لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية لتلبية حاجات الأسر وتشغيل المرافق والأنشطة الإنتاجية، بل تحولت تدريجيا إلى أحد محددات التنافسية الاقتصادية، في ظل سباق دولي لاستقطاب الصناعات المتقدمة ومراكز البيانات، والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ومع تسارع التحولات في إنتاج الطاقة، وارتفاع الطلب عليها، لم يعد التنافس مقتصرا على امتلاك مصادرها، بل امتد إلى القدرة على توفير كهرباء وفيرة ومستقرة ومنخفضة الكربون، وبأسعار تسمح باستدامة النشاط الصناعي.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

وتضع هذه التحولات الدول العربية أمام فرصة اقتصادية تتجاوز تصدير الكهرباء عبر الحدود، نحو استثمار موارد طاقة الشمس والرياح في بناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية، قادرة على خلق قيمة مضافة وتوسيع الصادرات.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية يظل رهينا بتطوير الشبكات والتخزين والربط الكهربائي، وضمان استمرارية الإمدادات، وتحقيق التوازن بين حاجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير وجذب الاستثمارات.

طفرة الطلب

تكشف الأرقام الدولية عن تحول متسارع في مكانة الكهرباء داخل الاقتصاد العالمي، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب العالمي على الكهرباء بمتوسط سنوي يبلغ 3.6% في الفترة بين عامي 2026 و2030، مقارنة بمتوسط نمو سنوي في حدود 2.8% خلال العقد السابق.

ويعني ذلك إضافة نحو 1100 تيراوات/ساعة سنويا (تيراوات يساوي مليون ميغاوات) إلى الاستهلاك العالمي، الذي ينتظر أن يرتفع من 28200 تيراوات/ساعة في 2025 إلى 33600 تيراوات/ساعة في أفق 2030.

ولا يرتبط هذا النمو بالتوسع الصناعي وحده، بل يتغذى أيضا من ارتفاع الطلب على التبريد والتكييف، وانتشار السيارات الكهربائية، وتوسع مراكز البيانات، التي تعد أحد أبرز محركات الطلب الجديد، بالنظر إلى حاجة هذه القطاعات إلى الكهرباء بصورة مستمرة لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد وتخزين المعطيات ومعالجتها.

OUARZAZATE, MOROCCO, OCTOBER 20: Development of the solar energy in Morocco, the solar power plant Noor1 in Ouarzazate, the parabolic mirrors on october 20, 2016 . (photo by Philippe Petit/Paris Match via Getty Images)
توافر الطاقة الشمسية بشكل مستدام يعد أحد عوامل جذب الاستثمارات (غيتي)

جذب الاستثمارات

يرى عبد الصمد ملاوي، الأستاذ الجامعي والمتخصص في تكنولوجيا الطاقات المتجددة والأنظمة الإلكترونية المدمجة، أن الكهرباء أصبحت عاملا مباشرا في التنافسية الصناعية والاستثمارية، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية باعتبارها جزءا من البنية التحتية للدول.

ويشير ملاوي في تصريح للجزيرة نت إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء تضاعف 3 مرات بين عامي 2000 و2024، متوقعا استمرار ارتفاعه في السنوات المقبلة، بفعل النمو السكاني والاقتصادي وتزايد استعمال أجهزة التبريد، فضلا عن التوسع في مراكز البيانات وتحلية مياه البحر، مبرزا الحاجة، وفق وكالة الطاقة الدولية، إلى زيادة سعة تخزين الطاقة العالمية 6 أضعاف لتصل إلى 1500 غيغاوات بحلول عام 2030.

ولا يتوقف التحول عند ارتفاع حجم الاستهلاك، بل يشمل طبيعة الكهرباء المطلوبة، فالصناعات المتقدمة ومراكز البيانات لا تحتاج إلى طاقة متاحة فحسب، وإنما إلى إمدادات مستمرة ذات جودة عالية، وتكلفة قابلة للتوقع، وبصمة كربونية منخفضة.

وهنا تتحول الكهرباء من عنصر تشغيلي إلى جزء من قرار اختيار موقع الاستثمار، بما يضع الدول أمام منافسة جديدة ترتبط بقدرتها على ضمان الطاقة بقدر ارتباطها بالبنية التحتية والمهارات واللوجستيات.

حسابات المستثمرين

لم تعد كلفة اليد العاملة والموقع الجغرافي والحوافز الضريبية وحدها كافية لتفسير اختيارات المستثمرين الصناعيين؛ خصوصا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. فاستقرار الإمدادات وجودة التيار وسرعة الربط بالشبكة والقدرة على توقع كلفة الكهرباء لسنوات مقبلة، أصبحت جميعها عناصر مؤثرة في حسابات إنشاء المصانع ومراكز البيانات.

ويؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة محمد السادس بالرباط عبد الخالق التهامي أن الكهرباء باتت من العوامل الأساسية في اختيار موقع الاستثمار، ولاسيما في الصناعات المرتبطة بالبطاريات، ومراكز البيانات والخدمات التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته، يشدد التهامي في تصريح للجزيرة نت على أن التنافسية لا تختزل في انخفاض السعر، لأن أي انقطاع أو تأخر في الربط قد يرفع الكلفة الإجمالية للمشروع، ويدفع المستثمر إلى اختيار وجهة أخرى.

ويضيف أن مصدر الكهرباء أصبح بدوره ذا أهمية متزايدة، مع توجه شركات دولية إلى تقليص البصمة الكربونية لمنتجاتها، والاستجابة لمتطلبات الأسواق التي تفرض معايير بيئية على الواردات. وبذلك يمكن للكهرباء من مصادر طاقة متجددة أن تمنح البلدان ميزة تجمع بين التحكم في التكلفة، والاستجابة لمتطلبات الإنتاج منخفض الانبعاثات.

وتعزز أرقام الوكالة الدولية للطاقة المتجددة هذا التحول من زاوية التكلفة، إذ أفاد تقريرها الصادر في يوليو/تموز 2026 بأن أكثر من 90% من مشاريع الطاقة المتجددة واسعة النطاق التي دخلت الخدمة في 2025 أنتجت الكهرباء بتكلفة تقل عن تكلفة أرخص محطة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري في الأسواق المعنية.

Fiat and Citroen electric vehicles wait to be exported, at Tanger Med Port, on the Strait of Gibraltar, east of Tangier, Morocco June 6, 2024. REUTERS/Abdelhak Balhaki
ارتفاع الطلب على الكهرباء مع التوسع في إنتاج السيارات الكهربائية (رويترز)

الفرق بين امتلاك الموارد وتوظيفها

وتمنح هذه المعطيات الطاقات المتجددة موقعا اقتصاديا يتجاوز الاعتبارات البيئية، إذ باتت قادرة في عدد متزايد من الأسواق على منافسة مصادر التوليد التقليدية من حيث تكلفة إنتاج الكهرباء الجديدة. ولكن هذه المقارنة لا تعني أن الكهرباء المتجددة تكون بالضرورة الأرخص في كل بلد أو في كل ساعة من اليوم، كما لا تشمل هذه المقارنة تكلفة التخزين والنقل والاحتياطيات اللازمة لضمان الإمداد المستمر.

ومن هنا يبرز الفرق بين امتلاك موارد طبيعية واعدة، وبين القدرة على تحويلها إلى كهرباء تنافسية تصل إلى المستثمر في الوقت والمكان المناسبين. فموارد طاقة الشمس والرياح لا تتحول تلقائيا إلى ميزة صناعية، ما لم تواكبها شبكات قادرة على استيعاب الإنتاج، ومنظومة تخزين مرنة، وعقود واضحة تضمن استقرار الأسعار والإمدادات.

وبالنسبة إلى المغرب ومصر ودول الخليج، يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق التهامي أن الفرصة تكمن في ربط تطوير مشاريع طاقة الشمس والرياح بالمناطق الصناعية والموانئ وشبكات نقل الكهرباء، ضمن منظومة متكاملة تشمل أيضا الكفاءات والقواعد التنظيمية الواضحة.

ويشير إلى أن المستثمر لا يبحث عن مصدر للطاقة بمعزل عن بقية مكونات المشروع، وإنما عن بيئة إنتاج متكاملة تتيح له التحكم في التكاليف، وضمان استمرارية النشاط.

مساران أمام الدول العربية

يتجاوز الرهان الاقتصادي للكهرباء مسألة بيع الفائض عبر خطوط الربط، ليشمل استخدام الطاقة النظيفة في إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى، فالدول التي تتوافر لديها كهرباء متجددة بتكلفة تنافسية يمكنها توظيفها في تطوير صناعات البطاريات والمعادن منخفضة الكربون ومكونات السيارات الكهربائية، فضلا عن تشغيل مراكز البيانات والمنشآت الرقمية.

ويضع هذا التحول أمام الدول العربية مسارين متكاملين للاستفادة من الكهرباء؛ أولهما تصدير الطاقة مباشرة إلى الأسواق الخارجية، وثانيهما استغلالها محليا في أنشطة صناعية وتكنولوجية، تنتج سلعا وخدمات قابلة للتصدير.

وبين المسارين، لا يتعلق الاختيار بمجرد تفضيل نموذج على آخر، بل بحسابات الجدوى الاقتصادية، وحجم الاستثمارات المطلوبة، وطبيعة الطلب الخارجي، وحاجات السوق الداخلية.

وفي هذا الإطار، يرى الأستاذ الجامعي والمتخصص في تكنولوجيا الطاقات المتجددة ملاوي أن القيمة الاقتصادية لمشاريع الربط الكهربائي لا ينبغي أن تقتصر على نقل الكهرباء لاستهلاكها المنزلي أو الصناعي في الأسواق المستوردة، بل يمكن أن تتسع لتشمل إقامة صناعات مرتبطة بالطاقة النظيفة، مثل الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، والبطاريات والسيارات الكهربائية.

ويشير المتحدث إلى أن الربط الكهربائي في الاتجاهين يتيح للدول تبادل الطاقة وفق تفاوت العرض والطلب، بحيث يمكن بيع الفائض عندما تكون الأسعار والظروف ملائمة، واستيراد الكهرباء عند الحاجة إذا كانت متاحة لدى الشركاء بكلفة مناسبة.

ولكن التصدير المباشر ليس الطريق الوحيد إلى تحقيق العائد، إذ ينبه عبد الخالق التهامي إلى أن استخدام الكهرباء داخل البلد لإنتاج منتجات صناعية وخدمات رقمية قد يخلق قيمة مضافة، وفرص عمل أكبر من بيع الكهرباء وحدها.

ويقر التهامي في المقابل بأن جدوى هذه المشاريع تظل مرتبطة بتوافر شروط اقتصادية وتقنية، ولاسيما فيما يتعلق بكلفة الإنتاج والتخزين والشبكات واستمرارية الإمدادات، مشددا على أن تأمين حاجات الأسر والمقاولات والصناعات المحلية ينبغي أن يظل ضمن الحسابات الأساسية، حتى لا تتحول سياسة التصدير إلى ضغط إضافي على السوق الداخلية.

مشروعات الطاقة الشمسية ساعدت في توفير فرص العمل في المغرب
مشروعات الطاقة الشمسية ساعدت في توفير فرص العمل في المغرب (رويترز)

سوق عربية بإمكانات متفاوتة

تتوفر المنطقة العربية على موارد واسعة من طاقة الشمس والرياح، ومساحات قابلة لاستضافة مشاريع إنتاج الطاقة، فضلا عن موقع جغرافي يتيح لعدد من دولها التواصل مع أسواق أفريقيا وأوروبا وآسيا.

توفر هذه المؤهلات قاعدة لتطوير تجارة الكهرباء والطاقة النظيفة، لكنها لا تعني أن جميع الدول العربية تمتلك القدرات ذاتها أو تواجه الظروف نفسها؛ إذ تختلف مستويات الطلب والإنتاج والبنية التحتية والتمويل والربط من بلد إلى آخر.

ويعتبر ملاوي أن فرص المنطقة العربية في تصدير الكهرباء المتجددة كبيرة بالنظر إلى مواردها الطبيعية، وإلى إمكانات إقامة مشاريع واسعة النطاق لطاقة الشمس والرياح، فضلا عن امتلاك عدد من الدول موانئ ومساحات تسمح بتطوير مشاريع صناعية مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والأمونيا، والمنتجات المنخفضة الكربون.

ووفق الأرقام التي أوردها ملاوي، تجاوز إنتاج الكهرباء في الدول العربية مجتمعة 1400 تيراوات/ساعة عام 2023، وهذا الرقم، وإن كان يعكس حجم المنظومة الكهربائية العربية، فإنه لا يكفي بمفرده لتقدير القدرة التصديرية، التي تتوقف أيضا على حجم الاستهلاك المحلي، ومزيج مصادر التوليد، وكفاءة الشبكات، والقدرة على تخزين الفائض ونقله إلى الأسواق الأخرى.

وتبرز دول شمال أفريقيا ضمن النقاش المتعلق بالتصدير نحو أوروبا، بفعل القرب الجغرافي والربط القائم أو المقترح، إلى جانب الموارد المتجددة التي يمكن تطويرها. كما تبرز دول الخليج من زاوية أخرى، ترتبط بتوسيع مشاريع الطاقة النظيفة وتطوير الربط وتبادل الكهرباء، في سياق سياسات تنويع الاقتصادات وتعزيز الصناعات والاستثمارات الجديدة.

ويشدد ملاوي على أهمية ألا تظل مشاريع الطاقة المتجددة والربط الكهربائي محصورة في خطط وطنية منفصلة، داعيا إلى التفكير في شبكة عربية أوسع للتبادل، تمتد من شمال أفريقيا إلى المشرق والخليج، بما يتيح تقاسم الفوائض والاستفادة من اختلاف أوقات الذروة وأنماط الاستهلاك.

ويطرح الخبير أيضا تصور إنشاء مراكز تخزين إقليمية كبرى، يمكن أن تخدم أكثر من دولة، مع اقتراح مناطق في شمال أفريقيا ومصر والخليج لاستضافة منشآت من هذا النوع.

وتنسجم هذه الرؤية مع النقاش الذي يتناوله البنك الدولي بشأن تطوير تجارة الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تبرز أهمية البنية التحتية العابرة للحدود، والتنسيق بين الأسواق، وتحسين استغلال الموارد، إلى جانب معالجة العوائق التنظيمية والتجارية التي تحد من توسيع التبادل الكهربائي.

المغرب ومصر والخليج.. نماذج مختلفة

تقدم التجارب العربية نماذج متباينة في التعامل مع الكهرباء بوصفها أصلا اقتصاديا واستثماريا، ففي المغرب يرتبط الرهان بتوسيع قدرات الطاقات المتجددة، وتعزيز شبكة النقل، والاستفادة من القرب من أوروبا والربط الكهربائي القائم مع إسبانيا.

وأعلن المغرب خطة استثمارية تقارب 30 مليار درهم (نحو 3 مليارات دولار) لتطوير شبكة نقل الكهرباء في الفترة بين عامي 2024 و2030، في سياق الاستعداد لاستيعاب قدرات إنتاجية إضافية، ومواكبة التحولات في مزيج الطاقة.

ويؤكد التهامي أن وجود موارد لطاقة الشمس والرياح وقرب جغرافي من أوروبا يوفر للمغرب عناصر مشجعة، لكنه يحذر من الخلط بين القدرة على تصدير الكهرباء في فترات معينة والتحول إلى مصدر صافٍ ومستمر للطاقة.

ويشير إلى أن المغرب يستورد الكهرباء أيضا، مستندا إلى حصيلة المبادلات مع إسبانيا في 2025، التي قال إنها كانت لصالح الاستيراد، مبرزا أن توسيع القدرة التصديرية يظل مرتبطا بتأمين الطلب الداخلي وتطوير الإنتاج والشبكات، لا بمجرد توافر خطوط الربط.

أما في مصر، فيبرز مشروع “غريغي” (GREGY) للربط الكهربائي المصري اليوناني باعتباره نموذجا لمشاريع نقل الكهرباء عبر البحر المتوسط باتجاه السوق الأوروبية، ويستهدف المشروع إنشاء كابل بحري عالي الجهد بطول يقارب 954 كيلومترا وبقدرة تصل إلى 3 آلاف ميغاوات.

ويعكس هذا النوع من المشاريع اتجاها نحو توسيع التجارة العابرة للحدود، لكنه يظل مرتبطا بمراحل التطوير والتمويل والتنفيذ، وبالشروط الفنية والتجارية التي تحدد حجم الكهرباء التي يمكن نقلها فعليا.

وفي الخليج، تتخذ المسألة بُعدا إقليميا يرتبط بتطوير منظومة الربط وتبادل الكهرباء بين الدول، بما يسمح بتحسين استغلال قدرات التوليد وتوفير بدائل للإمداد عند اختلاف الطلب أو حدوث اختلالات في بعض الشبكات.

وتكشف هذه النماذج أن التعامل مع الكهرباء كأداة للتنافسية لا يتخذ مسارا واحدا، فالمغرب يربط الفرصة بتطوير الشبكات والطاقة المتجددة والانفتاح على السوق الأوروبية، فيما تبرز مصر في مشاريع الربط البحري والتوجه نحو نقل الكهرباء إلى الخارج، بينما تقوم التجربة الخليجية على تعزيز التكامل الكهربائي الإقليمي، وتطوير البنية التحتية المشتركة.

التخزين والشبكات.. اختبار الجاهزية

رغم الإمكانات الطبيعية والاقتصادية التي تتيحها الكهرباء من الطاقات المتجددة، فإن تحويلها إلى مصدر للتصدير وجذب الاستثمارات يواجه تحديات تتجاوز إنشاء محطات التوليد. فالشمس والرياح لا توفران الإنتاج نفسه طيلة اليوم، بينما تحتاج الصناعات ومراكز البيانات إلى إمدادات مستقرة ومستمرة، ومن ثم تصبح قدرة الدول على التخزين وإدارة الشبكات وضمان مرونة المنظومة جزءا أساسيا من قدرتها على المنافسة.

ويضع ملاوي 4 شروط رئيسة لتحويل الكهرباء النظيفة إلى رافعة للاستثمار والصناعات الخضراء، وهي:

  • تطوير الإنتاج المتجدد منخفض التكلفة
  • ضمان موثوقية الإمداد والتخزين
  • تأهيل الشبكات الكهربائية
  • ربط مشاريع الطاقة بالصناعة والأسواق الخارجية

فيما يتعلق بالتخزين، يشير ملاوي إلى أن جزءا من الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة لا يمكن استغلاله في لحظة إنتاجه، مما يجعل التخزين ضروريا لنقل جزء من الطاقة المتاحة نهارا إلى فترات الاستهلاك الليلي، أو أوقات ارتفاع الطلب.

ويرى أن تطوير تقنيات التخزين يمكن أن يساعد الدول العربية على الاستفادة من مواردها في طاقة الشمس والرياح، وتوفير الكهرباء على مدار الساعة للقطاعات التي تتطلب استمرارية عالية.

وتتجاوز أهمية التخزين الجانب التقني إلى البعد التجاري، إذ يسمح بتدبير الفائض وتوقيت عرضه في الأسواق، وتحسين القدرة على التبادل مع الدول المجاورة، كما يمكن أن يسهم في الحد من الهدر.

أهمية تحديث شبكات الكهرباء

يعتبر ملاوي الشبكات أحد القيود الأساسية التي قد تحد من الاستفادة من الطاقات المتجددة، إذ ينبغي أن تكون قادرة على نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك أو التخزين أو الربط الخارجي، مع تحمل التغيرات في حجم الإنتاج وتوقيتاته.

ويضيف أن تطور أنظمة التحكم الرقمي والذكاء الاصطناعي يرفع بدوره من متطلبات تحديث الشبكات، سواء فيما يتعلق بإدارة التدفقات، أو توجيه الكهرباء، أو تسهيل عمليات البيع والشراء.

ويشير الخبير إلى تقديرات تفيد بأن الاستثمار العالمي في الشبكات الكهربائية يحتاج إلى أكثر من 600 مليار دولار سنويا بحلول 2030.

ويعكس هذا الرقم، وفق قراءة الخبير، حجم التحول المطلوب في بنية تحتية صممت في كثير من الحالات وفق أنماط إنتاج واستهلاك تقليدية، بينما تفرض المنظومات الجديدة دمج التخزين ومصادر متغيرة للإنتاج وأدوات رقمية أكثر تطورا.

ولا تنفصل هذه التحديات عن مسألة الربط الدولي، فوجود خطوط كهربائية بين الدول يتيح تبادل الطاقة في الاتجاهين، لكنه لا يضمن وحده نشوء تجارة منتظمة ومربحة، إذ يتطلب الأمر توافقا حول قواعد التبادل والتسعير، وضمانات تتعلق باستمرارية الإمداد، وقدرة تقنية على إدارة التدفقات العابرة للحدود.

كما أن مشاريع الربط تحتاج إلى تمويل كبير، وتنسيق بين المؤسسات والفاعلين، وأطر تنظيمية تسمح بتوزيع المنافع والتكاليف.

ويستحضر ملاوي أهمية الربط في حالات الطوارئ، مشيرا إلى دور خطوط الربط بين المغرب وإسبانيا في إمداد الشبكة الإسبانية بالكهرباء خلال اضطراب واسع عرفته إسبانيا في أبريل/نيسان 2025.

وتبرز هذه الإشارة، كما يعرضها الخبير، وظيفة الربط في تعزيز أمن الإمدادات، لا في تصدير الفائض التجاري فقط، فالكهرباء عنصر حيوي للمستشفيات والنقل والتبريد وحفظ الأدوية، ومرافق أخرى لا تحتمل انقطاعا طويلا للتيار.

وأوضح ملاوي أنه في البلدان التي يرتفع فيها الطلب على التبريد والتكييف، يمكن لتحسين كفاءة المباني والتجهيزات أن يقلل استهلاك الكهرباء خلال فترات الذروة، ويخفف الحاجة إلى استثمارات إضافية في قدرات الإنتاج والشبكات، وبذلك لا تقتصر التنافسية على إنتاج كهرباء أقل تكلفة، بل تشمل أيضا إدارة الطلب واستخدام الطاقة بكفاءة أعلى.

الكهرباء كأصل اقتصادي

تظهر التحولات العالمية أن الكهرباء أصبحت تتجاوز وظيفتها التقليدية، لتدخل في صلب التنافس على الاستثمارات والصناعات والتكنولوجيا، فارتفاع الطلب وتراجع تكاليف عدد من تقنيات الطاقة المتجددة، وتوسع القطاعات الرقمية والصناعات الخضراء، كلها عوامل تعيد تشكيل حسابات الدول والمستثمرين بشأن مصادر الطاقة ومواقع الإنتاج.

وبالنسبة إلى الدول العربية، تتيح موارد الشمس والرياح والموقع الجغرافي ومشاريع الربط القائمة أو المقترحة فرصا لتطوير تجارة الكهرباء واستقطاب صناعات جديدة، ولكن هذه الفرص لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب، إذ تتوقف على تأهيل الشبكات، وتوسيع التخزين، وضمان الإمدادات، وتطوير الأسواق والأطر التنظيمية، فضلا عن تحقيق التوازن بين التصدير وتلبية الطلب الداخلي.

والكهرباء التنافسية ليست مجرد كهرباء منخفضة السعر، بل منظومة تجمع بين الكلفة والجودة والاستقرار ومصدر الطاقة وسرعة الربط، إلى جانب قدرتها على دعم نشاط اقتصادي ذي قيمة مضافة، وبين تصدير الكهرباء وتصدير المنتجات والخدمات التي تتيحها، يبقى التحدي أمام الدول العربية هو تحديد النموذج الذي يحقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي، ويحول وفرة الموارد إلى استثمارات وصناعة وتكنولوجيا وصادرات مستدامة.

وبذلك، لم يعد الرهان محصورا في إنتاج مزيد من الكهرباء، بل في بناء منظومة قادرة على تحويلها إلى أصل اقتصادي واستثماري، وعلى جعل الطاقة النظيفة جزءا من إستراتيجية أوسع للتنمية والتنافسية والانخراط في الاقتصاد العالمي الجديد.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل