يناقش الإعلام الألماني، منذ كشف الصحيفة الأسبوعية “دي تسايت” عن فرار جنود أوكرانيين من التدريبات العسكرية في ألمانيا، الصعوبات المتزايدة التي تواجهها أوكرانيا في تجنيد مقاتلين جدد.

فقبل يومين سلطت الصحيفة الضوء على قصة الجندي فولوديمير شولغن الذي فرّ من التدريبات العسكرية ورفض العودة إلى الجبهة، وأوضحت الصحيفة أن أكثر من 29 ألف جندي أوكراني تلقوا تدريبات في ألمانيا منذ عام 2022، فيما تم تسجيل نحو 80 حالة فرار في ولاية ساكسونيا أنهالت وحدها، وعدة مئات في ألمانيا بشكل عام.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ووفق الصحيفة، فإن الفارين يواجهون صعوبة في البقاء في ألمانيا، لأن قواعد الحماية الخاصة باللاجئين الأوكرانيين لا تنطبق عليهم باعتبار أنهم دخلوا البلاد في مهمة تدريبية رسمية، ولذلك لا يبقى أمامهم سوى طلب اللجوء وإثبات تعرضهم للخطر أو الاضطهاد عند العودة إلى أوكرانيا.

ويعكس ذلك، بحسب الصحيفة، الصعوبات المتزايدة التي تواجهها أوكرانيا في توفير جنود مستعدين للقتال على الجبهات مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة منذ فبراير/شباط من عام 2022.

مقابلة تجنيد في مكتب للتجنيد في العاصمة الأوكرانية كييف عام 2024 (غيتي)

وتقول الصحيفة إن الجندي البالغ من العمر 39 عاما أرسله الجيش الأوكراني في بداية العام الجاري إلى ألمانيا للتدرب على القتال بولاية ساكسونيا أنهالت في شرق ألمانيا، حيث كان من المقرر حصوله على التدريبات اللازمة قبل العودة إلى أرض المعركة.

ويعد معسكر التدريب الذي فر منه الجندي واحدا من نحو 60 موقعا في ألمانيا يحصل فيها جنود أوكرانيون على يد مدربين ألمان وآخرين من 12 دولة أوروبية على التدريبات اللازمة قبل العودة إلى الجبهة.

ووفق الصحيفة، فإنها تحدثت مع 10 مجندين أوكرانيين آخرين فروا هذا العام من موقعين عسكريين في ألمانيا، الأمر الذي يجعلهم الآن يواجهون عقوبة بالسجن قد تصل بحسب القوانين الأوكرانية إلى 12 عاما وذلك بسبب فرارهم من الخدمة العسكرية.

وتؤكد الصحيفة أن جميع القصص التي تعرفت عليها أثناء القيام بالتحقيق تظهر جميعها الصعوبات التي يعاني منها الجيش الأوكراني من أجل العثور على مقاتلين مستعدين للقتال.

وتنقل الصحيفة عن فولوديمير قوله إنه أراد إنقاذ حياته من الموت، مضيفا أنه يعتبر القتال ضد روسيا أمرا صحيحا، لكنه لا يشعر بالذنب لأنه يعيش الآن في ألمانيا بدلا من القتال مع آخرين يقدمون حياتهم من أجل أوكرانيا، ويتابع أنه يجب أن يكون لكل شخص الحق في أن يقرر بنفسه ما إذا كان يريد المشاركة في هذه الحرب أم لا، مشيرا إلى أنه لا يريد ذلك لأن أطفاله يحتاجون إليه أكثر من الجيش.

عازف بيانو وليس جنديا

ويلقي فولوديمير نظرة إلى الخلف قائلا إنه كان في زمن السلم عازف بيانو ويكتب الشعر وينظم حلقات نقاش حول الكتاب المقدس، مؤكدا أنه لم يكن مقاتلا أبدا لا من الناحية الجسدية ولا من حيث بناء شخصيته وأنه لم يدخل في شجار ولو مرة واحدة في حياته، متسائلا، “فكيف أقاتل؟!”.

BERLIN, GERMANY - MARCH 14: Galina from Ukraine chooses among groceries on offer at the 49th food bank of the Berliner Tafel charity on the food bank's opening day on March 14, 2024 in Berlin, Germany. Berliner Tafel operates the food banks together with local churches in its "Laib und Seele" ("Loaf and Soul") program. Berlin has a relatively high rate of poverty. Demand for groceries at the food banks has also increased since the large influx of refugees fleeing war in Ukraine. (Photo by Maja Hitij/Getty Images)
لاجئة أوكرانية تختار مواد غذائية من بنك الطعام التابع لجمعية “برلينر تافل” في برلين (غيتي)

وتنقل الصحيفة عن فولوديمير وزوجته التي لحقت به أيضا إلى ألمانيا كيف عاشا في أوكرانيا في خوف دائم من أن يتم تجنيده في أحد الأيام، ويقولان إن الجيش شدد في الأشهر الأخيرة عمليات البحث عن الشباب من أجل إرسالهم إلى الجبهة، قائلين إن الجيش كان يوقف الرجال في الشوارع ويسحبهم إلى سيارات قبل نقلهم إلى الجبهة.

ويسرد فولوديمير قصة تجنيده بالقول إنه اضطر إلى ترك عمله لأنه كان يتجنب الخروج إلى الشارع ولكن في نهاية يناير/كانون الثاني، أوقفه رجال يرتدون الزي العسكري في أحد شوارع مدينة دنيبرو مع زوجته ليتبين أنه لم يكن معفيا من الخدمة العسكرية، وبعد ذلك تم إرساله إلى ألمانيا للخضوع لدورة عسكرية.

لا أحد يلتحق طوعا

ووفق الصحيفة، ليس من الضروري أن يخدم جميع الرجال الأوكرانيين في الجيش، فهناك نحو مليون و300 ألف رجل لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية لأنهم يعملون في قطاعات حيوية، مثل البنوك والأعمال الإدارية ووسائل الإعلام أو قطاع تكنولوجيا المعلومات.

كما تعفي القوانين الآباء الذي لديهم 3 أطفال أو أكثر وكذلك الطلاب وطلاب الدراسات العليا والرجال الذين تقل أعمارهم عن 25 عاما، ويمكن للرياضيين والفنانين والممثلين المعروفين عادة الحصول على إعفاء من الجيش.

وفي العامين الأولين من برنامج التدريب الأوروبي، كانت أوكرانيا ترسل إلى ألمانيا في الغالب جنودا ذوي خبرة وذوي حافز كبير، وكانوا يتعلمون كيفية تشغيل دبابة غيبارد المضادة للطائرات، ومدفع هاوتزر بانزرهاوبتسه 2000، أو نظام الدفاع الجوي إيريس تي، لكن في العام قبل الماضي بدأت أوكرانيا أيضا في إرسال مبتدئين مثل فولوديمير إلى التدريب الأساسي.

Service members visit a graveyard with tombs of Ukrainian servicemen who were killed in a fight against Russian troops, amid Russia's attack on Ukraine, during Independence Day in Lviv, Ukraine August 24, 2026. REUTERS/Stringer
جنود أوكرانيون في مقبرة تضم رفات زملائهم الذين قُتلوا في المعارك ضد القوات الروسية (رويترز)

وتشير الصحيفة إلى أن الجيش الأوكراني يحتاج إلى الجنود بشدة، في وقت أصبح لا يكاد يتطوع فيه أحد، ووفقا لوزارة الدفاع الأوكرانية، يتوارى نحو مليوني أوكراني عن الأنظار هربا من الخدمة العسكرية ومكاتب التجنيد لا تعرف أين يعيشون وأين يعملون.

ومنذ فبراير/شباط 2022، فر ما لا يقل عن 60 ألف جندي أوكراني من الجيش في وقت يحاكم فيه أكثر من 250 ألف شخص من أفراد الجيش بسبب الاشتباه في أنهم غادروا وحداتهم القتالية دون إذن.

ولا تقدم السلطات الألمانية عددا دقيقا للجنود الأوكرانيين الذين فروا من التدريبات العسكرية، لكن وزارة الدفاع الألمانية تؤكد فقط أن الجنود الأوكرانيين غادروا من تلقاء أنفسهم وفي حالات منفردة، علما أن ولاية ساكسونيا أنهالت وحدها سجلت 80 حالة، وعلى مستوى ألمانيا كلها، يقال إن العدد يبلغ عدة مئات.

مصير مجهول

وتنقل الصحيفة عن أوكرانيين آخرين فروا من التدريبات العسكرية تبريرهم للقرار الصعب بالقول إن أحدهم تعرض لاعتداءات من مسؤوليه، بينما قال أحد الفارين إنه قضى في أوكرانيا حكما بالسجن لمدة 15 عاما بتهمة القتل، فيما قال آخر “أنا ببساطة لا أريد أن أموت ولا أريد أن أقتل، لا على الجبهة ولا في أي مكان آخر ألا يكفي هذا؟”.

BERLIN, GERMANY - MAY 19: Refugees from Ukraine chat with one another in the dining room at the temporary refugee shelter and welcome center at former Tegel airport on May 19, 2023 in Berlin, Germany. Authorities are expecting 10,000-12,000 new refugees to arrive in the Berlin this year, well below the record number of 95,000 the city registered last year but pushing its already strained capacity nonetheless. Berlin lacks sufficient accommodation as well as open spots in schools for refugee children. (Photo by Maja Hitij/Getty Images)
لاجئون من أوكرانيا في مركز إيواء واستقبال مؤقت للاجئين في برلين في 2023 (غيتي)

وحول مستقبلهم في ألمانيا تقول “دي تسايت” إنه من المستبعد أن تسمح القوانين لفولوديمير والفارين الآخرين بالبقاء في ألمانيا، إذ تنطبق على اللاجئين من أوكرانيا قواعد مبسطة للغاية للبقاء وتحديدا المادة 24 من قانون الإقامة الألماني، حيث يسمح للأشخاص الذين شردتهم الحرب الروسية من بلادهم بالبقاء، ولا تنطبق هذه الأحكام على المجندين الأوكرانيين الذين فروا من الخدمة على الأراضي الألمانية.

ومن وجهة نظر السلطات الألمانية، لم يفر هؤلاء من أوكرانيا، بل أرسلتهم حكومتهم إلى ألمانيا للحصول على تدريبات عسكرية، وتنقل الصحيفة عن متحدث باسم وزارة الداخلية الاتحادية قوله إن الجنود الأوكرانيين الموجودين في ألمانيا في مهمة تدريبية “لا يجوز لهم من حيث المبدأ تقديم طلب للحصول على تصريح إقامة وفقا للمادة 24 من قانون الإقامة”.

ويختم فولوديمير شولغن مقابلته مع الصحيفة بالقول إنه لا يوجد شيء يحفزه على العودة إلى وطنه، مضيفا “أتمنى لأوكرانيا من أعماق قلبي النصر، لكن بالنسبة إليّ كان الهروب قرارا صحيحا”.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل