مع تسارع التحول العالمي نحو التوسع في الطاقة النووية باعتبارها مصدرا حيويا لتوليد الكهرباء النظيفة والحد من الانبعاثات الكربونية، تزداد الحاجة الماسة إلى تشديد الرقابة البيئية على دورة الوقود النووي بأكملها. فالعمليات المرتبطة بالتعدين، ونقل المواد المشعة، ومعالجة المخلفات في المحطات، تتطلب إجراءات احترازية مستمرة لضمان عدم وصول أي تسرب عرضي إلى مصادر المياه العذبة أو السواحل البحرية، سواء بسبب حوادث طارئة أو عوامل بيئية غير محسوبة.
في المعتاد، تتطلب مراقبة هذا التسرب الاعتماد على أجهزة مخبرية متطورة للغاية، مثل تقنية مطيافية الكتلة للبلازما المقترنة بالحث. ورغم الدقة العالية لهذه المعدات، فإن حجمها الضخم وتكلفتها المرتفعة وحاجتها إلى تحضير مسبق معقد للعينات تجعل الفحص الميداني الفوري شديد الصعوبة ومقتصرا على مختبرات مركزية مجهزة، وهذا ما جاءت دراسة اليوم لتغيره.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
نجح فريق بحثي صيني في تطوير أسلوب فحص ميداني مبتكر يجمع بين الكيمياء وكاميرا الهاتف الذكي. نشرت النتائج في دراسة حديثة في دورية “سستنبل كربون ماتيريال”، حيث أظهر الابتكار قدرة فائقة على رصد أيونات اليورانيل بقدرة شديدة الحساسية تصل إلى ما يقل عن نصف الحد الأقصى المسموح به عالميا في مياه الشرب، مما يمنح هامش أمان واسعا للتنبيه المبكر.
حذر عالمي
يقول أحمد قاسم، الباحث في قسم الكيمياء بجامعة فرجينيا كومنولث الأمريكية، وغير المشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: “يوجد اليورانيوم في المياه غالبا على هيئة أيون اليورانيل، وهو شديد الذوبان وسهل الانتقال، وسُمّيته الكيميائية على الكلى أخطر في الغالب من إشعاعه في التركيزات البيئية.
ويصل إلى المياه عبر التعدين ونفايات الوقود النووي والحوادث. لذلك حددت منظمة الصحة العالمية ووكالة حماية البيئة الأمريكية سقفا قدره 30 ميكروغراما لكل لتر من مياه الشرب (نحو 130 نانومولارا)”.
للتغلب على هذه المعضلة وتوفير وسيلة رقابة سريعة ومحمولة، نجح الفريق في تطوير أداته. وتتكون المنظومة الميدانية ببساطة من عدة أدوات مساعدة يسهل حملها داخل حقيبة فحص صغيرة؛ حيث يقوم فني الميدان بإضافة قطرات من عينة المياه المشتبه فيها إلى أنبوب اختبار يحتوي على معلق سائل من المادة الكاشفة.
وبمجرد تعريض الأنبوب لحزمة ضوء صادرة من مصباح يدوي محمول للأشعة فوق البنفسجية، تلتقط صورة للأنبوب بواسطة كاميرا الهاتف المحمول. ويتولى تطبيق رقمي قراءة وتحليل نظام الألوان الأساسية في الصورة، مركزا على النسبة الرياضية بين اللونين الأخضر والأحمر، ليحول هذا التغير اللوني فورا إلى تركيز محدد لليورانيوم يظهر على الشاشة في غضون لحظات.
يشرح أحمد آلية تغير اللون: “يعمل الجزيء العضوي في المادة (حمض البيروميليتيك) عمل المستشعر، فيمتص الأشعة فوق البنفسجية وينقل طاقتها إلى أيونات اليوروبيوم، فتتوهج بالأحمر عند 616 نانومترا. وعندما يلتصق اليورانيل بمجموعات الكربوكسيل في هذا الجزيء، ينقطع مسار نقل الطاقة فيخبو الأحمر، وتظهر في الوقت نفسه إضاءة خضراء عند 513 نانومترا يعزوها الباحثون إلى انتقال للشحنة من الجزيء إلى اليورانيوم”.

إشارة المرور البيئية
يكمن السر العلمي خلف هذه الاستجابة السريعة في البنية الهندسية للمادة الكاشفة، وهي شبكة هجينة تجمع بين فلز الزنك وعنصر “اليوروبيوم”، وهو أحد العناصر الأرضية النادرة المعروفة بإشعاعها الضوئي المميز، إلى جانب جزيئات عضوية رابطة تؤدي دورا مزدوجا.
يفسر أحمد: “الزنك لا يتوهّج ولا يرتبط باليورانيوم، لكنه مهندس البناء. فمادة الزنك وحدها تتكون من صفائح متراكمة، ومادة اليوروبيوم وحدها كتل غير منتظمة، بينما ينتج خلطهما كرات متجانسة قطرها نحو 0.5 ميكرومتر، تحتوي مسامّ منتظمة ومساحة سطحية قدرها 69 مترا مربعا لكل غرام. هذا الانتظام يجعل المادة تتوزع في الماء بشكل متكرر وموثوق، وهو شرط لأي قياس كمي. كما كان التوهج الأحمر في المادة الثنائية أقوى بوضوح، وعمره الضوئي 278 ميكروثانية، وهو أطول مما في مادة اليوروبيوم وحدها، مما يعني فقدا أقل للطاقة”.
ويضيف: “المجسات التقليدية تقيس شدة لون واحد، وهذه الشدة تتأثر بعوامل لا علاقة لها باليورانيوم، مثل كمية المادة المضافة، وتذبذب المصباح، وعكارة الماء. أما هنا فيقاس اللونان معا من الجسيم نفسه، ويحسب ناتج قسمة الأخضر على الأحمر. فإذا ضعف المصباح مثلا، يضعف اللونان معا وتبقى النسبة ثابتة تقريبا، تماما كما لا يتغير وزن جسم على ميزان ذي كفتين إذا مالت الطاولة”.
تقدم آلية الاستشعار النسبي هذه ميزة نوعية بالغة الأهمية؛ فبدلا من الاعتماد على قياس شدة وميض لوني وحيد قد يتعرض للتذبذب بسبب تغير زاوية التصوير أو اختلاف إضاءة البيئة المحيطة، يقيس التطبيق العلاقة المتبادلة بين تراجع الأحمر وصعود الأخضر معا، وهو ما يمنح النظام ميزة المعايرة الذاتية ويضمن ثبات النتائج وموثوقيتها.
اختبارات صارمة
لإثبات كفاءة المستشعر العملية، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب الصارمة للتحقق من مناعته ضد التداخلات الشائعة في المياه الطبيعية والصناعية. يعلق أحمد: “في اختبارات الانتقائية لم تتأثر الإشارة كثيرا بمعظم الأيونات الشائعة كالصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم، بل حتى الثوريوم. لكن عند خلط اليورانيل مع ثلاثة أضعاف تركيزه من أيونات أخرى، خفضت الكربونات والبيكربونات والكبريتيد واليوديد الإشارة بنحو 30 إلى 50%. وهذه نقطة جوهرية، لأن الكربونات موجودة بكثرة في المياه الطبيعية ومياه البحر، وترتبط باليورانيل بقوة”.
كما اختبرت المنظومة على عينات واقعية جرى جمعها من بحيرات طبيعية ومياه بحرية بعد تدعيمها بتركيزات مدروسة من اليورانيوم، ونجحت المنظومة في تحديد كميات الملوث بدقة بالغة تجاوزت 95%، مع هوامش خطأ إحصائي ضئيلة للغاية.
ومع هذه النتائج الواعدة، يحرص الفريق العلمي على الإشارة إلى أن التقنية تمثل نموذجا أوليا ناجحا يحتاج إلى مزيد من التطوير قبل الانتقال إلى التطبيق الميداني الواسع والتسويق التجاري. فالمنظومة الحالية تحقق أفضل مستويات الدقة عند درجة حموضة متعادلة تقارب سبع درجات، مما يعني أن فحص مياه الصرف الشديدة الحموضة أو القلوية قد يتطلب ضبطا أوليا سريعا لدرجة حموضة العينة قبل مزجها بالكاشف.
يمثل الاعتماد على عنصر اليوروبيوم تحديا متعلقا بتكلفة التصنيع يتطلب بحث بدائل اقتصادية، إلى جانب الحاجة لاختبار ثبات الفحص تحت أشعة الشمس المباشرة وفي ظروف التلوث الكيميائي المعقد.
وفي المحصلة، يفتح هذا الابتكار آفاقا جديدة لتوظيف الكيمياء الضوئية في حماية الموارد الطبيعية، مقدما أداة واعدة من شأنها تمكين فرق السلامة البيئية والمجتمعات المحلية القريبة من المنشآت الصناعية من رصد جودة مياههم بأنفسهم، وبشكل فوري يحمي الصحة العامة ويصون البيئة المائية للأجيال القادمة.
