دفع الجيش الإسرائيلي برواية عن الحرب على غزة إلى شاشة السينما، وذلك عبر فيلم وثائقي، شارك فيه قادة وضباط وجنود احتياط، واستخدم مواد عسكرية، للرد على “نازا” (NAZA) الذي يوثق إدارة المؤسسة العسكرية لمنظومة قصف تقبل سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
ويواكب ظهور الفيلم المضاد، الذي يحمل عنوان “نازا: القصة الحقيقية” (NAZA: The Real Story)، بدء عرض الفيلم الأصلي في دور السينما الأمريكية، بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينسيا واستقباله بتصفيق استمر 25 دقيقة، ثم تعرض صناعه لحملة سياسية وإعلامية داخل إسرائيل.
قصص مقترحة
list of 4 itemsend of list
وذكرت مجلة “هوليوود ريبورتر” أن المخرج الإسرائيلي وضابط الاحتياط روي دانينو صنعا الفيلم المضاد بمشاركة ضابط الاحتياط أرييل أفربوخ وصانع المحتوى الإسرائيلي حاغاي غوتمان، مستندا إلى شهادات علنية لضباط وجنود شاركوا في الحرب على غزة. ويقول صناع العمل إن هدفهم تقديم رواية الجنود بكلماتهم الخاصة، ودعوة الجمهور إلى مشاهدة شهاداتهم قبل تكوين موقفه، في محاولة واضحة لمواجهة التأثير الكبير الذي أحدثه فيلم المخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور.
روايتان فوق أسطح تل أبيب
يستعير “نازا: القصة الحقيقية” الأسلوب البصري للفيلم الذي يرد عليه، إذ صور صناعه المقابلات ليلا فوق أسطح مبان في تل أبيب، مثلما فعل أبراهام وزور في الفيلم الأصلي، لكن الاختلاف الأساسي يظهر في هوية المتحدثين وطريقة تقديمهم، فقد أخفى نازا وجوه وأصوات 24 عسكريا وضابط استخبارات إسرائيليا، بينما يقدم الفيلم المضاد شهادات معلنة لضباط وجنود يتحدثون عن ظروف القتال، والتحديات التي واجهوها، والقواعد التي يقولون إن الجيش اتبعها خلال عملياته.
ويُعرض الفيلم المضاد -الذي تبلغ مدته 49 دقيقة- مجانا عبر موقعه الإلكتروني، ويتوافر بالعبرية مع دبلجة إلى لغات تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، وترجمة مكتوبة بـ39 لغة. ويقول القائمون عليه إن المواد المصورة والوثائق التي يستخدمها سُمح بنشرها، وإنها تُظهر أسلحة وأنفاقا ومقاتلين تحركوا بملابس مدنية داخل مناطق مأهولة.
ويؤكد صناع الفيلم أن شهادات الضباط تقدم صورة مختلفة للحرب، تقوم على أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) استخدمت منشآت ومنازل مدنية وأخفت مقاتليها بين السكان، وأن الجيش فرض قواعد لإطلاق النار بهدف التمييز بين المدنيين والمسلحين.
نازا الأصلي
يستند “نازا” إلى مقابلات أُجريت ليلا فوق أسطح تل أبيب مع ضباط وجنود حاليين وسابقين، أُخفيت هوياتهم بسبب ما قال صناع الفيلم إنه خوف من الانتقام والملاحقة. ويشير العنوان إلى اختصار عسكري عبري يُستخدم للتعبير عن عدد المدنيين المتوقع قتلهم في الغارة، أو ما يوصف بـ”الأضرار الجانبية”.
ويبحث الفيلم في الطريقة التي حدد بها الجيش أهدافه داخل غزة، والمعايير التي استخدمها للموافقة على الضربات الجوية. ويقول المتحدثون إن الجيش استخدم أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة بيانات المراقبة واقتراح أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بحركة حماس، وتكوين قاعدة تضم عشرات الآلاف من الأسماء، بينما اقترحت منظومة أخرى المباني والمنشآت التي يمكن استهدافها.
ويروي أحد المتحدثين أن عملية استهدفت عنصرا واحدا من حماس حصلت على الموافقة رغم توقع مقتل 500 مدني، وهي رواية نفاها الجيش الإسرائيلي. كما يتحدث آخر عن استهداف أشخاص في طريقهم إلى موقع لتوزيع الطعام، ويشبّه عسكري تنفيذ عمليات القتل عن بعد بممارسة لعبة فيديو.
ويتجنب الفيلم استخدام المشاهد المعتادة للغارات والدمار، ويعتمد على أصوات الشهود ورسوم يرسمها بعضهم بالقلم والورق لشرح طريقة عمل منظومات الاستهداف، وقالت زور إن رؤية شخص يرسم نظاما يؤدي إلى قتل جماعي تحمل في ذاتها أثرا مخيفا، من دون الحاجة إلى إضافة صور الانفجارات والجثث.
الجيش ينفي وصناع الفيلم يتمسكون بتحقيقهم
رفض الجيش الإسرائيلي الاتهامات التي قدمها “نازا”، وقال في بيان تفصيلي -نشره في مطلع أكتوبر/تشرين الأول- إن الفيلم يقدم صورة مشوهة ومضللة لعملية اختيار الأهداف والموافقة على قصفها. وأضاف الجيش أن معظم الشهادات تصف مراحل أولية ومحدودة من منظومة تمر بمستويات أخرى من المراجعة، واتهم المخرجين بحذف السياق واستخدام المونتاج لخدمة رواية محددة.
وأكد أن أوامره تميز بوضوح بين المدنيين والمقاتلين، وتُلزم القادة بتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين إلى أقصى درجة ممكنة. وأقر الجيش باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه قال إن ضباط الاستخبارات يختارون الأهداف، وإن القادة الميدانيين يتخذون القرار النهائي بتنفيذ الضربات، وإن المنظومات لا تعمل بصورة مستقلة عن الرقابة البشرية.

وردت صحيفة غارديان البريطانية -التي أنتجت الفيلم- بأن التحقيق لم يعتمد على الأشخاص الـ24 الذين ظهروا أمام الكاميرا وحدهم، بل استند إلى مقابلات أُجريت بين عامي 2023 و2025 مع أكثر من 100 مصدر يعرفون آليات تحديد الأهداف والموافقة عليها، بينهم قادة كبار شاركوا مباشرة في إصدار قرارات القصف.
وقالت الصحيفة إن عملية التحقق شملت وثائق عسكرية سرية مسربة، وفحص ضربات محددة، ومقارنة الشهادات بمعلومات قدمتها مصادر أخرى لم تظهر في الفيلم. كما رفضت وصف المشاركين بأنهم عسكريون صغار لا يعرفون سوى مرحلة محدودة، وأكدت أن بينهم أشخاصا عملوا في الاستخبارات والعمليات والمراحل النهائية لاعتماد الهجمات.
من فينسيا إلى دور السينما الأمريكية
عُرض “نازا” للمرة الأولى في مهرجان فينسيا، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، قبل أن يقدم عرضه الأول في أمريكا الشمالية ضمن الدورة الـ64 من مهرجان نيويورك السينمائي، واستقبل الجمهور الفيلم بحفاوة داخل قاعة أليس تولي في مركز لينكولن، بينما تجمع عشرات المحتجين المؤيدين لإسرائيل خارج القاعة، ورفعوا صورا لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال أبراهام إن هجوم حماس لا يبرر ما يعرضه الفيلم من قتل واسع للمدنيين في غزة، ومن بينهم أشخاص قُتلوا بالقرب من مواقع توزيع الطعام.
ويُعرض الفيلم حاليا في مركز “آي إف سي” بمدينة نيويورك، على أن يصل في 9 أكتوبر/تشرين الأول إلى مدن أخرى تشمل لوس أنجلوس وشيكاغو وأوستن وسياتل. ويُطرح العمل في الولايات المتحدة من دون موزع تقليدي، اعتمادا على نموذج التوزيع الذاتي الذي استخدمه المخرجان مع فيلمهما السابق “لا أرض أخرى” (No Other Land).
ويعتزم موقع غارديان إتاحة الفيلم مجانا في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، بعد عروضه السينمائية في الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف توسيع دائرة المشاهدة والوصول إلى جمهور قد لا يتمكن من حضور العروض المحدودة.
تهديدات وحملة لسحب الجنسية
أثار الفيلم غضبا واسعا داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه معاد للسامية، وطالب وزير بسحب الجنسية الإسرائيلية من صانعيه، بينما قال أبراهام إنه يخشى عدم قدرته على العودة إلى بلاده. وأدانت كل من لجنة حماية الصحفيين والرابطة الدولية للأفلام الوثائقية التهديدات الموجهة إلى أبراهام وزور، كما وقع أكثر من ألفي شخص -بينهم مخرجون إسرائيليون معروفون- عريضة للدفاع عنهما وعن حقهما في إنجاز الفيلم.
وسبق للمخرجين أن واجها انقساما مشابها بعد فيلم “لا أرض أخرى”، الذي أنجزاه مع المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، وتناول هدم التجمعات الفلسطينية وتهجير سكانها في الضفة الغربية المحتلة. وفاز العمل بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي، لكنه أثار هجوما سياسيا داخل إسرائيل.
الدعم الأمريكي
يرى صناع “نازا” أن عرض الفيلم في الولايات المتحدة يحمل أهمية خاصة، لأن الأسلحة والمساعدات الأمريكية أدت دورا رئيسيا في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية. وقال أبراهام خلال العرض في نيويورك إن كثيرا مما يصفه الفيلم نُفذ بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين، وإن إسرائيل لم تكن قادرة على مواصلة الحرب بالصورة نفسها من دون الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي.
وقدّرت دراسة أعدها الباحث وليام هارتونغ ضمن مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون أن الحكومة الأمريكية قدمت لإسرائيل مساعدات عسكرية بقيمة 21.7 مليار دولار خلال العامين التاليين لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا يشمل الرقم صفقات أسلحة بعشرات المليارات ستُسدد وتُسلم خلال السنوات المقبلة.

وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الهجوم الإسرائيلي أدى إلى مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، وفقا لوزارة الصحة في غزة، التي لا تفصل إحصاءاتها بين المدنيين والمقاتلين، لكنها تقول إن النساء والأطفال يمثلون نحو نصف القتلى.
ويأتي ظهور الفيلم المضاد محاولة من الجيش الإسرائيلي لمواجهة الشهادات التي يقدمها “نازا” عن الحرب في غزة، واستعادة السيطرة على صورته أمام الجمهور. ففي مقابل شهادات عسكريين من داخل المنظومة، يقول صناع “نازا” إن وثائق وتحقيقات امتدت ثلاثة أعوام دعمتها، يقدم الجيش ضباطا يتحدثون بأسمائهم ووجوههم دفاعا عن روايته الرسمية. لكن الظهور العلني لا يمنح هذه الرواية صدقية تلقائية، كما أن إخفاء هويات شهود “نازا” لا ينتقص بذاته من شهاداتهم. وهكذا تتجاوز المواجهة التنافس بين فيلمين إلى محاولة المؤسسة العسكرية احتواء أثر شهادات تتحدى روايتها، وصراع على كيفية توثيق الحرب وترسيخ وقائعها في الذاكرة العامة.
