تحولت ظاهرة تربّح الآباء من نشر صور أطفالهم إلى أمر مقلق بعد أن أصبحت أكثر أنواع المحتوى رواجا وربحية على الإنترنت، رغم ما تحمله من مخاطر نفسية مستقبلية على الطفل.
فمن الخطوات والكلمات الأولى مرورا بالالتحاق بالمدرسة ووصولا إلى نوبات الغضب والدموع، باتت جوانب كثيرة من الحياة الأسرية التي يلعب الطفل دور البطولة فيها تُصوَّر وتُنْشَر أمام الملايين.
فمنشور ترويجي واحد لطفل قد يدر على صاحبه مئات الآلاف، وربما ملايين الدولارات على المدى الطويل مع الحسابات الكبرى والمشهورة، فيما تقول المنظمات الحقوقية إن الأطفال بمثابة عمال بلا مكان عمل ولا حقوق لهم.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
فلا ساعات عمل محددة لهؤلاء الأطفال ولا رأي لهم فيما يراه العالم عنهم، ولا ضمانات لشيء مستقبلي، كما تقول المنظمات.
وقد تناولت حلقة 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026 من برنامج “المرصد” على شاشة الجزيرة آراء الجيل الأول من هؤلاء الأطفال المؤثرين، الذين أصبحوا الآن بالغين، حول هذه التجربة ونظرتهم إلى أهلهم. كما استمعت الحلقة إلى آراء الخبراء حول تأثير هذه الظاهرة في سلوك الأطفال وحقوقهم المعنوية والمادية.
فكم من المقاطع التي مر عليها الناس قبل سنوات كثيرة لأطفال يضحكون أو يلعبون أو يبكون أو يمارسون تمارين الصباح أو يرقصون أمام الكاميرا غير منتبهين إلى أن كل واحد من هؤلاء سيحمل إرثه الطفولي الذي لم يختره أو يوافق عليه حين يكبر.
المكسب أهم من الطفل
كايمي باريت، واحدة من هؤلاء الأطفال الذين تربّح آباؤهم من نشر لحظاتهم الطفولية، ففي العقد الأول من الألفية كانت والدتها تُعرَف بلقب “مدونة الأمهات”، ووثقت حياة ابنتها على موقع “ماي سبيس” ثم على فيسبوك.
وشاركت الأم تفاصيل قصة تبني كايمي والأزمات الصحية التي مرت بها، وعندما بلغت كايمي الخامسة عشرة، تعرضت لحادث سير كاد يودي بحياتها، لكن والدتها حولت الأمر إلى محتوى يومي للنشر.
تقول كايمي إنها كانت تسير مع أمها عندما صدمهما سائق مخمور بقوة، مما دفع الأطباء إلى تثبيتها على لوح طبي ووضع طوق لتثبيت رقبتها، ما جعلها تشعر برعب شديد.
وعندما وصلوا إلى المستشفى، اكتفت أمها بالجلوس والتقاط الصور لها، ولم تسألها إن كانت بخير أم لا إلا بعد 30 أو 40 دقيقة، لأنها كانت مشغولة بكتابة المنشورات على فيسبوك، كما تقول.
وتعليقا على هذا الحديث، قالت فورتيزا لطيفي، مؤلفة كتاب “أعجب، تابع، اشترك” (Like. Follow. Subscribe)، إن العديد من الآباء المهنيين اعترفوا لها صراحة بأن المحتوى الذي يحقق أفضل النتائج هو الذي يظهر فيه الطفل في حالة ضيق سواء بسبب المرض أو الحزن.
هؤلاء الآباء يدركون هذه الحقيقة، ومع ذلك يقررون تصوير تلك اللحظات ونشرها، كما تقول فورتيزا، التي أضافت: “نحن نفتقر إلى مجتمع داعم، لا نملك شبكة أمان اجتماعي تتمتع بها دول أخرى، نتيجة لهذه العزلة يتجه الآباء إلى الإنترنت ويؤسسون منصات يتفاعلون فيها مع متابعين يشكلون لهم نوعا من المجتمع البديل”.
أما كايمي باريت فتقول إنها بدأت تلاحظ إدمان والدتها وسائل التواصل الاجتماعي عندما كانت في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها، إذ كانت الأم تقضي ساعات طويلة أمام الحاسوب أو في التفاعل مع الآخرين وكأنها تستمد شعورا بالرضا من رؤية أعداد المعجبين والمعلقين.
وتعتقد كايمي أن أمها كانت تحاول في البداية العثور على مجتمع تنتمي إليه لكن الأمر بدأ يتخذ طابعا استعراضيا مبالغا فيه، وأصبحت منشوراتها أطول، وبات كل شيء يتسم بالمبالغات الشديدة.
فما بدأ مع كايمي قبل عقدين من الزمن تحول اليوم إلى صناعة ضخمة ومربحة حيث تحقق قنوات العائلات الأكثر نجاحا إيرادات شهرية تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات بفضل صفقات التعاون مع العلامات التجارية وعائدات الإعلانات ومبيعات المنتجات.
ويؤدي إشراك الطفل إلى توسيع نطاق ما يمكن للقناة بيعه، كما تساهم كل مرحلة من مراحله العمرية في فتح أسواق جديدة، فيما تقول سارة آدامز، مؤسسة موقع “أم تخوض المجهول” (MOM UNCHARTED)، إن الكثير من هؤلاء الأطفال يُستخدَمون بوصفهم محتوى حتى قبل ولادتهم.
حياة مصطنعة
فغالبا ما يتم الإعلان عن الطفل عبر نشر صور الموجات فوق الصوتية وهي اللحظة التي تبدأ فيها بصمته الرقمية في التشكل، وفق سارة آدامز، التي ترى أن ما قد يبدأ بوصفه حياة طبيعية يتحول في الواقع إلى نسخة مصطنعة ومبالغ في إخراجها للحياة الأسرية، خاصة مع تزايد نجاح هذه العائلات عبر الإنترنت.
فالأم والأب اللذان ينشران هذا النوع من المحتوى، يصبحان بمثابة مخرجين يديران مشهدا ما، بحسب فورتيزا, التي قالت إن هذا “هو جوهر الأمر بالنسبة للطفل، إذ تتحول العلاقة الأسرية إلى علاقة عمل، ويصبح الوالد أو الوالدة بمثابة المدير”.
وتجني شركات وسائل التواصل الاجتماعي أموالا طائلة من المحتوى الموجه للأطفال، إذ قدرت إحدى دراسات جامعة هارفارد أن هذه الشركات حصدت ما يقرب من 11 مليار دولار في عام واحد فقط من صناع محتوى أمريكيين تقل أعمارهم عن 18 عاما.
فالطفل يتحول إلى مصدر رئيسي لدخل الأسرة، لكن عواقب ذلك غالبا ما تكون كارثية من الناحية النفسية للطفل بعد سنوات، خصوصا أنه كثيرا ما يصبح غير قادر على وقف هذا العمل بسبب غضب الآباء، الذين أصبحوا يتعاملون معه بوصفه مصدرا وحيدا للدخل.
Published On 12/10/2026
