رحلة طويلة قطعتها مومياء مصرية “مجهولة الاسم “، إلى أن استقر بها المقام في متحف كنوز العالم بمدينة ويتشيتا في ولاية كانساس الأمريكية، حيث أصبحت تسمى هناك بـ “السيدة ذات الضفائر “، بسبب تسريحة شعرها المضفرة النادرة التي ما زالت محفوظة حتى اليوم.
ورغم أن المتاح من معلومات عن تلك المومياء شحيح للغاية، ويقتصر على معلومة واحدة فقط، وهي أنها عاشت على الأرجح خلال عصر الدولة الحديثة أو الفترة الانتقالية الثالثة، أي قبل أكثر من 3000 عام، إلا أن فريقا بحثيا من جامعة ميشيغان الأمريكية استطاع باستخدام تقنية “التصوير المقطعي المحوسب ” عالي الدقة، أن يستخرج منها كنزا من المعلومات، التي تعطي ملامح عن طبقتها الاجتماعية والبيئية التي كانت تعيش فيها.
وخلال الدراسة المنشورة في دورية “راديولوجي كيس ريبورتس ” (Radiology Case Reports)، رجح الباحثون انتماء تلك السيدة، التي عثر على المومياء الخاصة بها ضمن مجموعة من المومياوات، وليس داخل مقبرة منفردة، إلى طبقة اجتماعية ميسورة أو نخبوية، لكنها ليست ملكية.
وكشفت الأشعة عن محاولة “غير مكتملة ” لتقليد التحنيط الملكي، حيث كان الدماغ والأحشاء في التحنيط الملكي تُزال بالكامل، بينما في حالة تلك “السيدة ذات الضفائر “، بقيت أجزاء من الكبد وأعضاء أخرى داخل الجسم، كما لم يُستخرج الدماغ عبر الأنف، وهو أسلوب كان شائعا في التحنيط الملكي.
ويعكس هذا المستوى من التحنيط مستوى كفاءة أقل للشخص القائم بالتحنيط والقدرة المادية لأسرة السيدة، كما يوضح بسام الشماع، المؤرخ والمحاضر وعضو المجلس الدولي للمتاحف.
ويقول في تصريحات للجزيرة نت: “إذا كان التحنيط الملكي يمثل خدمة “5 نجوم “، فإن هذه المومياء حظيت بتحنيط لا يتعدى “نجمة أو نجمتين “، فقد كانت محاولة من أسرة ذات إمكانيات ميسورة إلى حد ما، منح فقيدها طقوسا ملكية لكن بكلفة أقل. “
وكان سوق التحنيط في مصر القديمة محكوما بالقدرة المالية، فالأسر الغنية تستأجر كبار المحنطين وتشتري أجود أنواع الكتان (مثل كتان الجنوب الشهير)، بينما تلجأ الطبقات المتوسطة إلى محنطين أقل خبرة ومواد أقل جودة، وهو ما يفسر فشل المحنطين في إزالة كامل الأحشاء كالكبد والحجاب الحاجز وأنسجة الدماغ في هذه الحالة، كما يوضح بسام.
أسنان سيئة بلا تسوس
وحظيت أسنان “السيدة ذات الضفائر ” بفحص تفصيلي، كشف أنها لم تعانِ من مشكلة التسوس، لكنها عانت من تآكل شديد في الأسنان، وعلامات على أمراض في اللثة، بالإضافة إلى وجود سن مكسورة وسن منجرفة نحو البلعوم.
واتفق بسام مع ما ذهب إليه الباحثون من أن تآكل الأسنان وأمراض اللثة، كان سببهما النظام الغذائي للمصريين القدماء، خاصة الخبز الذي كان يحتوي أحيانا على حبيبات رملية دقيقة ناتجة عن الطحن التقليدي للحبوب، ما أدى إلى تآكل الأسنان مع مرور الوقت.
لكنه اختلف مع ما ذهبوا إليه من أن السن المكسورة والسن المنجرفة نحو البلعوم كانتا نتيجة لخطأ أثناء ممارسة طقس “فتح الفم ” الجنائزي.
وكان هذا الطقس يُجرى على المومياء بهدف إعادة قدرتها الرمزية على التنفس والكلام والرؤية والأكل في الحياة الأخرى، وفق معتقدات المصريين القدماء.
ويعتقد الباحثون أن المحنطين استخدموا الأدوات الفولاذية أو الحجرية بالقوة داخل فم السيدة ذات الضفائر بشكل تسبب في وجود سن مكسور وآخر سليم انتقل إلى منطقة البلعوم، وهو ما يرفضه بسام.
وقال إنه: “خلال طقس فتح الفم، وهو طقس رمزي، كان الكاهن يقرب أداة فتح الفم من الشفتين لاستعادة القدرة على الكلام والأكل في العالم الآخر، ولم تكن الأداة تُدخل إجرائيا داخل الفم، ولم تسجل المقابر المصرية القديمة طوال تاريخها أي منظر يُظهر الكاهن وهو يدخل الأدوات الفولاذية أو الحجرية بالقوة داخل فم المتوفى بشكل يتسبب في كسر أسنانه، وبالتالي قد تكون هناك أسباب أخرى تسببت في تلك الحالة المرصودة بالدراسة “.
ولفت بسام إلى أن الدراسة لم تقدم تفسيرا لغياب التسوس، وهو على ما يبدو يعود إلى أنها ليست اختراقا علميا جديدا، إذ تم إثباته في دراسات أخرى.
ومن الثابت تاريخيا، أن المصري القديم لم يعرف “السكر الأبيض “، وكان يعتمد في التحلية على البلح وشطائره (كيك البلح)، في حين كان عسل النحل سلعة باهظة الثمن، وعززت نتائج الدراسة هذه الحقيقة، كما يؤكد بسام.

سبب مجهول للوفاة
ولم يفض الفحص خلال الدراسة إلى الوصول لأي أدلة تشير إلى أن “السيدة ذات الضفائر “، ماتت نتيجة حادث أو إصابة جسدية كبيرة، إذ كان الهيكل العظمي خاليا من أي كسور وإصابات عنيفة وأمراض عظمية خطيرة، أو أي دلائل على أمراض استقلابية متقدمة.
وكانت هناك صعوبة في التحقق من أسباب الوفاة الأخرى، فقد أوضح الباحثون أن التحنيط والجفاف الشديد للأنسجة يجعل تحديد الأسباب الأخرى للوفاة أمرا شبه مستحيل.
ورغم أن تحديد أسباب الوفاة، كان سيمثل اختراقا كبيرا، إلا أن الباحثين أبدوا رضاهم عما توصلوا إليه من نتائج أثبتت كيف يمكن للتقنيات الطبية الحديثة تحويل مومياء مجهولة الهوية إلى “سجل بيولوجي ” يكشف تفاصيل حياة شخص عاش قبل آلاف السنين، كما أنها قدمت دليلا جديدا على تنوع أساليب التحنيط والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.
ويضيف بسام ميزة أخرى لهذه الدراسة وهي أنها تمثل في رأيه تجسيدا واضحا لمحاولة عائلة من الطبقة المتوسطة الارتقاء بفقيدها مجتمعيا ودينيا عن طريق محاكاة التحنيط الملكي الفاخر بأساليب موفرة، لتبقى المومياء شاهدة على أن طموح الترقي الطبقي في مصر القديمة لم يكن يتوقف حتى عند أبواب الموت.
يذكر أن هذه المومياء اكتُشفت في مصر، ثم نُقلت إلى كندا عام 1860 بواسطة الطبيب وجامع الآثار جيمس دوغلاس، وبعد ذلك انتقلت بين عدة مؤسسات، حيث امتلكها أولا متحف “نياجارا فولز ” بمقاطعة أونتاريو الكندية، ثم متحف “مايكل سي. كارلوس ” في مدينة أتلانتا الأمريكية عام 1999، قبل أن تُباع إلى متحف كنوز العالم بمدينة ويتشيتا في ولاية كانساس الأمريكية عام 2006، حيث تعرض حاليا.
