لا يشتري موقع “ترانسفير ماركت” اللاعبين ولا يبيعهم، ولا يملك معادلة سرية ما تحدد أسعار النجوم، ومع ذلك، أصبح حاضرًا في الصحافة وغرف التفاوض وتقارير الأندية، ووصلت حتى إلى ملفات نظرت فيها جهات قضائية، فكيف تحولت تقديرات يصنعها مجتمع من المشجعين والمتطوعين إلى اللغة الأشهر لتقييم اللاعبين؟
في بلدة صغيرة قرب ميونيخ، جلس مارتن فرويندل (Martin Freundel) أمام حاسوبه وفتح ملفا على برنامج إكسل (Excel)، في الأعمدة ظهرت أسماء لاعبي الدوري الألماني وأعمارهم ومراكزهم. وبجوار كل اسم رقمان، أحدهما يقدّر قيمة اللاعب في ذلك الوقت، والآخر يحاول استشراف ما قد يبلغه مستقبلا.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
المشهد يوحي لأول وهلة بغرفة تحليل داخل ناد محترف، أو بمكتب شركة استشارات تعمل في سوق تبلغ قيمة صفقاته مليارات اليوروهات سنويا، غير أن فرويندل لم يكن مصرفيا استثماريا ولا وكيلا للاعبين ولا كشافا محترفا. كان أخصائيا اجتماعيا يعمل في مركز للشباب.
لكنه منذ عام 2017، كان يخصص جزءا من وقت فراغه للمساهمة في تقدير القيم السوقية للاعبين على موقع “ترانسفير ماركت” (Transfermarkt).
عندما زاره صحفيو منصة “فولو ذا موني” (Follow the Money) عام 2020، كانت المفارقة ماثلة أمامهم في ذلك الملف المفتوح على الشاشة، صناعة كروية ضخمة تتداول مليارات اليوروهات، تنظر بجدية إلى أرقام يشارك في صنعها رجل يجلس إلى حاسوبه بعد انتهاء عمله اليومي.
هذه المفارقة تختصر قصة “ترانسفير ماركت” فالموقع ليس بورصة تنفذ فيها عمليات البيع والشراء وتتأرجح فيها أسهم اللاعبين، ولا مؤسسة مالية أو بحثية تصدر تقييما علميًا دقيقًا، ولا يملك أي نظام محكم آلي أو بشري يقيس “السعر الحقيقي” للاعب.
ومع ذلك، ما إن يظهر رقم مثل “80 مليون يورو” تحت صورة لاعب حتى يغادر الرقم حدود الموقع. فتقتبسه الصحافة، وتعيد محركات البحث إنتاجه، ويستخدمه المشجعون في المقارنات، ويستحضره وكيل في حديث عن موكله حتى يصبح ذلك السعر “رأي عام” في المجتمع والأوساط الكروية.
لكن إذا لم يكن وراء الرقم سعر رسمي ولا معادلة تقنية، فمن الذي يصنعه، وعلى أي أساس؟.
من موقع لمشجع إلى قاعدة بيانات عالمية
تبدأ قصة “ترانسفير ماركت” قبل أن تصبح “القيمة السوقية” واحدة من أكثر العبارات تداولاً في كرة القدم الحديثة. في عام 2000، كان ماتياس زايدل (Matthias Seidel) مشجعا لنادي فردر بريمن يعيش في مدينة هامبورغ. وكانت متابعة أخبار ناديه وشائعات انتقالاته آنذاك أكثر صعوبة بكثير مما أصبحت عليه بعد انفجار المواقع الرياضية ومنصات التواصل الاجتماعي. كل ما أراد زايدل حينها وحلم به كان مكانا واحدا يجمع فيه أخبار ناديه، فأنشأ موقع “ترانسفيرماركت”.
لم يكن المشروع في بدايته شركة بيانات تطمح إلى تغطية العالم، وإنما مساحة صنعها مشجع لتبادل أخبار كرة القدم مع مشجعين آخرين. وسرعان ما بدأ المستخدمون يضيفون البيانات ويصححونها، فتكونت تدريجيا قاعدة معلومات تجاوزت الحاجة الشخصية التي أنشئ الموقع من أجلها. وفي عام 2002 أضاف زايدل دليلا لوكلاء اللاعبين، فأصبح الموقع أكثر فائدة لمن يعملون في سوق كرة القدم نفسه. ثم جاءت الخطوة التي ستغير طبيعته في 2004، عندما أضيفت “القيم السوقية” إلى ملفات اللاعبين. بعدها اتسعت المنصة بسرعة كبيرة. رُبطت شائعات الانتقالات بقاعدة بيانات الموقع في 2007، وظهرت نسخ محلية خارج ألمانيا، بدءا من النمسا، ثم سويسرا وبريطانيا وإيطاليا وتركيا وغيرها.
فتحت تلك الخطوة أفقًا واسعًا للموقع، وفي سبتمبر/أيلول 2008 ستأخذ الرحلة معطفا مختلفا بعدما استحوذت مجموعة أكسل شبرينغر (Axel Springer) الاستحواذ على 51% من الشركة، في صفقة تضمنت ضخ رأس مال جديد، بينما احتفظ زايدل بنسبة 49% وظل في ذلك الوقت مديرا للموقع ومسؤولا عن محتواه.
كان “ترانسفير ماركت” قد أثبت جاذبيته قبل الصفقة بالفعل، ووفقا لبيانات هيئة قياس الانتشار الألمانية، كان الموقع قد سجل في أغسطس/آب من ذلك العام 168 مليون مشاهدة للصفحات و14.2 مليون زيارة. لكن الاستثمار منح المشروع بنية وموارد تسمح له بالانتقال من مجتمع إلكتروني واسع إلى شركة دولية.
