Published On 25/8/2026
للعام الثاني على التوالي، تفرض المأساة الفلسطينية نفسها بقوة على السجادة الحمراء لواحد من أعرق المهرجانات السينمائية في العالم. فقد أُضيف الفيلم الوثائقي “نازا” (NAZA) إلى المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في دورته الـ83 (المقررة بين 2 و12 سبتمبر/أيلول 2026). وهو الفيلم الوثائقي الوحيد من 21 فيلما تتنافس على جائزة “الأسد الذهبي”، ومن المقرر عرضه العالمي الأول في 10 سبتمبر/أيلول.
عنوان الفيلم ليس مجرد اسم عابر؛ إذ تشير تقارير إلى أن “نازا” هو مصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم للدلالة على مدنيين يُتوقع أن يُقتلوا سلفاً في غارة جوية
هذا العنوان يمهد لما يعرضه الفيلم، الذي صُوّر ليلاً من فوق أسطح منازل في تل أبيب، حيث يكشف -وفقا لملخص المهرجان- عن “الأنظمة الكامنة وراء القتل الجماعي المحسوب للمدنيين الفلسطينيين في غزة”.
الذكاء الاصطناعي.. واختيار الأهداف البشرية
لا يدخل “نازا” سباق “الأسد الذهبي” بوصفه فيلما عن غزة فحسب، بل بوصفه امتدادا سينمائيا لتحقيقات استقصائية سابقة كشفت آليات إنتاج الأهداف في الحرب.
فالفيلم من إخراج يوفال أبراهام وراحيل تسور؛ وكان أبراهام من بين الصحفيين الذين ساهموا في بناء أرضية استقصائية عبر تحقيقات نشرتها مجلة “+972” وموقع “لوكال كول” عن استخدام الجيش الإسرائيلي لأنظمة مثل “لافندر” و”الإنجيل/هبسورا”. وهي أنظمة قالت مصادر عسكرية إنها استُخدمت لتوليد قوائم اشتباه بالأفراد أو اقتراح مواقع وأهداف للقصف على نطاق واسع.
تلك التحقيقات أثارت نقاشا دوليا واسعا حول دور الأتمتة والذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف البشرية. ومن فوق أسطح تل أبيب، يعيد “نازا” نقل هذا النقاش من صفحات التحقيق الصحفي إلى شاشة المهرجان، في مواجهة مباشرة بين صورة الحرب كما تُدار تقنيا، وصورتها كما يعيشها المدنيون في غزة، حيث أعلنت السلطات الصحية مقتل أكثر من 73 ألف شخص منذ بدء الحرب.
تصاعد الأصوات اليهودية الناقدة
يستمد الفيلم زخمه أيضا من مظلته الإنتاجية، حيث شاركت صحيفة “الغارديان” البريطانية وجيمس ويلسون في إنتاجه، بينما تولى المخرج البريطاني الحائز على الأوسكار، جوناثان غليزر، دور المنتج التنفيذي.
اسم غليزر هنا يحمل دلالة بالغة الأهمية؛ فهو الذي أحدث هزة في حفل جوائز الأوسكار عام 2024 (حين فاز بفيلم “منطقة الاهتمام” عن المحرقة)، عندما ألقى خطابا أدان فيه اختطاف اليهودية والمحرقة لتبرير احتلال وقتل الأبرياء. عودة غليزر اليوم لدعم فيلم “نازا” تبرز تصاعدا لافتا لأصوات يهودية ناقدة للحرب وسياسات الاحتلال داخل المجال السينمائي الغربي، ورفضها الانصياع للسردية الإسرائيلية الرسمية.
السينما كأداة ضغط متزامن
هذا الحضور في البندقية يعد امتدادا لنجاح سياسي وسينمائي تحقق العام الماضي في المهرجان ذاته مع فيلم “صوت هند رجب” (الذي تولى ويلسون وغليزر إنتاجه أيضا). الفيلم الذي وثّق الساعات الأخيرة لطفلة غزة المحاصرة تحت نيران إسرائيلية، فاز بالجائزة الثانية للمهرجان ونال تصفيقا قياسيا لـ23 دقيقة.
ورغم أن الفيلم لم يكن السبب القانوني المباشر، فإنه أسهم بقوة في خلق سياق من الضغط الدولي المتزامن، والذي تُرجم مؤخرا الأسبوع الماضي بإعلان السلطات الإسرائيلية فتح تحقيق جنائي في وفاة الطفلة هند؛ مما يؤكد أن العدسة الوثائقية باتت أداة إحراج وضغط لا يمكن تجاهلها.

ضريبة كشف الحقيقة
المنافسة على “الأسد الذهبي” تأتي وسط أجواء مشحونة يواجهها صُنّاع العمل. فالمخرجان أبراهام وتسور، شاركا سابقا (إلى جانب المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال) في صنع فيلم “لا أرض أخرى” الذي وثّق تدمير القرى الفلسطينية وفاز بأوسكار 2025 كأفضل فيلم وثائقي.
عقب ذلك النجاح، واجه أبراهام حملات تحريض واسعة داخل إسرائيل وتلقى تهديدات بالقتل. ورغم هذا الترهيب، واستمرار إسرائيل في القول إن حربها تتجنب المدنيين وتستهدف حماس، يصر هؤلاء السينمائيون على تحويل المهرجانات الكبرى إلى ساحات اشتباك أخلاقي، تسلط الضوء على آليات الموت التي باتت مجرد “مصطلحات تقنية” في غرف العمليات.
