تتجه الأنظار إلى واشنطن مع انعقاد القمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في استضافة ذات مظاهر بروتوكولية واستعراضية استثنائية لم تشهدها العاصمة الأمريكية منذ 6 عقود.
وتمثلت هذه المظاهر البروتوكولية بنشر 479 عسكريا في مراسم الاستقبال بقاعدة أندروز الجوية، وتحليق قاذفة شبح من طراز “بي-2” و4 مقاتلات “إف-22”.
وتأتي هذه القمة -وهي اللقاء الثالث بين الزعيمين منذ عودة ترمب للمكتب البيضاوي والأولى للرئيس شي جين بينغ في البيت الأبيض منذ أكثر من 10 سنوات- في ظرف دولي شديد التعقيد تطبعه الحرب الأمريكية الإيرانية والنزاع في أوكرانيا، واحتدام التنافس التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب اقتراب انتهاء الهدنة التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي إطار قراءة خلفيات القمة وأولويات الطرفين، تباينت تحليلات خبراء ومحللين تحدثوا لبرنامج “سيناريوهات” على الجزيرة:
- يرى مدير معهد الصين بجامعة لندن ستيف تسانغ أن الأولوية الكبرى لكل من واشنطن وبكين هي إظهار القمة كـ”نجاح” وتوافق عام بصرف النظر عن فحوى الاتفاقات المحددة.
ويؤكد تسانغ أن الإستراتيجية الصينية تقودها أولوية سياسية حاسمة تتمثل في الحفاظ على هيمنة الحزب الشيوعي وبقاء الرئيس شي في السلطة، مستبعدا تقديم بكين أي تنازلات جوهرية في ملف تايوان أو مساعدة واشنطن للخروج من مأزقها العسكري مع إيران، حيث ترغب بكين في استمرار انشغال الولايات المتحدة بهذه الأزمات.
- بدوره، يصف أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية حسن البراري اللقاء بأنه سعي نحو “وفاق تكتيكي” لضبط التنافس البنيوي بين خصمين يفتقران للثقة.
ويستبعد البراري التوصل إلى تسوية إستراتيجية كبرى، مشيرا إلى أن ترمب يسعى لتوظيف أي إنجاز خارجي صوري لتقليل خسائر الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حماية لنفسه من سيناريو “البطة العرجاء” أو إجراءات العزل، مع الحرص على تمديد الهدنة التجارية تجنبا للأضرار الاقتصادية والتضخمية المتبادلة.
- من جانبه، يشير الباحث الأول بمعهد هدسون رايلي والترز إلى أن ترمب يعول على علاقاته الشخصية والاستقبال البروتوكولي لتثبيت أطر “الاستقرار الإستراتيجي”.
ويرى والترز أن واشنطن تدرك أن استمرار النزاعات يمنح الصين أفضلية جيوسياسية، لافتا إلى أن أولوية ترمب في ملف الذكاء الاصطناعي تنطلق من محركات اقتصادية وتنافسية حاسمة ودعم أسواق رأس المال، أكثر من كونها تقييما للمخاطر النظرية المهددة للجنس البشري.
سيناريوهات مختلفة
وعلى ضوء هذه المقاربات، تتوزع السيناريوهات المتوقعة للملفات المطروحة على هذا النحو:
- الملف الاقتصادي والتجاري: يرجح الخبراء الثلاثة حسن البراري، ستيف تسانغ، ورايلي والترز حتمية تأمين تمديد للهدنة التجارية لما بعد المهلة المعلنة في يناير/كانون الثاني المقبل؛ حيث يرى البراري أن الطرفين مدركان لأضرار العودة إلى حرب التعريفات الجمركية وما تسببه من تضخم وبطالة، مما يدفعهما نحو “وفاق تكتيكي” مرحلي.
وفي هذا السياق، أوضح تسانغ أن الصين ترى في هذا التمديد نجاحا كافيا لزيارتها، في حين أشار والترز إلى أن هذا السيناريو يضمن الاستقرار الإستراتيجي قصير المدى، ويسمح لبكين بمواصلة شراء المنتجات الزراعية والطائرات الأمريكية وتوريد المعادن النادرة الحيوية لواشنطن.
- ملف تايوان والتسليح: يستبعد تسانغ سيناريو تخلي ترمب عن دعم تايوان بشكل كامل لما يسببه ذلك من ضرر بمصداقية واشنطن وموقعها الدولي، كما استبعد نجاح ترمب في مقايضة صفقة الأسلحة للجزيرة بالحصول على تنازلات صينية في ملف إيران، مؤكدا أن بكين سترد بالمثل وتهدد بقطع المعادن النادرة.
في حين يرى البراري أن الصين تُعلي من قيمة العلاقات الاقتصادية وتؤجل القضايا الإستراتيجية المعقدة كملف تايوان، مع ثبات رؤيتها نحو العودة السلمية للجزيرة وعدم تأثر سلوكها بأوراق الضغط الأمريكية التي أُفرط في استخدامها تاريخيا.
- الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا: يتوقع البراري صدور صياغات وتفاهمات فضفاضة ومستقلة دون بيان مشترك حاسم، مشيرا إلى أن واشنطن تسعى لاستغلال نقاط الاختناق الأربع التي تسيطر عليها في أشباه الموصلات والشرائح لكبح التمدد الصيني بحجج الأمن القومي.
في المقابل، أوضح والترز أن ترمب يقارب هذا الملف بأولوية اقتصادية حاسمة لدعم أسواق رأس المال بدلا من التخوف من المخاطر النظرية، بينما جزم تسانغ برفض بكين أي التزامات تكبل أيديها؛ لأن أولويتها سياسية بحتة تستهدف تحقيق التفوق التكنولوجي مطلقا للحزب الشيوعي الحاكم.
- ملفا إيران وأوكرانيا: يرى البراري توافقا بين واشنطن وبكين في الهدف المتمثل بضرورة إنهاء الحرب وإبقاء مضيقي هرمز وباب المندب مفتوحين أمام الملاحة (حيث يمر عبرهما 50% من التجارة الصينية)، لكنهما يختلفان تكتيكيا حول الشروط.
في حين أجمع كل من والترز وتسانغ على استبعاد سيناريو تدخل الصين مجانا لإعادة الاستقرار أو إخراج واشنطن من مأزقها العسكري مع إيران أو أوكرانيا، مؤكدين أن استنزاف الولايات المتحدة يمنح بكين أفضلية جيوسياسية لن تتخلى عنها إلا مقابل ثمن يضمن مرونة تكنولوجية وتخفيفا للرسوم الجمركية.
Published On 24/9/2026