يقول زايدل إن عدد العاملين في “ترانسفير ماركت” عند دخول أكسل شبرينغر لم يتجاوز ثلاثة أشخاص. ذلك العدد ارتفع إلى ثمانية عام 2010، ثم إلى 20 عام 2017، قبل أن تعلن الشركة في 2025 وصول حجم قوتها العاملة إلى 130 موظفا.
ذلك النمو والتوسع كان له ضحايا، في مطلع 2025 غادر زايدل الإدارة التنفيذية للموقع الذي أسسه، واكتفى بالمساهمة في بعض مشاريع الشركة. وبحسب الأرقام التي نشرتها شركة “ترانسفير ماركت” في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، باتت المنصة تعمل عبر 27 نطاقا دوليا، وتضم قاعدة بياناتها أكثر من 1.3 مليون ملف للاعبين ونحو مليوني تقرير للمباريات. وتقول الشركة إن مواقعها تستقبل أكثر من 100 مليون زائر شهريا.
تبقى هذه أرقاما صادرة عن الشركة نفسها، وليست تدقيقا خارجيا مستقلًا، لكنها تكفي لفهم حجم التحول. وما بدأ بحثا عن أخبار فردر بريمن أصبح قاموسا عالميا لسوق كرة القدم.
جيش من البشر
قد توحي ضخامة “ترانسفير ماركت” بأن خلف شاشاته جيشا من المحللين المحترفين يجمع كل معلومة ويختبرها. الحقيقة أكثر تعقيدا وبساطة في آن واحد.
إذ يعتمد الموقع في جانب كبير من عمله على نموذج تشاركي، يرسل المستخدمون التصحيحات، ويتولى مشرفون وكشافو البيانات متابعة ملفات اللاعبين والأندية والمباريات والعقود والإصابات والانتقالات.
تصف الشركة مجتمع المستخدمين والمشرفين والمتطوعين بأنه أحد أهم أصولها، لأن تغطية هذا العدد الهائل من اللاعبين والدوريات من خلال فريق مركزي مدفوع الأجر وحده ستحتاج إلى موارد ضخمة. غير أن وضع كل ما ينشره الموقع تحت عنوان واحد اسمه “البيانات” يخفي فوارقا جوهرية بين منتجات وما تقدمه الشركة. فهناك معلومات يمكن التحقق منها مباشرة مثل عمر اللاعب، وطوله، ومركزه، والنادي الذي يلعب له، ومدة عقده، وعدد مبارياته، وتاريخ انتقاله، كلها وقائع يمكن مقارنتها ببيانات ناد أو اتحاد أو تقرير رسمي للمباراة.
ولهذا قال نيك كرستن (Nick Kersten)، الذي عمل رئيسا للكشافة في نادي إن إي سي نيميغن، لمنصة “فولو ذا موني” إن “ترانسفير ماركت” ظل مفتوحا باستمرار في متصفحه، ولا سيما عندما يريد الاطلاع على عمر لاعب أو مدة عقده أو اسم وكيله.
حتى تأتي خانة “القيمة السوقية”، لا توجد وثيقة رسمية يمكن الرجوع إليها لإثبات أن لاعبًا يساوي 40 مليونا وليس 35 أو 50.
فالصفقة التي يفترض الرقم قيمتها، لم تحدث أصلا. ومن هنا يمكن أن تكون قاعدة البيانات شديدة الدقة في تاريخ ميلاد لاعب، بينما تظل القيمة المكتوبة أسفل صورته تقديرا قابلا للنقاش في أفضل الأحوال أو محط ريبة وشك في أسوئها.
من أين تأتي الـ80 مليونا؟
ربما يكون التصور الأكثر انتشارا أن حاسوبا داخل “ترانسفير ماركت” له خوارزمية متطورة، يجمع العمر والأهداف والدقائق والإصابات، ثم يطبق معادلة ما ويخرج في النهاية رقما، لكن هذا ليس واقع الحال. إذ يقول “ترانسفير ماركت” في شرحه الرسمي لطريقة العمل إنه لا يستخدم خوارزمية تحدد القيم السوقية.
بل يطرح المستخدمون والمشرفون مقارناتهم في منتديات الموقع، ويستشهدون بأداء اللاعبين وأعمارهم وعقودهم ومستوى المسابقة التي يلعبون فيها وتحركات السوق من حولهم. ثم يتدخل مشرفون مختصون بالدوريات ومسؤولون عن التقييمات لصياغة القيمة النهائية ومحاولة إبقاء قدر من الاتساق بين الأسواق المختلفة.
ووصف الباحثون شتيفن هيرم (Steffen Herm) وهانس ماركوس كالسن-براكر (Hans-Markus Callsen-Bracker) وهينينغ كرايس (Henning Kreis)، في دراسة نشرتها دورية “سبورت مانجمنت ريفيو” (Sport Management Review)، هذه العملية بما يعرف بـ”مبدأ الحَكَم”. بمعنى أن الجميع يستطيع تقديم رأيه، بينما لا تحمل جميع الآراء الوزن نفسه عند اتخاذ القرار النهائي. ولا يخفي “ترانسفير ماركت” اتساع مساحة الحكم البشري في العملية.
فالمنصة تقول إنها تنظر إلى عمر اللاعب، وإمكانات تطوره، وأدائه مع النادي والمنتخب، وقوة الدوري الذي ينشط فيه، ودقائق اللعب، وسجل الإصابات، ومدة العقد، وسمعة النادي ووضعه المالي، والأندية المهتمة باللاعب، وقابليته للتسويق، واتجاهات رسوم الانتقالات، والأوضاع الاقتصادية العامة.
العوامل كثيرة، لكنها ليست معادلة منشورة ولا يوجد وزن نسبي ثابت لكل عامل.
لا يستطيع الباحث، مثلا، أن يسأل “ترانسفير ماركت” كم مليون يورو يضيفه تسجيل 10 أهداف إلى قيمة جناح يبلغ 21 عاما، أو كم يخسر لاعب من قيمته عندما يدخل السنة الأخيرة من عقده، ثم يحصل على جواب حسابي ثابت يمكن تطبيقه على الجميع.
ولا توجد قاعدة تقول إن 20 مباراة جيدة في الدوري الهولندي تساوي عددا معينا من المباريات في الدوري الإنجليزي. في النهاية، يظل الرقم حكما مركبا. منظم، ومستنِد إلى معلومات، ومدعوم بخبرة جماعية، لكنه حكم بشري.
القيمة ليست السعر
تبدأ أكثر سوء فهم شيوعا عن “ترانسفير ماركت” عندما تتحول عبارة “القيمة السوقية” في الخطاب اليومي إلى “سعر اللاعب” لأن المصطلحان ليسا شيئا واحدا. يشرح الموقع نفسه أن القيمة السوقية ليست تنبؤا دقيقا برسم الانتقال، وإنما محاولة لتقدير قيمة اللاعب في السوق في ظروف معينة. أما سعر اللاعب أي رسم الانتقال فهو نتيجة صفقة حقيقية بين طرفين حقيقيين، ولكل صفقة قصتها وظروفها وملابساتها.
قد يحتاج ناد إلى المال بسرعة فيقبل سعرا أقل مما كان يتمناه. وقد يدخل ناد ثري في سباق مع منافسين فيرتفع السعر. وقد يتبقى للاعب عام واحد في عقده فتضعف قدرة ناديه على التفاوض، وقد يتضمن العقد شرطا جزائيا منخفضا أو باهظا. وقد يرفض اللاعب الانتقال لنادي بعينه رغم موافقة ناديه على العرض. كل ذلك يدخل في سعر الصفقة الفعلي.
أما رقم “ترانسفير ماركت” فيحاول أن يزيل، قدر الإمكان، خصوصية تلك اللحظة ويقدم تقديرا عاما لمكان اللاعب في السوق. ولهذا يستطيع لاعب أن تبلغ قيمته التقديرية عشرات الملايين ثم ينتقل مجانا إذا انتهى عقده.
ليونيل ميسي، مثلا، لم يصبح لاعبا بلا قيمة عندما انتقل من برشلونة إلى باريس سان جيرمان من دون رسوم انتقال. الذي بلغ صفرا كان المبلغ المستحق للنادي السابق، لأن عقده انتهى.
كما توجد منطقة التباس أخرى في عبارة “قيمة النادي”. عندما يجمع “ترانسفير ماركت” قيم لاعبي فريق ويخرج برقم يساوي، مثلا، مليار يورو، فهذا ليس تقييما اقتصاديا للنادي نفسه.
الرقم لا يساوي قيمة الشركة المالكة، ولا يضيف تلقائيا الاستاد والعقارات والعلامة التجارية والإيرادات وحقوق البث، ولا يطرح الديون والالتزامات. إنه، ببساطة، مجموع تقديرات قيم اللاعبين، والفارق بين المعنيين ليس تفصيلا لغويا.
هل يعرف الجمهور أكثر مما نتصور؟
سهولة انتقاد النموذج لا تعني أن نتائجه بلا قيمة. فعندما خضعت تقديرات “ترانسفير ماركت” للبحث الأكاديمي، ظهرت صورة أكثر إثارة من مجرد مجموعة مشجعين يرمون أرقاما في منتدى.
في دراسة هيرم وكالسن-براكر وكرايس المنشورة عام 2014، وجد الباحثون أن التقييمات الجماعية للموقع تحمل قدرة معتبرة على تفسير رسوم الانتقالات، وأنها تلتقط معلومات تتصل بأداء اللاعب وسمعته وموقعه داخل السوق. والفكرة المتجسدة هنا قريبة مما يعرف بـ”حكمة الحشود”. وتقوم الحكمة على حقيقة أنه لا يعرف الفرد الواحد الحقيقة كاملة، لكن تجميع معرفة عدد كبير من الأفراد، إذا جرى بطريقة منظمة، قد ينتج حكما أفضل مما يستطيع فرد واحد إنتاجه.
لك حتى هذه الحكمة الجماعية ليست معصومة من الخطأ. ففي دراسة لـ3324 صفقة نشرها دينيس كوتس (Dennis Coates) وبيتر بارشاكوف (Peter Parshakov) في المجلة الأوروبية للبحوث التشغيلية (European Journal of Operational Research) عام 2022، ظهرت أنماط واضحة في الاختلاف بين تقديرات “ترانسفير ماركت” والأسعار الفعلية.
وجد الباحثان أن الموقع يميل إلى المبالغة نسبيا في تقدير بعض الصفقات الصغيرة، بينما يقلل من قيمة بعض الصفقات الكبيرة، وتقترب تقديراته أكثر من الواقع في منطقة الصفقات المتوسطة. كما خلص تحقيق أجرته منصة “فولو ذا موني” إلى أن متوسط الفارق بين تقييمات الموقع ورسوم الانتقال الفعلية بلغ نحو 60%، وانخفض إلى نحو 34% عندما اقتصر التحليل على الصفقات التي تجاوزت 10 ملايين يورو.
هذه الأرقام لا تعني أن “نسبة خطأ “ترانسفير ماركت” 60%”. فالتقييم قد يكون صدر قبل أشهر من الصفقة، والسوق قد يتغير، وظروف البيع والشراء تختلف، والموقع نفسه يقول إنه لا يحاول توقع رسم انتقال بعينه. لكن النتائج تذكرنا بالفارق الجوهري. رقم “ترانسفير ماركت” مرجع للمقارنة، وليس بطاقة سعر ملزمة معلقة في عنق اللاعب. ومع ذلك، بقيت ديناميكيات ونقاشات “ترانسفير ماركت” التي تنتج “القيمة السوقية” مجهولة.
كيف تولد قيمة اللاعب؟
حتى جاء عام 2025، وحاول باحثان الاقتراب أكثر من الطريقة التي يتشكل بها الرقم داخل “ترانسفير ماركت”.
حلل كيفن فالتر (Kevin Walther) وكارين أندرسون (Karin Andersson) نحو 2550 مشاركة في منتديات الموقع تناولت القيم السوقية للاعبي الدوري الألماني، ثم نشرا نتائج دراستهما في دورية “مانجنج سبورت آند ليجر” (Managing Sport and Leisure).
لم يكن اهتمامهما منصبا على القيمة التي انتهى إليها النقاش بقدر ما كان على الطريق الذي قاد إليها والعملية التي أنتجتها. ماذا يقول المشاركون عندما يقررون أن قيمة لاعب ينبغي أن ترتفع أو تنخفض؟ وما الحجج التي تمنح رقما دون غيره قدرا أكبر من الإقناع؟
كشفت الدراسة أن النقاش يبدأ، كما هو متوقع، من أرض الملعب. الأداء، والأهداف، ودقائق المشاركة، والعمر، والإصابات كلها تدخل في الحساب. لكن سرعان ما تتسع الدائرة لتشمل أمورا أقل قابلية للقياس، مثل المقارنة بلاعبين آخرين، والأخبار عن اهتمام أندية بعينها، والتوقعات بشأن مستقبل اللاعب، وحتى الانطباعات الشخصية عن موهبته والسقف الذي يستطيع بلوغه.
وهكذا، لا تبدو القيمة السوقية رقما جاهزا يختبئ في السوق حتى يأتي “ترانسفير ماركت” فيكتشفه. إنها حصيلة نقاش تتداخل فيه الحقائق مع التوقعات، والبيانات مع الأحكام البشرية. ويمكن وصفها، بدرجة أدق، بأنها قيمة محتملة يبنيها المجتمع بصورة منظمة.
لكن هذه الطريقة تفتح سؤالا آخر أكثر حساسية. فإذا كانت جودة التقييم تعتمد جزئيا على المعلومات التي تصل إلى المشاركين، فهل يدخل جميع اللاعبين إلى هذا النقاش على قدم المساواة؟
اللاعب في الدوري الإنجليزي تحيط به بيئة معلوماتية كثيفة. مبارياته منقولة على نطاق واسع، وإحصاءاته متاحة، وتحركاته تحلل يوميا، وتطارده الكاميرات والصحفيون والمشجعون، وتنتج كل مباراة يخوضها قدرا جديدا من المواد التي يمكن الاستناد إليها عند مناقشة قيمته.
أما لاعب ينشط في بطولة محدودة الانتشار، فقد يصل إلى النقاش برصيد أقل كثيرا. عدد محدود من المباريات المتاحة، وتغطية صحفية أضيق، وتقارير محلية قد يصعب التحقق منها، وقلة من المتابعين القادرين على تقديم معرفة مباشرة بمستواه.
وحين يقل الضوء، تقل التفاصيل التي يستطيع الحشد أن يبني عليها حكمه.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكامنة في نموذج “ترانسفير ماركت”. فالقيمة يفترض أن تعبّر عن موقع اللاعب في السوق، بينما قد تتأثر دقتها أيضا بمقدار ما يراه السوق من ذلك اللاعب أصلا.
وهذه ليست مشكلة افتراضية ظهرت مع اتساع المنصة، فقد برزت ملامحها في وقت مبكر من تاريخ “ترانسفير ماركت”، عندما بدأ السؤال يطرح حول مقدار المعلومات المتاحة لبعض الدوريات والأسواق، وعدد الأشخاص القادرين فعلا على تقييم لاعبيها.
تفاوت التغطية يغيّر التقييم
هذه الفجوة ظهرت مبكرا في تاريخ المنصة. ففي تقرير نشرته صحيفة دي تسايت (Die Zeit) عام 2009 عن الموقع، برزت مسألة اعتماد بعض الأسواق الأقل حضورا إعلاميا على دائرة محدودة من المتابعين، وعلى ما توفره الصحافة المحلية من أخبار ومعلومات عن اللاعبين.
تكمن الحساسية هنا في أن تفاوت التغطية قد ينعكس على المادة التي يُبنى عليها التقييم نفسه. لاعب تنقل مبارياته أسبوعيا، وتحلل أرقامه في عشرات المواقع، وتتابع الصحافة إصاباته وعقده واهتمام الأندية به، يدخل نقاش القيمة محاطا بكم كبير من المعلومات القابلة للمقارنة والاختبار. أما لاعب في دوري محدود الانتشار، فقد تعتمد صورته إلى حد بعيد على بضعة تقارير محلية، أو على عدد قليل من المستخدمين الذين يتابعونه عن قرب.
ولا يشترط أن يكون في ذلك تلاعب متعمد حتى تظهر المشكلة. فقد يحصل اللاعب الأول على تقييم يستند إلى عشرات المؤشرات والشهادات والمقارنات، بينما يُبنى الحكم على الثاني من مادة أقل تنوعا وأصعب في التحقق. عندئذ يصبح الفارق بينهما متصلا، جزئيا، بكمية المعرفة المتاحة عنهما، إلى جانب الفارق الحقيقي في المستوى والأداء.
وتصبح المسألة أكثر حساسية حين ندرك أن الأطراف التي تصنع هذه المعلومات ليست دائما بعيدة عن مصالح سوق الانتقالات نفسها. فالوكيل الذي تمثل قيمة لاعبه جزءا من صورته التجارية يتابع الرقم، واللاعب يراه معروضا أمام الملايين، والنادي يستطيع الاستشهاد به عندما يريد إظهار ارتفاع قيمة أحد أصوله. ومع اتساع حضور “ترانسفير ماركت”، لم تعد القيمة المنشورة شأنا يخص نقاشات المشجعين وحدها، وصار من الطبيعي أن يحاول بعض أصحاب المصلحة التأثير في الصورة التي يقدمها الموقع عن لاعبيهم.
عندما يحاول أصحاب المصلحة التلاعب بالتقييم
تكشف شهادات العاملين في “ترانسفير ماركت” عن هذه العلاقة بصورة أوضح. فقد ذكر تقرير دي تسايت (Die Zeit) منذ عام 2009 اتصالات من وكلاء لاعبين بشأن القيم المنشورة، فيما روى مسؤول إقليمي في الموقع لمنصة فولو ذا موني (Follow the Money) عام 2020 أن لاعبين ووكلاء كانوا يتواصلون معه لمناقشة تقييماتهم، وأن بعض المحاولات تجاوزت الاعتراض أو تقديم المعلومات إلى عروض لعشاء أو ساعات ثمينة مقابل تقييم أفضل.
وقال المسؤول إن هذه العروض قوبلت بالرفض، وهي نقطة مهمة في قراءة هذه الوقائع. ما تثبته الشهادات هو أن قيمة “ترانسفير ماركت” باتت مهمة بما يكفي لأن يسعى أصحاب مصلحة إلى التأثير فيها، أما القول إن تلك المحاولات غيرت بالفعل قيمة لاعب فيحتاج إلى دليل آخر لا توفره هذه الروايات.
وتوضح قصة كريستيانو رونالدو حجم الحساسية التي يمكن أن يثيرها الرقم حتى لدى أكبر نجوم اللعبة. فبحسب الرواية التي نقلتها “فولو ذا موني” (Follow the Money)، لم يرض اللاعب البرتغالي عن خفض قيمته السوقية إلى أقل من 100 مليون يورو، وانتهى الأمر بحظره حساب “ترانسفير ماركت” على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. لم يكن الخلاف على صفقة بيع فعلية، وإنما على رقم تقديري منشور في قاعدة بيانات، ومع ذلك كان الرقم مهما بالقدر الذي جعله موضع اعتراض من لاعب لا يحتاج اسمه إلى تعريف في سوق كرة القدم.
وهذا تحديدا ما يمنح محاولات الضغط دلالتها، فالرقم نفسه لم يصبح مهما لأن أحدا حاول تغييره، وإنما يحاول البعض تغييره لأنه أصبح مهما بالفعل.
اقتصاد يبنيه الجمهور ويباع للمحترفين
كلما اتسعت قاعدة بيانات “ترانسفير ماركت”، اتسعت معها الفجوة بين الصورة التي يراها المشجع العادي والوظيفة التي تؤديها المنصة داخل صناعة كرة القدم.
فبالنسبة إلى المستخدم اليومي، يبدو الموقع خدمة مجانية لمتابعة أخبار الانتقالات، وقيم اللاعبين، والقوائم، والسجلات، والإحصاءات. يدخل إليه المشجع ليعرف كم تبلغ قيمة لاعب، أو متى ينتهي عقده، أو من يمثل مصالحه، ثم يغادر كما يفعل مع أي موقع رياضي آخر.
لكن تراكم هذه المعلومات، وربطها ببعضها، وتحديثها باستمرار، أنتج بمرور الوقت قاعدة بيانات لها قيمة تتجاوز الاستخدام الجماهيري. فالمعلومة التي يبحث عنها المشجع بدافع الفضول قد تكون هي نفسها معلومة يحتاج إليها وكيل عند دراسة سوق لاعب، أو كشاف عند إعداد قائمة أولية، أو مسؤول تعاقدات عند مقارنة مجموعة من المرشحين.
ومن هنا بدأت طبقة تجارية أكثر تخصصا في الظهور فوق البنية التي ساهم المجتمع في بنائها.
يقدم “ترانسفير ماركت”، على سبيل المثال، خدمة مدفوعة موجهة إلى وكلاء اللاعبين، تمنح المشتركين أدوات أوسع للبحث، وبيانات اتصال، ومساحات أكبر للظهور، وتقارير أكثر تفصيلا. ووفق الأسعار المعلنة أثناء إعداد هذا التقرير، تراوحت الباقات السنوية بين 490 و1990 يورو بحسب مستوى الخدمة.
لا يشتري الوكيل بهذه الرسوم “قيمة اللاعب” التي يضعها الموقع، وإنما يدفع مقابل سهولة الوصول إلى شبكة من المعلومات المرتبطة بالسوق، وتنظيمها بطريقة تساعده على استخدامها مهنيا.
واتسع هذا المسار في 2020 مع تأسيس شركة سكاوتاستك (SCOUTASTIC)، وهي مشروع مستقل مشترك مع “ترانسفير ماركت” يقدم أدوات للكشف والتحليل تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتستفيد من بيانات المنصة في بعض خدماتها الاحترافية. وتقول سكاوتاستك إنها تعمل مع أكثر من 130 عميلا حول العالم، في صورة أكثر وضوحا للانتقال من قاعدة بيانات جماهيرية إلى منتج يخاطب محترفي كرة القدم مباشرة.
وهنا تظهر خصوصية النموذج الاقتصادي ل”ترانسفير ماركت”. فجزء معتبر من قيمة المنصة لم يُبن داخل مكاتب الشركة وحدها، وإنما تراكم عبر سنوات من مساهمات المستخدمين والمشرفين والمتطوعين الذين أضافوا البيانات وصححوها وناقشوا القيم السوقية ووسعوا التغطية إلى دوريات يصعب على فريق مركزي واحد متابعتها بهذا التفصيل.
ثم أعيد تنظيم هذا الرصيد في صورة خدمات تستطيع جهات تعمل داخل الصناعة نفسها أن تدفع مقابل استخدامها. ولا يعني ذلك أن هناك خداعا للمستخدمين أو استغلالا خفيا لمشاركتهم؛ فالمجتمع التشاركي جزء معلن من هوية المنصة منذ سنوات. لكن هذا البناء يوضح أين تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية للموقع.
“ترانسفير ماركت” لا يملك عقود اللاعبين، ولا يحصل على نسبة من رسوم انتقالاتهم، ولا يتحكم في الأندية التي تشتريهم وتبيعهم. ما يملكه هو ملف متراكم عن كل لاعب تقريبا، يصل بين عمره وعقده ومسيرته ووكيله وأرقامه وانتقالاته وقيمته التقديرية، ومع نمو قاعدة البيانات، تصبح هذه العلاقات نفسها أكثر قيمة.
فالمعلومة المنفردة عن لاعب قد تكون متاحة في عشرات الأماكن، لكن جمع آلاف المعلومات وربطها وتحديثها ووضعها في بنية قابلة للبحث والمقارنة يحولها إلى مورد يمكن أن يستخدمه المشجع مجانا، بينما يدفع المحترف للحصول على أدوات أعمق للتعامل معه.
بهذا المعنى، لم يكن النجاح التجاري الأهم ل”ترانسفير ماركت” في بيع معلومة لا يعرفها أحد، وإنما في تنظيم معلومات يعرف كل شخص جزءا منها، ثم جمعها في صورة أصبحت مفيدة بما يكفي لأن تدفع صناعة كرة القدم مقابل استخدامها.
أرقام “ترانسفير ماركت” في تصريحات الرؤساء وتقارير الأندية والتحقيقات
ظل نفوذ “ترانسفير ماركت” محدودا ما دام الرقم يدور بين المشجعين ووسائل الإعلام. لكن اللحظة الأهم جاءت عندما بدأ يظهر في لغة المسؤولين أنفسهم، ويُستدعى في سياقات تتجاوز الفضول الجماهيري إلى الدفاع عن الصفقات وتقييم الأصول ومقارنة القرارات المالية.
ظهر ذلك بوضوح في صيف 2020، عندما وجد رئيس برشلونة آنذاك جوسيب ماريا بارتوميو نفسه تحت ضغط متزايد بسبب الصفقة التي انتقل بموجبها آرثر ميلو إلى يوفنتوس مقابل 72 مليون يورو، فضلا عن متغيرات مالية، بالتزامن مع انتقال ميراليم بيانيتش في الاتجاه الآخر.

كانت الصفقة مثار أسئلة واسعة داخل برشلونة، ليس بسبب القيمة وحدها، وإنما بسبب توقيتها وطبيعتها المالية. وعندما سُئل بارتوميو عن الأساس الذي يبرر تقييم آرثر بهذا المبلغ، لجأ إلى مرجع خارجي مألوف للجمهور. وقال، بحسب مقابلة مع إذاعة راك 1 (RAC1)، إن قيمة اللاعب على “ترانسفير ماركت” كانت تقارب 70 مليون يورو قبل التخفيضات التي طالت قيم اللاعبين خلال جائحة كورونا.
تكمن أهمية هذه الواقعة في الطريقة التي استُخدم بها الرقم، لا في ما إذا كان التقييم دقيقا أم لا. فبارتوميو لم يقدم “ترانسفير ماركت” باعتباره جهة محاسبية أو شركة تقييم مالي، ومع ذلك استعان به بوصفه نقطة مرجعية يستطيع الجمهور التعرف إليها وفهمها. بهذا المعنى، أدى الرقم وظيفة شبيهة بشاهد خارجي يدعم رواية الإدارة عن القيمة التي نسبت إلى اللاعب.
وظهر الاستخدام نفسه في فرنسا. فقد استند رئيس أولمبيك مرسيليا جاك هنري إيرو (Jacques-Henri Eyraud) إلى تقديرات “ترانسفير ماركت” عندما تحدث عن تطور قيمة تشكيلة النادي بعد الاستثمارات التي ضخت فيها. كما وجد تحقيق منصة “فولو ذا موني” (Follow the Money) إشارات إلى أرقام الموقع في تقارير تخص عددا من الأندية الأوروبية، فيما استخدم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” (UEFA) بيانات من المنصة في بعض تقاريره.
ومع تكرار هذه الاستشهادات، تغير موقع الرقم تدريجيا. لم يعد مجرد تقدير يتجادل حوله جمهور الموقع، بل أصبح مرجعا جاهزا يمكن لمسؤول أن يستحضره عندما يريد مقارنة قيمة لاعب، أو إظهار نمو قيمة فريق، أو وضع صفقة في سياق أوسع من الأرقام المتداولة في السوق. ثم دخل “ترانسفير ماركت” مساحة أكثر حساسية من الخطاب الإداري.
ففي إسبانيا، أفادت صحيفة لاس بروفينثياس (Las Provincias) عام 2020 بأن النيابة المختصة بمكافحة الفساد في فالنسيا استعانت بقيم الموقع ضمن المواد التي نظرت إليها أثناء فحص شكوى تتعلق ببعض صفقات النادي في عهد المالك بيتر ليم والوكيل جورجي مينديش.
لا يعني ذلك أن تقدير “ترانسفير ماركت” أصبح دليلا قضائيا على أن صفقة ما كانت سليمة أو مشبوهة. فالتحقيق في صفقة مالية يحتاج إلى عقود وتحويلات ووثائق وشهادات وسياق قانوني، وهي أمور لا يستطيع رقم سوقي تقديري أن يحل محلها. لكن استخدامه في المقارنة يكشف تحولا أعمق في مكانة المنصة.
فحين يُستدعى الرقم في حديث رئيس برشلونة، ثم يظهر في تقارير أندية، ثم يدخل ضمن مواد تنظر إليها جهة تحقيق، يصبح من الصعب التعامل معه باعتباره رقما يعيش داخل حدود موقع إلكتروني.
وهنا تتضح المسافة التي قطعها “ترانسفير ماركت” خلال عقدين. الرقم الذي كان يولد من نقاش بين مستخدمين في منتدى صار قادرا على الانتقال إلى قاعات الاجتماعات والتقارير المالية وملفات التحقيق، مع بقاء طبيعته الأصلية كما هي.
ملكية أكسل شبرينغر وتأثير الانتشار
منذ عام 2008، تملك مجموعة أكسل شبرينغر (Axel Springer) نسبة 51% من شركة “ترانسفير ماركت”، في حين تحتفظ المجموعة نفسها بمحفظة إعلامية تضم مؤسسات واسعة الانتشار، من بينها صحيفة بيلد (Bild) ومجلة سبورت بيلد (Sport Bild). وقد استخدمت منشورات تابعة للمجموعة قيم “ترانسفير ماركت” في تغطيتها الكروية، وهو ما يطرح سؤالًا عن العلاقة بين ملكية المنصة وانتشار الأرقام التي تنتجها.
فكلما أعادت وسيلة إعلامية كبيرة نشر قيمة لاعب على “ترانسفير ماركت”، اتسع نطاق تداول الرقم خارج جمهور الموقع نفسه. ومع تكرار الاستشهاد، يصبح الرقم أكثر حضورًا في النقاش العام حول اللاعب، وهو ما يعزز بدوره مكانة “ترانسفير ماركت” باعتباره مرجعًا شائع الاستخدام في تقدير القيم السوقية.
هذه العلاقة يمكن إثباتها من خلال هيكل الملكية وطبيعة استخدام وسائل الإعلام للأرقام، لكنها لا تكفي لإثبات أن أكسل شبرينغر تدخلت في تقييم لاعب بعينه أو وجهت المشرفين إلى رفع قيمة لاعب أو خفضها. وحتى الآن، لا تتوافر في المصادر التي تناولت المنصة أدلة تثبت هذا النوع من التدخل المباشر.
ومن هنا ينبغي الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة من الادعاء. الأول يتعلق بعلاقة ملكية يمكن أن تثير تساؤلات مشروعة عن تضارب المصالح أو عن أثر التغطية الإعلامية في ترسيخ القيم المنشورة. والثاني يتعلق بمحاولات ضغط من لاعبين أو وكلاء، وقد وردت بشأنها شهادات من عاملين سابقين في المنصة. أما المستوى الثالث فهو القول إن هذه الضغوط أدت بالفعل إلى تغيير قيمة لاعب، وهو ادعاء لا يمكن إثباته من دون وثيقة أو شهادة مباشرة أو نمط قابل للتحقق.

هذا الفصل ضروري لأن وجود مصلحة محتملة لا يثبت وجود تدخل، كما أن محاولة التأثير لا تثبت أن التقييم تغير نتيجة لها. والتمييز بين هذه المستويات يحافظ على السؤال الصحفي مفتوحًا من دون تحويله إلى اتهام لا تدعمه الأدلة.
القيمة السوقية ليست القيمة الدفترية
يظهر التباس آخر عندما تُستخدم أرقام “ترانسفير ماركت” في النقاشات المالية المتعلقة بالأندية. فالقيمة السوقية التي يضعها الموقع للاعب لا تساوي القيمة التي يسجلها النادي لهذا اللاعب في قوائمه المالية.
وتخضع المحاسبة الكروية لقواعد مختلفة. فوفقا للوائح ترخيص الأندية والاستدامة المالية لعام 2026 الصادرة عن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” (UEFA)، يسجل النادي تكلفة اقتناء تسجيل اللاعب وفق قواعد محاسبية محددة، ثم يوزع هذه التكلفة على مدة العقد الأصلية، بحد أقصى خمس سنوات لأغراض اللوائح، مع إجراء اختبارات لانخفاض القيمة عند الحاجة.
إذا تعاقد ناد، على سبيل المثال، مع لاعب مقابل 50 مليون يورو بعقد يمتد خمس سنوات، فإن التكلفة تسجل مبدئيًا بقيمة 50 مليونًا، ثم يحمّل النادي نحو 10 ملايين يورو سنويًا كمصروف استهلاك في نموذج مبسط.
وقد يقدم اللاعب موسمًا استثنائيًا، فترفع منصة “ترانسفير ماركت” قيمته التقديرية إلى 90 مليون يورو. هذا الارتفاع لا يسمح للنادي بتعديل القيمة الدفترية إلى 90 مليونًا لمجرد أن تقدير السوق تغير. فالقيمة المحاسبية مرتبطة بكلفة الاقتناء والقواعد التي تحكم تسجيلها واستهلاكها، لا بالتقييم الذي ينشره موقع خارجي.
ويظهر الفارق بصورة أوضح مع لاعبي الأكاديميات. فقد يقدّر “ترانسفير ماركت” قيمة لاعب تدرج في الفئات السنية لناديه بمئة مليون يورو، بينما لا يظهر في الميزانية أصل بقيمة مماثلة، لأن النادي لم يدفع هذا المبلغ للحصول على تسجيله من ناد آخر.
ومن ثم، ينبغي الفصل بين ثلاثة مفاهيم مختلفة. القيمة السوقية التقديرية تحاول التعبير عن موقع اللاعب في السوق. ورسم الانتقال هو المبلغ الذي يدفعه ناد إلى آخر في صفقة فعلية. أما القيمة الدفترية فهي الرقم المسجل محاسبيًا وفق تكلفة الاقتناء وقواعد الاستهلاك.
قد تتقارب هذه الأرقام أحيانًا، لكنها لا تؤدي الوظيفة نفسها، ولا يجوز استخدام أحدها بوصفه بديلًا عن الآخر.
ماذا تقيس أرقام “ترانسفير ماركت” فعليًا؟
بعد أكثر من ربع قرن على تأسيس “ترانسفير ماركت”، لا يبدو السؤال الأكثر فائدة هو ما إذا كانت كل قيمة ينشرها الموقع “صحيحة” أو “خاطئة”، لأن سوق الانتقالات لا يعمل بسعر ثابت يمكن اختباره بالطريقة نفسها في كل حالة.
رسم الانتقال يتحدد عندما يتفاوض ناد يملك اللاعب مع ناد يريد شراءه، وتدخل في النتيجة مدة العقد، وحاجة كل طرف، والمنافسة بين المشترين، والوضع المالي للنادي البائع، ورغبة اللاعب، وشروط العقد، وتوقيت الصفقة. ولهذا قد ينتقل لاعبان متقاربان في المستوى مقابل مبلغين مختلفين إلى حد كبير.
أما “ترانسفير ماركت” فيحاول تقديم تقدير عام لموقع اللاعب في السوق قبل حدوث الصفقة. ويستند هذا التقدير إلى الأداء والعمر ومدة العقد ومستوى المسابقة وسجل الإصابات والطلب المتوقع، إلى جانب ما يتوافر من أخبار ومقارنات وتقديرات بشرية.
ولهذا تكون قيمة الموقع مفيدة في مجالات محددة. فهي تتيح مقارنة تقريبية بين اللاعبين، ورصد تطور القيمة عبر الزمن، ومقارنة حجم التشكيلات، وتكوين تصور أولي عن أسواق ودوريات مختلفة. كما يمكن استخدامها نقطة انطلاق للبحث أو التحليل.
وتصبح المشكلة عندما تُحمّل هذه الأرقام أكثر مما تحتمل. فقيمة “ترانسفير ماركت” وحدها لا تثبت أن صفقة تمت بسعر عادل أو مبالغ فيه، ولا تحدد ما يجب أن يدفعه ناد فعليًا، ولا تمثل القيمة المحاسبية للاعب، ولا تعني أن صاحبها سيباع بالمبلغ نفسه.
وتوضح طريقة إنتاج القيم سبب ذلك. فالرقم النهائي لا يستند إلى متغير واحد أو معادلة معلنة، وإنما يتكون من مجموعة من المعلومات والتقديرات والمقارنات التي يناقشها المستخدمون والمشرفون، ثم تُراجع للوصول إلى قيمة نهائية.
بعد نشر هذه القيمة، لا تبقى آثارها محصورة في الموقع. تنقلها وسائل الإعلام، ويستخدمها المشجعون في المقارنات، ويطلع عليها اللاعبون والوكلاء، وقد يستشهد بها مسؤولو الأندية أو تظهر في تقارير مالية أو تحقيقات تتطلب مقارنات أولية.
ومع تكرار الاستخدام، يصبح الرقم نفسه جزءًا من البيئة التي يُناقش فيها اللاعب في السوق. فإذا ارتفعت قيمة لاعب على “ترانسفير ماركت”، قد يتحول هذا الارتفاع إلى خبر، ثم إلى عنصر في الحديث عن مستواه أو مستقبله أو السعر المتوقع لانتقاله. وعند التقييم التالي، تكون هذه التغطية الجديدة قد أصبحت بدورها جزءًا من المعلومات المتاحة عنه.
لهذا فإن تأثير “ترانسفير ماركت” لا يقوم على قدرته على تحديد سعر نهائي للاعب، وإنما على أنه وفر معيارًا شائعًا يتيح للصحافة والجمهور وبعض العاملين في كرة القدم الحديث عن قيمة اللاعبين باستخدام مرجع واحد.
بدأ الموقع عام 2000 بوصفه وسيلة لجمع أخبار فردر بريمن وشائعات انتقالاته. وبعد أكثر من 25 عامًا، أصبحت إحدى أكثر خدماته استخدامًا هي الإجابة التقديرية عن سؤال يسبق معظم النقاشات المتعلقة بسوق الانتقالات.
