لعقود طويلة، اعتمد الباحثون على نماذج حسابية بسيطة لوصف كيفية استجابة الخلايا العصبية في أدمغتنا لما تراه عيوننا يوميا في الحياة، هذه النماذج القديمة كانت سهلة التفسير، لكنها عجزت عن التنبؤ بكيفية عمل الخلايا في المناطق العليا من القشرة البصرية في الدماغ.
هذا القصور دفع العلماء نحو تبني شبكات الذكاء الاصطناعي التي تتكون من طبقات متعددة. ورغم نجاح هذه الشبكات في التنبؤ بدقة عالية، فإن ثمن هذا النجاح كان فقدان القدرة على الفهم، إذ أصبح تتبع مسار المعلومة عبر ملايين المتغيرات أمرا شبه مستحيل.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
لحل هذه المعضلة، قدم فريق بحثي دراسة جديدة نُشرت في دورية “نيتشر” العلمية، حيث قرر الفريق تطبيق مبدأ فلسفي وعلمي قديم يعرف باسم “نصل أوكام”، والذي ينص على أن التفسير الأكثر بساطة هو في الغالب التفسير الأصح.
تساءل الباحثون عما إذا كان بإمكانهم ضغط النماذج الحاسوبية العملاقة وتقليص حجمها لكشف الحسابات الفعلية التي تحدث داخل أدمغتنا. كما افترضوا أن هذه النماذج مليئة بالفلاتر الرقمية والروابط الزائدة التي لا تمثل الواقع الفعلي للدماغ، وأن إزالتها ستكشف الآلية الحقيقية التي تفسر بها أدمغتنا ما تراه يوميا من صور ومواقف.
يقول بنجامين كولي، الباحث في مختبر كولد سبرينغ هاربور، في نيويورك بأمريكا، والمؤلف الرئيسي والمراسل للدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: “تتألف نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة من طبقات متراكمة من الفلاتر التي تبحث عن أنماط في بيانات الإدخال. وهي أساس أنظمة رؤية الحاسوب الحالية (مثل تلك المستخدمة في السيارات ذاتية القيادة) ونماذج اللغة الضخمة مثل تشات جي بي تي وجيميناي وكلود وغيرها”.
ويضيف: “على الرغم من إنجازاتها المذهلة، يصعب فهم نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، تماما كأدمغتنا، نظرا لحجمها الهائل (ملايين بل مليارات المعلمات). من الصعب تحديد الفلاتر المهمة لمخرجات النظام، ومعرفة الفلاتر الزائدة أو غير الضرورية”.
فك أحجية التفسير
عندما ننظر إلى أي جسم، يدخل الضوء إلى العين وتنتقل الإشارات إلى الجزء الخلفي من الدماغ مرورا بعدة مراحل من المعالجة، إحداها منطقة متخصصة مسؤسة عن التعرف على الأشكال المعقدة والألوان والأنماط. ولتفسير عملية التعرف تلك، قرر العلماء دراسة أدمغة قردة المكاك، التي يشبه نظامها البصري إلى حد كبير نظامنا البصري البشري.
طبق الفريق نموذج ذكاء اصطناعي عملاق يتنبأ ويتعرف على الأنماط، ثم استخدم تقنيات متقدمة لتبسيط هذا النموذج العملاق.
إحدى هذه التقنيات تسمى “تقطير المعرفة”، والتي تشبه العملية التعليمية، حيث يقرأ الأستاذ الخبير مراجع ضخمة ومعقدة، ثم يستخلص هذه المعرفة ويمررها إلى الطالب بطريقة مبسطة ومباشرة. في هذه التجربة، تعلمت شبكة صغيرة (الطالب) محاكاة النتائج المباشرة التي تنتجها الشبكة العملاقة (الأستاذ الخبير)، وذلك عبر التدرب على ملايين الصور لاستخلاص القواعد الأساسية.
يقول بنجامين: “لا ينجح هذا إلا إذا كان النظام الأساسي الذي تحاول نمذجته في هذه الحالة قابلا للضغط (النظام هو استجابات عصبون قشري بصري)، أي أن هناك سلسلة بسيطة من الدوال الرياضية تفسر استجابة العصبون. أهم ما توصلنا إليه هو أن عمليات الحساب التي تجريها الخلايا العصبية في القشرة البصرية العليا قابلة للضغط بالفعل، وهو ما فاجأنا حقا”.

نظرة رقمية عميقة
بهذا النهج العلمي المتدرج، نجح العلماء في إنشاء نماذج مدمجة أصغر بـ 5 آلاف مرة من النموذج العملاق الأصلي حجما. هذه النماذج الجديدة احتوت على نحو 150 فلترا رقميا و10 آلاف رابط فقط، ومع ذلك فقد أدت عملها بنفس الدقة في التنبؤ باستجابات خلايا الدماغ لصور جديدة. ولأول مرة، أصبح لدى العلماء نموذج صغير وقابل للتفسير، يمكن فحصه بصريا خطوة بخطوة لفهم عمل الخلايا.
يقول بنجامين: “في الهندسة، الفلتر هو نمط في المدخلات. عندما يكون هذا النمط موجودا، تكون قيمة الفلتر عالية؛ وعندما يكون غير موجود، لا يستجيب الفلتر. في فلاتر المياه، يمر الماء فقط (النمط) لأنه يطابق الفلتر. في النظارات الشمسية، لا يمر إلا ضوء ذو أطوال موجية معينة (النمط) الذي يطابق فلاتر العدسات، بينما يحجب الضوء الآخر عن الوصول إلى العين. عندها يصبح من المنطقي اعتبار الصورة مدخلا، والفلاتر تكشف الأنماط أو الأشياء فيها – هكذا تعمل خاصية التعرف على الوجوه في الهواتف”.
وللتأكد من أن نجاح هذا النموذج المبسط، أجرى الفريق تجربة ختامية حاسمة، حيث طلب من النموذج المدمج توليد صور مصممة خصيصا لاستفزاز الخلية العصبية لأقصى درجة، بدءا من شاشة مليئة بالتشويش العشوائي وتعديلها تدريجيا.
وبتسجيل العلماء للنشاط الكهربائي لخلية عصبية واحدة كاملا أثناء عرض آلاف الصور على القردة لمعرفة ما الذي يثير ويحفز هذه الخلية بالتحديد، تبينت استجابة الخلايا العصبية للقردة لصور الحواف والدوائر والنقاط بقوة تفوق بكثير استجابتها للصور الطبيعية المعتادة، مما يؤكد أن النماذج المدمجة التقطت التفضيلات البصرية الدقيقة للخلايا بشكل يعكس الواقع البيولوجي بدقة.
رغم النجاح، يقول بنجامين: “ما زلنا بعيدين عن فهم جميع أسرار الدماغ. نحن متحمسون لاكتشافنا أن الخلايا العصبية العميقة في الدماغ ذات الاستجابات المعقدة يبدو من الممكن وصفها بنماذج بسيطة ومختصرة.”
من خلال تحديد العمليات الحسابية للدماغ خطوة بخطوة، قد يتمكن العلماء من بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر أمانا وموثوقية، وربما علاج الاضطرابات العصبية، مثل الخرف، التي تصاب بالخلل عندما تبدأ هذه العمليات الحسابية بالتعطل. يؤكد هذا البحث تحولا جوهريا في علم الأعصاب الحسابي، عبر التخلص من التعقيد غير الضروري وتقليم هذه الشبكات، بتنا أقرب من أي وقت مضى من فهم الدماغ البشري، مما يفتح آفاقا غير مسبوقة لفهم كيف يصنع العقل إدراكنا البصري للعالم.
