كثيرا ما ترتبط السياحة في التشيك في أذهان فئة غير يسيرة من الزوار من منطقتنا بزيارة العاصمة براغ، رغم أن البلاد تضم مدنا ومناطق ريفية جميلة تستحق الزيارة والاكتشاف، وتعزى هذه الصورة الذهنية إلى شهرة براغ كونها من أجمل الحواضر الأوروبية، كما أن قوة الحملات التسويقية ووفرة الربط الجوي للعاصمة التشيكية مع مطارات العالم غطت على باقي المدن والمناطق التشيكية.
كما أن الكثير من السياح العرب ولا سيما الخليجيين يفضلون أن تكون براغ ضمن رحلة تشمل عدة عواصم أوروبية في خط سير واحد يستغرق أسبوعا إلى 10 أيام، فتجد مثلا من يضم في رحلة واحدة براغ والعاصمة النمساوية فيينا والعاصمة المجرية بودابست نظرا لقرب المسافة بينها، وبالتالي يكتفي المسافر بزيارة براغ دون غيرها من مناطق التشيك.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
معطى آخر وهو أن صغر مساحة التشيك (78 ألفا و871 كيلومترا مربعا) يدفع الكثير من الزوار إلى أن يستقر خلال زيارته للبلاد في أحد فنادق العاصمة، ومنها ينطلق في جولات يومية تستغرق بضع ساعات بين براغ وكبريات المدن السياحية في البلاد مثل تشيسكي كروملوف (180 كلم جنوبا)، وكارلوفي فاري (130 كلم غربا).
وبالتالي تكون الزيارة متمركزة على الإقامة في براغ، والتي تفضلها العائلات العربية بسبب كثرة الخيارات المتوفرة فيها من ناحية الترفيه، ووسائل التنقل والسكن والتسوق والأكل، ولا سيما الأكل الحلال.
ولأن السفر الحقيقي والمتأني يتطلب عدم الانجرار وراء التوصيات الأكثر شيوعا في محتوى السفر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يستدعي نحت تجربة شخصية للتعرف على البلدان خلال السفر، وعلى الثقافة المحلية لأهلها، فإن “الجزيرة نت ” تقترح عليك 3 تجارب سياحية متنوعة، تجعلك تتعرف على جانب من تاريخ التشيك وطبيعتها، وتميزها في بعض الحرف اليدوية.
التعرف على التاريخ عبر القلاع
تمتلك التشيك أعلى كثافة للقلاع والقصور في العالم مقارنة بمساحتها، إذ تضم أكثر من 2000 قلعة وقصر وحصن وأطلال أثرية، وهو ما يعني وجود قلعة أو قصر في كل 39 كيلومترا مربعا تقريبا، وهي النسبة الأعلى عالميا.

فوجود التشيك، التي كانت تسمى تاريخيا مملكة بوهيميا، في قلب قارة أوروبا جعلها نقطة تقاطع تجارية كبرى، وفي الوقت نفسه جعلها ساحة معارك مستمرة وممرا للجيوش الغازية عبر العصور، كل هذه العوامل وغيرها تفسر كثرة وجود القلاع في البلاد.
ومن أشهر وأجمل القلاع في التشيك قلعة براغ، وقلعة وقصر بيتشوف وقلعة كارلشتين وقلعة تشيسكي كروملوف، وتتجسد في هذه القلاع مظاهر الأنماط المعمارية التي تعاقبت على البلاد، كما أنها كانت مسرحا لأحداث سياسية كبرى.

قلعة براغ
تعد أكبر مجمع قلاع قديم في العالم وفق موسوعة غينيس للأرقام القياسية، فهي تمتد على مساحة 70 ألف متر مربع. وقد بُنيت في القرن التاسع، وتضم كاتدرائية “سانت فيتوس ” الشهيرة، وكاتدرائية القديس جورج وقصورا ملكية، وما زال جزء من القلعة هو مقر الإقامة الرسمي لرئيس الجمهورية.
عندما تتجول في أرجاء كاتدرائية سانت فيتوس فإنك تنبهر بكثرة المحتويات الفريدة الموجودة داخلها، فهناك الكثير من التماثيل والأضرحة والمصليات والنصب واللوحات الفنية والرسومات والنوافذ الضخمة الملونة والمدافن الملكية، وغير ذلك.

والسبب وراء كثرة المحتويات المعمارية والدينية داخل الكاتدرائية هو أن استكمال بنائها استغرق 600 عام (بين عامي 1344 و1929)، ما نتج عنه تشابك أعمال عصور فنية مختلفة، كما أنها كاتدرائية ملكية، ففيها رفات ملوك حكموا أراضي مملكة بوهيميا، والإمبراطورية الرومانية المقدسة وأبرزهم تشارلز الرابع.
وفي الكنيسة، قاعة مميزة لا يدخلها الزوار، وتضم مجوهرات التاج البوهيمي (التشيكي) التاريخية، ولا تفتح هذه القاعة إلا مرة واحدة في العام باجتماع سبعة من كبار قادة البلاد، ومنهم رئيس الجمهورية.
من أكثر الأماكن جذبا للسياح داخل قلعة براغ “زقاق الذهب” أو “الممر الذهبي” وهو زقاق تاريخي فيه بيوت ملونة صغيرة بنيت مستندة على جدران القلعة، واستخدمت قديما منازل لحراسها، وللحرفيين في عدة مهن، وأبرزها صياغة الذهب والخيمياء، والخيمياء تدمج بين الكيمياء والفلسفة والسحر وتتضمن ممارسة طقوس وشعوذة، هدفها تحويل المعادن الرخيصة مثل الرصاص إلى معادن ثمينة كالذهب والفضة.

وتحولت هذه البيوت إلى متاحف صغيرة جدا تعرض الحياة اليومية في العصور الماضية، ومتاجر للهدايا التذكارية والكتب، وتستقطب هذه البيوت الكثير من الزوار.
قلعة لوكيت
قلعة أخرى لها أهميتها التاريخية في إقليم كارلوفي فاري، وهي قلعة لوكيت التي تبعد مسافة تقارب 145 كلم شمال غربي براغ، بالقرب من مدينة كارلوفي فاري.
القلعة التي يبلغ عمرها 8 قرون تطل على نهر أوهري، وقد بنيت على صخرة يلتف حولها النهر، وتبدو كأنها من العصور الوسطى.

وتضم القلعة معرضا للبورسلين أو الخزف الصيني، فضلا عن قاعات كانت مخصصة لتعذيب السجناء في القرون السابقة، إضافة إلى قاعات للاحتفالات والأسلحة والملابس القديمة التي عرفت بها المنطقة.
ومن القاعات الأكثر جاذبية داخل القلعة قاعة مخصصة لما يعرف بـ “نيزك لوكيت “، وهو أحد أشهر وأقدم النيازك الحجرية الحديدية الموثقة في تاريخ أوروبا والعالم.
معانقة الطبيعة.. جدران تيسة
تقدم التشيك لعشاق المسارات الطبيعية والهدوء مناطق مناسبة لذلك، ومن أبرزها محمية سويسرا البوهيمية وكارست مورافيا.
فضمن محمية سويسرا البوهيمية على الحدود مع ألمانيا، توجد منطقة طبيعية متميزة تسمى “أسوار تيسة ” أو “جدران تيسة “، وهي واحدة من أجمل المحميات الطبيعية والتشكيلات الصخرية الرملية في التشيك.

اسم هذا الملاذ الطبيعي مرتبط باسم قرية مجاورة اسمها تيسة، وأما كلمة أسوار فأطلقت عليها نظرا لطبيعة التشكيلات الصخرية العمودية الضخمة التي يصل ارتفاعها إلى نحو 30 مترا، والتي تبدو كأنها أسوار وجدران عملاقة.
وقد تشكلت الصخور الحجرية الرملية التي تتكون منها جدران تيسة بفعل عوامل طبيعية منذ قرابة مليوني عام، وبسبب الطبيعة الصخرية والرملية لتربة المكان لا تكثر النباتات في المنطقة، ولا تصمد في هذه البيئة سوى نباتات قليلة وشجيرات التوت البري، في حين تتكيف الأشجار مع ظروف المكان.
وأسوار تيسة، التي تبعد عن براغ مسافة 100 كلم، عبارة عن مساحة واسعة من متاهات الأبراج الصخرية، والممرات الضيقة، والأشكال الغريبة من الحجر الرملي التي يأتي لرؤيتها الزوار من جميع أنحاء العالم.

مسارات متشعبة وفسحة للخرجات
وتتشعب المسارات في هذه المنطقة الصخرية المميزة، وتتخذ التشكيلات الصخرية أشكالا متعددة، فمنها صخرة الفيل ومنها صخور على شكل خلايا النحل، ومنها صخرة على شكل نسر، ومنها ممرات صخرية ضيقة تختبر نحافة رواد المكان.
وتبقى المنطقة وجهة مثالية للخرجات العائلية حيث يمكن للكبار والصغار التنزه فيها، وممارسة ألعاب جماعية مثل لعبة الاستغماية (أو الغميضاء) وسط هذه المتاهة المترامية الأطراف.
المكان معروف لمحبي تسلق التشكيلات الصخرية العملاقة، ومن بينها قمة وُضع في أعلى نقطة فيها دفتر داخل صندوق يمكن لمن نجح في تسلق المكان أن يكتب اسمه في سجلات المتسلقين.

تمتد منطقة أسوار تيسة على مساحة 100 هكتار، وهي تخضع لقوانين المحميات الطبيعية، إذ يمنع ركوب الدراجات الهوائية والجبلية داخل المسارات الضيقة بين الصخور، إذ إنها مخصصة للمشي فقط، وللراغبين في ركوب الدراجات هناك مسارات مخصصة لذلك في الغابات المحيطة بالمحمية.
كما يمنع التخييم وإشعال النار داخل المحمية الطبيعية، ولكن هناك بدائل إذ تتوفر مخيمات رسمية وأماكن مخصصة للكرفانات والخيام، فضلا عن فنادق صغيرة في قرية تيسة، وعلى مقربة من المحمية.
سبب سينمائي لشهرة المكان
ومن أسباب شهرة هذه المنطقة تصوير مشاهد من الفيلم العالمي الشهير “سجلات نارنيا: الأسد، الساحرة وخزانة الملابس”، وذلك في شتاء العام 2004، وعرض الفيلم في دور السينما العالمية في نهاية عام 2005.

الدخول إلى محمية أسوار تيسا يكون بدفع تذكرة رمزية تتراوح بين 100 كرونة تشيكية (نحو 4 يوروات) للكبار، و50 كرونة (2 يورو) للأطفال والطلاب والمتقاعدين، و250 كرونة (10 يوروات) للأسرة المكونة من بالغين وطفلين أو طالبين.
وتقول باربرا أنديلوفا مديرة التسويق الدولي لمنطقة الشرق الأوسط والهند في هيئة السياحة في التشيك إن بلادها “تلبي شغف الاستكشاف؛ فإذا كانت براغ هي المدخل الذي يفتح لك الأبواب، فإن الجوهر الحقيقي للبلاد يتجلى حين يواصل المسافرون رحلتهم إلى ما بعد العاصمة. إن قلعة خفية في أحضان الريف، أو مسارا بين الصخور الرملية، أو توهج الزجاج المنصهر في ورشة فنان، لكفيل بترك أثر لا تستطيع تقديمه أي قائمة مزارات سياحية في المدن “.
وتضيف أنديلوفا في تصريح للجزيرة نت “نحن نريد من الزوار أن يغادروا التشيك ليس فقط بعد أن رأوها، بل بعد أن عاشوها وشعروا بها بحق.. وكما تقول حملتنا العالمية: أطلق العنان لنفسك”.
التميز الحرفي.. الزجاج والكريستال
لكي تكتمل زيارتك للتشيك وتتعرف على ثقافة شعبها وفنونه وأسلوب حياته، لا بد أن تقصد مصانع ومعارض متخصصة في مجال صناعة الزجاج والكريستال، فللبلاد سمعة أوروبية وعالمية في مجال إنتاج منتجات هذه صناعة الضاربة في التاريخ، وخصوصا “كريستال بوهيميا “، فهو علامة تجارية عالمية ويتسم هذا الكريستال بنقائه (الخالي من الرصاص) ودقة زخارفه.

وقد راكمت التشيك، خصوصا منطقة بوهيميا غربي البلاد، خبرة ومهارة حرفية منذ قرون في مجال الزجاج والكريستال، جعلتها تصدر منتجاتها لمختلف دول العالم، ومن بينها الدول العربية.
يمكنك زيارة ورش ومصانع تعرض مراحل النفخ والقطع والنقش اليدوي، كما توجد مناطق معروفة بصناعة السيراميك التقليدي حيث يشاهد الزوار الحرفيين أثناء العمل، ويمكنهم اقتناء قطع مصنوعة يدويا هدايا تذكارية.
موزر علامة فارقة في الكريستال التشيكي
ومن أبرز الأماكن التي ارتبط اسمها بصناعة الزجاج والكريستال إقليم كارلوفي فاري، وخصوصا شركة موسر، فهي أحد أبرز مصنعي الزجاج الفاخر المصنوع يدويا في التشيك والعالم.

ويوجد في مدينة كارلوفي فاري مصنع ومتحف شركة موسر، الذي تأسس في العام 1857، ويتيح لك المكان التعرف بشكل مباشر على طريقة إنتاج الزجاج اليدوي التقليدي رفقة مرشد يرافق الزوار على دفعات داخل المصنع، ولذلك من المهم أن يحجز الزائر تذكرة الدخول مسبقا عبر الإنترنت، وتصل قيمتها إلى 120 كرونة ( 5 يوروات تقريبا) للبالغ، و70 كرونة ( 3 يوروات تقريبا) للطفل، و800 كرونة (33 يورو) لأسرة مكونة من بالغين اثنين وطفلين.
ويمر صنع الزجاج عبر مراحل، تبدأ بنفخ الحرفي للزجاج المنصهر داخل قالب خشبي مخصص، ثم يُشكل الساق والقاعدة باستخدام أدوات حرفية خشبية خاصة، وبعد ساعات من التبريد التدريجي، تبدأ مرحلة التقطيع والنحت اليدوي الدقيق بعدة طرق، وهي مرحلة تتطلب مهارة يدوية دقيقة، ثم يطلى النقش البارز بمحلول الذهب، ثم يُحرق في فرن حراري عند درجة حرارة 560 درجة مئوية.
بعد عملية الحرق، تُلمّع الزخرفة غير اللامعة يدويا باستعمال أحجار التلميع مثل العقيق.
بعد زيارة الورشة يمكن الانتقال ضمن جولة منظمة من إدارة الشركة إلى متحف موسر ومعرض منتجاتها من الزجاج والكريستال، لتكتشف مختلف الأشكال والتقنيات والألوان المستخدمة في تشكيل هذه المنتجات (كؤوس، وأوانٍ، ومزهريات، وثريات، وتحف فنية…).

كل هذا العمل الإبداعي يتطلب الصبر والدقة والهدوء، خصوصا أن إنجاز بعض المنتجات يتطلب الانتهاء منها عدة أيام.
تُصمم منتجات موزر في بعض الأحيان بطلب من ملوك ورؤساء دول وأثرياء وشخصيات عامة، وبعض المنتجات المطلية بالذهب أهدتها الشركة لملوك ورؤساء دول، ولذلك فمنتجات شركة موسر باهظة الثمن تقدر أسعارها بمئات إلى آلاف اليوروات ، ولكن يمكن أن يجد الزائر منتجات صغيرة الحجم لا يتجاوز ثمنها بضع عشرات اليوروات .
ورشة زجاج باتشينيك وحديقته الساحرة
وفي منطقة وادي الزجاج شمال بوهيميا، وغير بعيد عن حدود التشيك مع ألمانيا وبولندا، يوجد معمل زجاج باتشينيك المعروف بحديقته الزجاجية الساحرة أو ما يعرف بحديقة الكريستال، حيث وضعت زهور زجاجية ملونة وسط أشجار وزهور وعشب طبيعي، وقد أسس هذا المعمل والحديقة ييرجي باتشينيك الذي تحول من نفاخ زجاج في أهم الورش التشيكية إلى من أبرز الفنانين النحاتين للزجاج المعاصر في التشيك وفي العالم.

ومن أبرز ما يذهلك وأنت تتجول داخل ورشة باتشينيك أنه يعتمد على التشكيل اليدوي الحر للزجاج، ولا يعمل بقوالب جاهزة أو على الإنتاج بواسطة الآلات، فأغلب القطع الفنية تصنع يدويا من الزجاج المنصهر مباشرة أمام الأفران الحرارية العالية، ما يتطلب مهارة جسدية وفنية استثنائية من الفنان ومساعديه.
وعندما يكون العمل الفني كبيرا ومعقدا يتطلب الأمر تعاون أكثر من فنان، وقد حقق مصنع باتشينيك انتشارا عالميا واسعا عندما صمم باتشينيك منحوتات وتحفا زجاجية ضخمة لاستخدامها في الفيلم الهوليودي “غلاس أونيون: اخرجوا السكاكين “.
سيخرج من يزور مصنع باتشينيك بمعرفة جديدة عن الجانب الحرفي والفني في التشيك، مفادها أن هذا المصنع ليس مجرد ورشة لإنتاج مشغولات زجاجية، بل هو مؤسسة ثقافية وفنية تحافظ على الحرفة التقليدية لصناعة الكريستال والزجاج التشيكي التاريخي، مع لمسة معاصرة إبداعية في التشكيل والنحت.

زيارة المصنع وحديقة الزجاج تتطلب حجز تذكرة بقيمة 270 كرونة (11 يورو) للبالغ و100 كرونة ( 4 يوروات) للطفل أو الطالب و700 كرونة (29 يورو) لأسرة مكونة من بالغين اثنين وطفلين أو طالبين، وفي المتجر الملحق بالمكان يمكنك شراء هدايا تذكارية تتراوح أسعارها بين 22 إلى 42 يورو للمنتجات الصغيرة، وقد تصل إلى مئات اليوروات للقطع الفنية والديكورات الكبيرة.
والمثير للاهتمام في مصنع باتشينيك أنه يمكنك خوض تجربة نفخ الزجاج بنفسك تحت إشراف أحد الحرفيين، إذ يُنفخ على أطراف أنابيب نفخ معدنية طويلة متفاوتة الحجم، ليُشكّل في ثوان تشكيل كتلة الزجاج المنصهر الذي يشبه لونه لون العسل المتوهج، ثم يستخدم الحرفي أدوات خشبية ومقصات معدنية خاصة لصنع تفاصيل المنتج.
