لم تعد الاستعدادات لحفل الزفاف تقتصر على اختيار الفستان أو حجز قاعة الاحتفال، بل أصبحت رحلة متكاملة للعناية بالمظهر، تبدأ أحيانا قبل أشهر طويلة من موعد الزفاف.

سابقا اعتادت العرائس اللجوء إلى الحميات الغذائية والرياضة لتحقيق الوزن الذي يحلمن به، لكن مؤخرا دخلت أدوية إنقاص الوزن إلى هذه القائمة، لتغير شكل الاستعدادات، وتفتح نقاشا جديدا حول الضغوط التي تفرضها معايير الجمال الحديثة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ومع الانتشار الواسع لأدوية “جي إل بي-1” GLP-1 مثل أوزمبيك ومونجارو، لم يعد الحديث يدور فقط حول خسارة الوزن، بل حول ما إذا كان الوصول إلى “الجسم المثالي” جزءا لا يتجزأ من قائمة تجهيزات الزفاف، مثل الفستان أو المكياج.

من اختيار الفستان إلى تغيير الجسم

لطالما ارتبطت فترة الخطوبة بمحاولات تحسين اللياقة، لكن سرعة النتائج التي تحققها بعض أدوية إنقاص الوزن دفعت بعض المقبلين على الزواج إلى إدراجها ضمن خطط الاستعداد للزفاف. حيث لم يعد التخطيط لحفل الزفاف يقتصر على اختيار فستان يناسب الجسم، بل أصبح البعض يخطط لتغيير الجسم ليتناسب مع الفستان.

وتشير بيانات منصة “زولا” المتخصصة في خدمات الزفاف إلى أن نحو 10% من الأزواج الأميركيين المقبلين على الزواج يستخدمون أدوية “جي إل بي-1”.

وقد أدى هذا الانتشار إلى مشكلة عملية لم تكن مطروحة من قبل في صناعة فساتين الزفاف: فبحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” (The Wall Street Journal)، باتت بعض متاجر فساتين الزفاف الأميركية تطلب من العرائس اللواتي يستخدمن هذه الأدوية توقيع إقرارات قانونية تعفي المتجر من مسؤولية عدم ملاءمة الفستان في حال تغير الوزن بشكل كبير بين موعد التفصيل وموعد الزفاف.

وأشار التقرير إلى حالات فقدت فيها عرائس ما يعادل خمسة أو ستة مقاسات كاملة، أي عشرات الكيلوغرامات، خلال أشهر معدودة، في وقت قد يتجاوز فيه سعر الفستان الواحد عشرة آلاف دولار.

وفي المقابل، أعلنت سلسلة متاجر “ديفيدز برايدل” (David’s Bridal) الأمريكية إحدى أكبر سلاسل متاجر فساتين الزفاف فى الولايات المتحدة إطلاق برنامج ضمان جديد يتعهد بتعديل أي فستان زفاف تشتريه العروس ليلائم مقاسها يوم الحفل مهما تغير جسمها في هذه الأثناء.

وأفادت الشركة بأن عدد الطلبات المستعجلة بعد إطلاق هذا البرنامج قفز بنسبة 50% خلال العامين الماضيين.

المقارنات المستمرة قد تجعل فترة الخطوبة أقل ارتباطا بالاحتفال وأكثر ارتباطا بمحاولة تحقيق المعايير الجمالية (غيتي)

عندما تصنع الصور توقعات يصعب تحقيقها

لا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيدا عن التأثير الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي. فمنصات مثل إنستغرام وتيك توك تمتلئ بمقاطع توثق “رحلة العروس” قبل الزفاف، بدءا من تمارين اللياقة، ووصولا إلى روتين العناية بالبشرة وفقدان الوزن.

ومع تكرار مشاهدة هذه المحتويات، يصبح من السهل أن يشعر البعض بأن عليهم الوصول إلى مستوى معين من الرشاقة حتى تبدو صور الزفاف “مثالية”.

ولا يتعلق الأمر بالمناسبة نفسها فقط، بل بالصور والفيديوهات التي ستبقى محفوظة لسنوات، وربما تنشر أمام المتابعين على منصات التواصل.

ويرى مختصون أن المقارنات المستمرة عبر الإنترنت قد تجعل فترة الخطوبة أقل ارتباطا بالاحتفال وأكثر ارتباطا بمحاولة تحقيق معايير جمالية يصنعها العالم الرقمي، وهي معايير قد تكون بعيدة عن الواقع بالنسبة إلى كثير من الأشخاص.

في دراسة نشرت عام 2024 في مجلة “إيتنج بهيفيور” (Eating Behaviors)، أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن في الولايات المتحدة، حلل الباحثون بيانات 329 امرأة مخطوبة كن يقمن بالاستعداد للزفاف.

خلصت الدراسة إلى أن تأثير وسائل الإعلام، إلى جانب المقارنات المستمرة بالمظهر واستبطان معايير النحافة، كان من أقوى العوامل المرتبطة بعدم الرضا عن شكل الجسم واضطرابات الأكل لدى المقبلات على الزواج، كما فسرت هذه العوامل التباين في سلوكيات الأكل المضطربة.

وتدعم النتائج فكرة أن الاستعداد للزفاف قد يتحول، تحت تأثير المحتوى الإعلامي والاجتماعي، إلى فترة يزداد فيها الضغط لتحقيق معايير جمالية مثالية.

ليست حلا لمناسبة مؤقتة

رغم الاهتمام المتزايد بأدوية إنقاص الوزن، يؤكد الأطباء أنها لم تتطور لتكون وسيلة سريعة لخسارة الوزن استعدادا لمناسبة معينة، بل تم تطويرها لعلاج حالات طبية محددة، أبرزها السمنة وداء السكري من النوع الثاني، وتحت إشراف طبي يراعي الحالة الصحية للمريض والآثار الجانبية المحتملة.

وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن هذه الأدوية معتمدة للاستخدام طويل المدى لإدراة الوزن لدى أشخاص يستوفون معايير طبية محددة، على أن تستخدم كجزء من خطة علاجية تشمل نظاما غذائيا منخفض السعرات وزيادة النشاط البدني، وليس بوصفها بديلا عن تغيير نمط الحياة أو حلا سريعا لخسارة الوزن.

يوضح الدكتور دارين سميث، جراح التجميل في مدينة نيويورك، لصحيفة الغارديان البريطانية، أنه يلاحظ تزايدا في إقبال الأشخاص على استخدام هذه الأدوية بدافع الاستعداد للمناسبات، رغم أن كثيرا منهم لا تنطبق عليهم المعايير الطبية التي تستدعي وصفها.

وأضاف أنه من بين أكثر الحالات التي يراها عرائس يتمتعن بوزن طبيعي، لكنهن يلجأن إلى هذه الأدوية لخسارة ما بين 2.3 و4.5 كيلوغرامات فقط قبل الزفاف.

ويحذر الأطباء أيضا من أن التوقف عن العلاج بمجرد الوصول إلى الوزن المطلوب، من دون إحداث تغييرات دائمة في العادات الغذائية ومستوى النشاط البدني، قد يؤدي إلى استعادة جزء من الوزن المفقود خلال فترة قصيرة.

لذلك، فإن استخدام هذه الأدوية بهدف ارتداء فستان بمقاس أصغر لا ينسجم مع الغاية الطبية التي طورت من أجلها، وقد يعرض الشخص لمخاطر صحية لا تبررها مناسبة عابرة، مهما بلغت أهميتها.

Wedding dressmaker designer and team working with mannequin in wedding dress on table with equipment.
10% من الأزواج الأميركيين المقبلين على الزواج يستخدمون أدوية إنقاص الوزن (غيتي)

بين العناية بالنفس ومطاردة الكمال

لا شك أن الرغبة في تحسين اللياقة أو الصحة قبل الزفاف أمر طبيعي، وقد تكون فرصة لبدء أسلوب حياة أكثر نشاطا، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى صورة مثالية هو المعيار الوحيد لنجاح المناسبة.

ولذلك فإن أفضل استعداد للزواج لا يتمثل في السعي وراء معايير جمالية تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، بل في تبني عادات صحية يمكن الحفاظ عليها بعد انتهاء الاحتفال، مثل ممارسة الرياضة بانتظام، وتحسين النظام الغذائي، أو اللجوء إلى أدوية إنقاص الوزن فقط عند وجود حاجة طبية وتحت إشراف مختص، فالزفاف يستمر ليوم واحد، أما العلاقة مع الجسد والصحة فتستمر مدى الحياة.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل