها، أو المؤسسات التي يحق لها الوصول إليها.

وتضع المسودة آلية خاصة للتحقق من أعمار الأطفال، إذ تجعل تقديم المنتجات والخدمات الرقمية لمن هم دون 16 عاما مشروطا بالتحقق من السن عبر قاعدة الهوية الوطنية، من دون إظهار البيانات الشخصية لمقدم الخدمة. غير أن النص يتضمن تعارضا في تعريف الطفل، إذ تحدد المادة السادسة السن بأقل من 16 عاما، بينما تشير جداول المادة الرابعة إلى أقل من 18 عاما.

مسودة المشروع تفرض عقوبات على مقدمي خدمات الإنترنت المخالفين في مسألة التحقق من الهوية (رويترز)

غرامات وتعليق للتراخيص

تتيح المسودة للجهات المنظمة فرض عقوبة واحدة أو أكثر على مقدمي الخدمات المخالفين، تبدأ بالإعلان العلني عن المخالفة في الصحف، وتصل إلى تقييد الإعلانات لمدة تتراوح من 6 أشهر إلى 3 سنوات، ومنع جذب مستخدمين جدد لمدة تتراوح من 5 أيام إلى 3 أشهر.

كما تقترح غرامات تتراوح بين 1 و10% من الإيرادات السنوية لمقدم الخدمة، والحرمان من التسهيلات الحكومية لمدة تصل إلى 3 سنوات، فضلا عن خفض مدة الترخيص أو تعليقه أو إلغائه.

ولا تحدد المسودة ما إذا كانت الغرامة ستُحتسب على أساس الإيرادات الإجمالية أم الصافية، أو على إيرادات الشركة كلها أم الخدمة المخالفة فقط. كما انتقد نائب وزير الاتصالات إحسان جيت ساز تعبير “إلغاء الترخيص لمدة تتراوح بين سنة و3 سنوات “، موضحا أن الإلغاء يكون نهائيا عادة، بينما يكون التعليق محدد المدة.

وتتولى النظر في المخالفات هيئة من 3 أعضاء تضم قاضيا يختاره رئيس السلطة القضائية، وأحد نواب رئيس المركز الوطني للفضاء الإلكتروني، وخبيرا يرشحه الاتحاد الوطني للأعمال الافتراضية. وتكون قراراتها قابلة للطعن أمام ديوان العدالة الإدارية.

حياد الشبكة لا يلغي الحجب

تتضمن النسخة الجديدة إشارات إلى “حق الوصول إلى الشبكة” و”حياد الشبكة”، وتمنع شركات الاتصالات من التمييز بين حركة البيانات بناء على المحتوى أو الخدمة أو المصدر أو الوجهة.

لكن النص يستثني حجب المحتوى والخدمات غير المصرح بها بناء على قرارات لجنة تحديد مصاديق المحتوى الإجرامي، ولذلك لا يعني إقرار حياد الشبكة رفع الحجب عن المواقع والمنصات المحظورة.

كما لم تكرر النسخة الجديدة المادة التي كانت تجرم صراحة استخدام ونشر الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) في النسخة الأولى. غير أن غياب هذا البند لا يعني إقرار قانونية جميع خدمات تجاوز الحجب، بل يقتصر على عدم تضمين التجريم الصريح في المسودة الجديدة.

عودة الإنترنت في إيران A young Iranian woman attempts to connect to Wi-Fi on her cellphone while sitting at a cafe in downtown Tehran, Iran, on May 26, 2026. Internet access is being restored in Iran after being cut off for nearly three months, according to Iranian First Vice President Mohammad Reza Aref on his X account on Tuesday. (Photo by Morteza Nikoubazl/NurPhoto via Getty Images)
النسخة الجديدة من المشروع تتضمن إشارات إلى “حق الوصول إلى الشبكة” و”حياد الشبكة” (غيتي)

صلاحيات أوسع للمركز الوطني

تمنح المادة الثانية المركز الوطني للفضاء الإلكتروني دورا أوسع في إدارة الإنترنت، إذ تجعله مشرفا على تنفيذ قرارات المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، ومركزا لقيادة عمليات الأمن السيبراني، وتلزم المؤسسات التنفيذية بتنفيذ توجيهاته. كما تمنحه صفة مراقب في مختلف المجالس واللجان والهيئات المعنية باتخاذ القرارات الرقمية.

وفي المقابل، تحصر المسودة الدور الأساسي لوزارة الاتصالات في تنظيم الشبكات والبنية التحتية ومشغلي الاتصالات والخدمات السحابية ومراكز البيانات، بينما توزع المجالات الأخرى على البنك المركزي وهيئة البورصة ومجلس المنافسة ووزارات ومؤسسات متخصصة.

ورأى موقع “بيوَست” الإيراني المتخصص في التكنولوجيا أن هذا التوزيع يعيد رسم خريطة السلطة في إدارة الإنترنت، لأنه يمنح المركز الوطني حضورا في مراحل وضع السياسات والرقابة والأمن والنظر في المخالفات، بينما يقلص الدور التنفيذي لوزارة الاتصالات.

اعتراضات وزارة الاتصالات

قال محمد حاتمي زاده نائب وزير الاتصالات للشؤون القانونية إن الوزارة اعترضت على بنود في النسختين، وإن النص الجديد الذي اطلعت عليه بصورة غير رسمية لا يزال يتضمن إشكالات هيكلية وقانونية.

من جانبه، أقر جيت ساز بأن المسودة تتضمن نقاطا إيجابية، بينها حياد الشبكة، ومنع تضارب المصالح، وإتاحة الطعن في العقوبات، ونشر مسودات الأنظمة لإبداء الرأي العام. لكنه حذر من أن توزيع الاختصاصات على أكثر من 20 مؤسسة قد يحول تشتت الصلاحيات إلى “تعارض مؤسسي في الصلاحيات”، خصوصا مع جمع المركز الوطني بين الرقابة وقيادة الأمن السيبراني والمشاركة في هيئة النظر في المخالفات.

واقترح إعادة صياغة المشروع في صورة مشروع قانون حكومي متكامل بعد تقييم آثاره القانونية والتنفيذية، وإنشاء هيئة تنظيم رقمي تتولى التنسيق بين الجهات المختصة من دون الحلول محلها. وحتى استكمال مناقشة النص وإقراره في البرلمان ومراجعته من مجلس صيانة الدستور، تبقى جميع الالتزامات والعقوبات الواردة فيه مجرد مقترحات لا يترتب عليها أثر قانوني.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل