تخوض روسيا وأوكرانيا حربا صامتة تدور رحاها في الطيف الكهرومغناطيسي، حيث تتحول إشارات الاتصال والملاحة إلى أسلحة وأهداف في آن واحد، وذلك وسط تصاعد استخدام المسيّرات والصواريخ الموجهة، لدرجة أن التشويش والخداع الإلكتروني باتا عاملا حاسما في المعارك.

وبحسب تقرير في وول ستريت جورنال فإن الحرب الروسية الأوكرانية تشهد سباقا إلكترونيا متصاعدا، تحاول خلاله قوات الطرفين التشويش على اتصالات الخصم وملاحته، أو إخفاء إشاراتها، فيما توظف الذكاء الاصطناعي لتجاوز أنظمة التشويش وتطوير وسائل مضادة لها.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

معركة بلا صوت

ويستشهد التقرير بوحدة “نايت ووتش” الأوكرانية، التي تستخدم منظومة “ليما” لبث إشارات على مدى 120 ميلا، لتعطيل المسيّرات والصواريخ والقنابل الموجهة. وتقول الوحدة إنها استخدمت المنظومة لتضليل صاروخين باليستيين روسيين، إذ أرسلت إشارات ملاحة زائفة دفعت الصواريخ إلى تغيير مسارها والسقوط في نهر دنيبرو.

وتقول الوحدة إنها اعترضت صاروخ “كينجال” فرط الصوتي، بعدما بثت له إشارة ملاحية مضللة. كما أن التشويش قد يحرف الأهداف إلى مناطق مدنية أو يؤثر في الطائرات الأوكرانية.

ومع ذلك، يؤكد عسكريون أوكرانيون فاعلية هذه الوسائل؛ إذ يقول أحد ضباط قوات الأنظمة غير المأهولة إن التشويش يمكن أن يعطل بين 70 و95 بالمئة من المسيّرات التي يتم رصدها هناك.

سباق تسلح جديد

لا تقتصر الحرب على التشويش التقليدي، بل تشمل رصد الانبعاثات الإلكترونية، وخداع الرادارات، واعتراض الإشارات، وتطوير خوارزميات قادرة على الإفلات من التشويش.

وتقول شركة “فانتوم ديفنس” الأوكرانية إنها رصدت أكثر من 11500 طائرة روسية مسيّرة، ونجحت في تحييد نحو 7500 منها، بينما ارتفعت مبيعات شركة أوكرانية أخرى من عشرات الأنظمة عام 2024 إلى آلاف الوحدات شهريا.

وتكشف المعركة عن سرعة التكيف. فقد اكتشفت “نايت ووتش” أن طائرات وصواريخ روسية تستخدم هوائيات صينية قادرة على تحديد مصدر التشويش والالتفاف عليه. وبعد ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، طورت الوحدة منظومة “ليما كوانت” لمواجهة هذه التقنية، لكن روسيا رفعت عدد الهوائيات من أربعة إلى 32، لتبدأ جولة جديدة من السباق.

ويرى خبراء أن منظومات كهذه قد تعرقل هجمات باليستية بكلفة أقل بكثير من صواريخ الاعتراض، لكنها لا تحل محل منظومات مثل “باتريوت” بالكامل.

من أوكرانيا إلى العالم

وأعاد الغزو الروسي لأوكرانيا الحرب الإلكترونية إلى الاهتمام الغربي، بعد أن تراجعت أولويتها عقب الحرب الباردة، حين واجهت واشنطن خصوما أقل قدرة على خوضه في العراق وأفغانستان. ويقول مسؤولون أميركيون إن الحرب الأوكرانية كانت جرس إنذار، بينما رفعت وزارة الحرب الأميركية الاستثمار في قدرات الحرب الإلكترونية.

وتوسعت المعركة إلى وسائل مضادة للتشويش، مثل الاتصالات بالليزر، والمسيّرات المرتبطة بكابلات ألياف ضوئية، والمسيّرات القادرة على تحديد أهدافها بالذكاء الاصطناعي. ولكل تقنية ثغراتها؛ فالليزر محدود بالمسافة والطقس، والطائرات السلكية أبطأ وأقل قدرة على المناورة، بينما لا يزال الذكاء الاصطناعي غير موثوق تماما في الملاحة الذاتية لمسافات طويلة.

وتطور الوحدات الأوكرانية أنظمة أرخص تنتشر لتعطيل ترددات تستخدمها المسيّرات الروسية. وقد يصبح تحديد التردد مسألة حياة أو موت.

ويشير التقرير إلى أن هذا الصراع يتوسع بسرعة مع دخول تقنيات جديدة إلى ساحات القتال الحديثة في البر والبحر والجو على السواء.

وتخلص التجربة الأوكرانية إلى أن السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي باتت جزءا أساسيا من التفوق العسكري. وكما قال العقيد الأميركي جوش كوزلو، فإن من لا ينتصر في هذا الطيف “سيخسر الحرب”.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل