“انتبه يا أبي، هناك حجر كبير أمامك والعربة مالت”؛ سبق تحذير أحمد ياسين انزلاقَ كرسيه المتحرك بين ركام حي الزيتون شرقي مدينة غزة، فشدّ والده محمود قبضته الوحيدة على المقبض وأسند الكرسي بساقه وخصره حتى استعاد توازنه.

واصل الاثنان طريقهما إلى مدرسة “أبو مراحيل” القائمة على بُعد نحو 100 متر من الخط الأصفر. مسافة تبدو قريبة في عدد الأمتار، فيما يطيل الدمار الذي خلّفه القصف الإسرائيلي زمن الوصول إلى المدرسة ويضاعف مشقته.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وعلى امتداد المناطق الشرقية والشمالية من القطاع، يقصد الطلبة مدارس ومراكز تعليمية تقع بمحاذاة الخط الفاصل المقابل لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق تمتد قرب طرق الطلبة ومقار دراستهم، ويجعل إطلاق النار والاستهداف الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر.

تدمير المدارس وتشتّت أماكن الإيواء أبعد مقاعدَ الدراسة عن كثير من الأطفال، فيما فرضت الشوارع المتضررة مسارات أطول وأشد وعورة؛ فتنعكس مشقّة الطريق على انتظام الطلبة في الدوام؛ يتغيّب بعضهم مرارا، ويصل آخرون متأخرين أو منهكين يرافقهم الخوف.

محمود يدفع كرسي ابنه، طالب الثانوية العامة، بين ركام حي الزيتون في طريقهما إلى مدرسته قرب الخط الأصفر (الجزيرة)

مشقّة الطريق

فقد محمود ياسين يده اليسرى كاملة إثر إصابته بصاروخ أطلقته طائرة مسيّرة إسرائيلية. ومنذ ذلك الحين يدفع بيده اليمنى كرسي ابنه أحمد عبر شوارع حي الزيتون ويسنده بساقه وخصره حين يميل فوق الحفر. ويعاني أحمد تضررا في أعصابه أفقده القدرة على المشي، فيراقب الطريق من مقعده وينبه والده إلى الحجارة أمامهما حتى يبلغا المدرسة.

يخوض أحمد هذا العام امتحانات الثانوية العامة، وهي مرحلة تتحدد على أساس نتائجها خطوته التعليمية التالية. لذلك يتمسك بالذهاب إلى صفه رغم ما يفرضه الطريق من تعب عليه وعلى والده. فكل يوم يتمكن فيه من الحضور يمنحه فرصة لمتابعة دروس سنة يخشى أن يفوته منها المزيد.

وعلى الطريق إلى مدرسة “أبو مراحيل”، تسير الطالبة الكفيفة روان أبو عاصي ممسكة بكف والدها أحمد الذي يرافقها مئات الأمتار يوميا رغم ضعف شبكية عينه اليمنى، فتصل معونته لها في اجتياز الطريق إلى حدود قدرته هو أيضا على السير والانتباه إلى ما يعترضهما. وتتابع روان دروسها بالاستماع ريثما تتوافر لها كتب ودفاتر بطريقة برايل. غير أن بلوغ الصف يظل الخطوة الأولى قبل مواجهة نقص الوسائل التعليمية داخله.

صورة رقم (7) فلسطين- غزة- حي الزيتون، شرقي مدينة غزة، تسير الطالبة الكفيفة روان أبو عاصي ممسكة بيد والدها أحمد، المصاب بضعف في شبكية عينه اليمنى، في طريقهما إلى مدرسة أبو مراحيل قرب الخط الأصفر، إسراء الرّملي- خاص بالجزيرة نت.
تسير الطالبة الكفيفة روان أبو عاصي ممسكة بيد والدها في طريقهما إلى مدرسة أبو مراحيل قرب الخط الأصفر (الجزيرة)

أحيانا نعود وأحيانا نختبئ

في شمال القطاع، تفصل نغم الأشقر، البالغة 11 عاما، عن مركز البر المجتمعي نحو 300 متر، لكن إطلاق النار قد يحرمها يوم الدراسة كله، “نضطر نغيب عن المدرسة بسبب إطلاق النار في الطريق؛ أحيانا نعود وأحيانا نختبئ في منطقة آمنة”.

كانت نغم في طريقها إلى المدرسة حين وقع استهداف إسرائيلي أمامها، فسقط شهيد في حجرها وامتلأت ملابسها بدمائه. وتقول مستعيدة لحظة الذعر: “ارتمى عليّ، فأخذت أجري وأصرخ”. ركضت الطفلة من المكان، أبقاها ما شاهدته في المنزل أسبوعا كاملا، ثم عادت إلى الدراسة عبر الطريق نفسه تترقب إطلاق النار في مسافة تفصل بيتها عن المركز بضع مئات من الأمتار.

صورة رقم (15) فلسطين- غزة مشروع مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع- شارع السوق 11/09/2026 ، غيّبت الصدمة نغم الأشقر عن دراستها أياما، بعدما سقط شهيد في حجرها أثناء استهداف إسرائيلي على طريقها إلى المركز التعليمي، ثم عادت لتسلك الطريق نفسه، إسراء الرّملي- خاص بالجزيرة نت.
غيّبت الصدمة نغم الأشقر عن دراستها أياما، بعدما سقط شهيد في حجرها وهي في طريقها إلى المركز التعليمي (الجزيرة)

وعلى طريق أطول كانت حلا حمودة، البالغة 15 عاما، متجهة في أول أيام دراستها من حي النصر بمدينة غزة إلى مركزها التعليمي في حي تل الزعتر بجباليا على بُعد نحو 1500 متر. وخلال سيرها أطلق الجيش الإسرائيلي النار على مواطنين في الطريق؛ فسقطت وأصيبت بشرخ في يدها مما حال دون انتظامها في الدراسة. والآن، تتابع الطالبة المتفوقة دروسها من المنزل مستعينة بملخصات صديقاتها والدروس المتاحة عبر الإنترنت.

أبقى أثر الاستهداف نغم بعيدة عن دراستها أياما، فيما قد يخسر طلبة آخرون وقت الحصة قبل أن يغادروا منازلهم؛ إذ كان أحمد البنا يستعد للذهاب إلى المدرسة حين وصل صهريج ماء إلى حارته بعد يومين من انقطاع المياه عن أسرته فاختار تعبئة أوعية الماء لأهله، ليصل إلى صفه متأخرا.

صورة رقم (13) فلسطين- غزة مشروع مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع- 11/09/2026 تتابع الطالبة المتفوقة حلا حمودة، البالغة 15 عامًا، دروسها من المنزل بملخصات صديقاتها بعد سقوطها وإصابة يدها بشرخ في طريقها إلى المركز التعليمي قرب الخط الأصفر، إسراء الرّملي- خاص بالجزيرة نت.
تتابع الطالبة المتفوقة حلا حمودة دروسها من المنزل بملخصات صديقاتها بعد سقوطها وإصابة يدها (الجزيرة)

يتساءل أحمد كيف كان سيتصرف لو صادف ذلك اليوم اختبارا مدرسيا: “أصبح عليّ تحمل أعباء أكبر من عمري الحقيقي وصارت المدرسة مجرد حضور دون شعور بهيبة الدراسة، لم أتخيل أبدا أن أتأخر عن دوامي حتى أقوم بتخزين المياه، ولا أعرف إلى متى سيستمر هذا الحال”.

ويضيف أن الطالب يبدأ يومه بتقدير مخاطر الطريق ويختار المسار الأقل ركاما، ويتجنب المناطق المكشوفة، ويحدد موضعا للاحتماء عند إطلاق النار؛ وهكذا يدخل بعض الطلبة صفوفهم بعدما اجتازوا اختبارا يوميا للنجاة.

وتبلغ خطورة الموقع حدًّا دفع إدارات المدارس والمراكز القريبة إلى إعداد خطط الطوارئ قبل سائر ترتيبات الدراسة، تحسبًا لإطلاق النار أو وقوع استهداف في محيطها، فمن الطريق الذي يستنزف وقت الطالب وقوته يغدو السؤال عما يخسره الطالب قبل بدء الحصة مدخلا إلى فهم ما يتبقى له منها.

الطالب يبدأ يومه بتقدير مخاطر الطريق ويختار المسار الأقل ركاما، ويتجنب المناطق المكشوفة
الطالب يبدأ يومه بتقدير مخاطر الطريق ويختار المسار الأقل ركاما، ويتجنب المناطق المكشوفة (الجزيرة)

خطة طوارئ مستحدثة

في مشروع بيت لاهيا، يقف مدير مدرسة الهدى الدكتور أحمد أبو علبة عند البوابة خلال انصراف الطلبة، ويتابع ابتعادهم عن محيط المدرسة التي تقع على بُعد نحو 300 متر من الخط الأصفر. وقد فرض موقعها على الإدارة تأخير بدء الدوام من السابعة إلى التاسعة صباحا وإنهاءه عند الثانية عشرة والنصف ظهرا، لحصر حركة الطلبة في ساعات تشهد وجودا مدنيا أوضح.

ويشرح أبو علبة هذا الإجراء قائلا: “نحاول أن يصل الطلبة وأن يغادروا خلال وقت توجد فيه حركة للناس. أي حركة فردية في هذه المنطقة قد تثير الشك لدى جيش الاحتلال وتتحول إلى هدف؛ ولذلك أصبح توقيت الدوام واحدًا من إجراءات السلامة”.

تعود يقظته عند البوابة إلى واقعة شهدتها المدرسة في أبريل/نيسان 2026، حين استهدفت القوات الإسرائيلية مركبة قرب ملعب مجاور وأُطلقت قنابل ورصاص في المحيط. يقول: “في ثانية واحدة انتقل الطلبة من السكون إلى رعب شديد، وانهارت أعصابهم، وتناثروا في ساحة المدرسة وهم يبكون ويصرخون”. يومها، أخلى أبو علبة الطلبة والهيئة التدريسية وصار يراقب انصرافهم بعدما اختبر كيف قد ينقلب يوم الدراسة في لحظة.

صورة رقم (10) فلسطين- غزة- حي الزيتون، شرقي مدينة غزة، تصل الطالبة الكفيفة روان أبو عاصي إلى مدرستها برفقة والدها، وتتابع الدروس بالاستماع إلى شرح المعلمين في انتظار توفير كتب مطبوعة بطريقة برايل. إسراء الرّملي- خاص بالجزيرة نت.
تتابع روان دروسها بالاستماع ريثما تتوافر لها كتب ودفاتر بطريقة برايل (الجزيرة)

افتُتحت مدرسة الهدى في يناير/كانون الثاني 2026، وارتفع عدد طلبتها تدريجيا إلى 450 طالبا وطالبة، موزعين على فترتين دراسيتين، وتستقبل الأطفال من التمهيدي حتى الصف العاشر، وتخدم عائلات في مشروع بيت لاهيا وبيت لاهيا وجباليا، بما فيها أسر انتقلت إلى المنطقة خلال النزوح.

داخل الصفوف، يواجه المعلمون في مدرسة الزيتون في حي الزيتون شح الأدوات وارتفاع أثمانها، ويبلغ سعر قلم الكتابة على اللوح نحو 20 شيكلا (نحو 6 دولارات)، فيما ارتفع ثمن الطباشير وندر في الأسواق. أما الكتب، فيضطر المعلمون إلى التناوب على المتاح في ظل غياب نسخ المناهج الدراسية عن أيدي معظم الطلبة.

وفّر مدير مدرسة أرض الزيتون محمود فرحات عددا محدودا من الكتب للهيئة التدريسية المؤلفة من 6 معلمين و12 معلمة، فأصبح الكتاب الواحد مرجعا لصف كامل؛ يقرأ المعلم منه وينقل الدرس إلى اللوح، ثم ينسخه الطلبة في دفاترهم وفق ما يتوافر لديهم من ورق وأقلام.

صورة رقم (12) فلسطين- غزة- حي الزيتون، شرقي مدينة غزة، يقول مدير مدرسة أرض الزيتون محمود فرحات إن شحّ الكتب جعل الكتاب الواحد مرجعًا للصف كامل، فيما يثقل غلاء الطباشير وأقلام الكتابة على اللوح كاهل المدرسة ويضطر المعلمين إلى التناوب على ما يتوافر منها، إسراء الرّملي- خاص بالجزيرة نت.
مدير مدرسة أرض الزيتون محمود فرحات (الجزيرة)

ويقول فرحات إن سجلات التأخير تكشف كيف أعادت الحرب صياغة يوم الطالب في غزة؛ إذ يصل بعض الطلبة بعد تعبئة أوعية المياه لأسرهم، ويتغيب آخرون لاستلام طرد غذائي أو الوقوف في طابور التكية لتأمين وجبة اليوم. وغدت هذه الأسباب واقعا يوميا يسبق الحصة ويزاحمها.

أمر آخر يضاعف صعوبة المهمة بالنسبة للطلبة، فبعضهم يدخل المدرسة للمرة الأولى، وآخرون أبعدتهم الحرب عن مقاعد الدراسة قرابة 3 أعوام، وبين الفئتين، يحاول المعلمون ردم فجوات واسعة في القراءة والكتابة والحساب وسط ضيق الغرف واضطراب الحضور ونقص الوسائل التعليمية.

وعند انتهاء الدوام، يقف أبو علبة عند بوابة مدرسة الهدى يتابع ابتعاد الطلبة عن محيط المدرسة، فيما يعود الأطفال إلى الطرق التي اجتازوها صباحا، وعلى بُعد نحو 300 متر من الخط الأصفر، يظل انصرافهم سالمين جزءا من مسؤولية اليوم الدراسي.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل