انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو أثار جدلا واسعا زعمت حسابات أنه يوثق موكبا عسكريا ضخما وحديثا لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة، بالتزامن مع المحادثات الجارية بشأن ملف نزع السلاح.

وسرعان ما ربطت حسابات إسرائيلية ظهور الموكب بالتطورات السياسية الأخيرة، وخاصة اللقاء العلني الذي جمع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر بوفد من حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية في القاهرة.

واعتبرت الحسابات أن المشاهد تمثل دليلا على عدم التزام الحركة بمسار نزع السلاح، رغم ما نُسب إليها من استعداد لتأكيد التزامها بهذا المسار، وذلك في أعقاب موافقتها على خريطة الطريق التي أعدها مجلس السلام.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويأتي تداول المقطع في ظل تصعيد إسرائيلي ضد حركة حماس وقياداتها، على المستويين الرسمي والإعلامي، تجلّى في انتقاد وزارة الخارجية الإسرائيلية بشدة لوكالة رويترز، عقب نشرها بورتريه يعرّف برئيس المكتب السياسي خليل الحية، بعد لقائه المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في مصر.

 

ماذا يُظهر المقطع؟

ويظهر في المقطع موكب عسكري يضم عناصر من كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، على متن عشرات المركبات والدراجات النارية، أثناء مرورهم في أحد شوارع قطاع غزة.

ويحمل المشاركون أعلام فلسطين فيما يظهر عدد من المسلحين وهم يحملون أسلحة مختلفة ويعرضونها أثناء سير الموكب.

كما تبدو في المشاهد أعداد كبيرة من المركبات والدراجات المتحركة في اتجاه واحد، وسط تجمع مدنيين على جانبي الطريق. وتوحي طبيعة المشاهد بأنها توثق استعراضا عسكريا مشتركا.

من نشر المقطع أولا؟

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة أن أول ظهور للمقطع كان على حساب في “إنستغرام” بتاريخ 18 أغسطس/آب الجاري، ونشره صاحبه مُرفَقا بعبارة “غزة ستبقى قوية دائما”، وعدة وسوم أخرى، قبل أن تتناقله حسابات أخرى على نطاق واسع وبسردية مختلفة.

 

ويكشف تحليل الحساب الناشر -الذي يُعرَّف بأنه موجود في إندونيسيا وأُنشئ في مايو/أيار 2025- أن نشاطه الفعلي بدأ مؤخرا، إذ اعتاد صاحبه نشر مشاهد قديمة توثق انتشار فصائل المقاومة داخل قطاع غزة، من دون توضيح سياقها الزماني أو المكاني.

بيانات حساب أول ناشر للمقطع بتاريخ 18 أغسطس/آب 2026 (إنستغرام).

كيف تفاعلت الحسابات؟

بعد تداول المقطع على إنستغرام، أعادت حسابات إسرائيلية وغربية نشره على منصة إكس، مع تأطيره ضمن سردية موحدة: التشكيك في جدية حماس بشأن نزع السلاح، والإيحاء بأن الحركة ما زالت تحتفظ بقدرة عسكرية ظاهرة في شوارع غزة في ظل استمرار المفاوضات.

 

وربط حساب إسرائيلي المقطع بضرورة “حسم ملف نزع السلاح”، فيما وصفه آخر بأنه “رد حماس العملي” على نقاشات نزع السلاح الدائرة في الأوساط الدولية.

 

وكتب الناشط الإسرائيلي ساشا رويتمان معلقا على الفيديو: “بينما يناقش قادة العالم نزع السلاح من قطاع غزة وتجريد حركة حماس من سلاحها، جاء رد حماس، في صورة موكب عسكري صُوّر اليوم، ويضم مسلحين يجوبون شوارع غزة”.

ويهدف الموكب بحسب الناشط الإسرائيلي إلى “استعراض القوة والاستفزاز وبث الرعب بين سكان القطاع”.

 

مؤشرات بصرية دالة

وعند تحليل المقطع بصريا، تبين أنه أقرب في طبيعته إلى مواكب الانتشار، التي تنفذها فصائل المقاومة في عدد من مناطق قطاع غزة بشكل متزامن، بهدف تضليل جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن الأماكن الفعلية لوجود الأسرى الإسرائيليين، وذلك قبيل عمليات تسليمهم ضمن صفقات تبادل سابقة.

وكشف التحليل عن 3 عناصر بصرية بارزة ساعدت في كشف حقيقة المقطع: ملابس شتوية يرتديها الأطفال والشبان الذين ظهروا إلى جانب الموكب، وعبارة مكتوبة على مقدمة بعض المركبات في موضع لوحاتها، ومبنى كبير يظهر في الثانية 47 من المقطع.

علامات بصرية مميزة ساعدت في تحديد موقع تصوير الفيديو بدقة
علامات بصرية مميزة ساعدت في تحديد موقع تصوير الفيديو بدقة (إكس + إنستغرام)
علامات بصرية مميزة ساعدت في تحديد موقع تصوير الفيديو بدقة
علامات بصرية مميزة ساعدت في تحديد موقع تصوير الفيديو بدقة (إكس + إنستغرام)

ويُلاحَظ أن الأطفال والشبان الذين ظهروا في المقطع يرتدون جميعا ملابس شتوية ثقيلة، في حين أن المقطع نُشر ويُروج له في ذروة فصل الصيف، وهو ما يستبعد أن يكون المشهد قد التُقط حديثا.

وعند تدقيق المركبات المشاركة في الموكب، ظهرت عبارة “صفقة طوفان الأقصى” مكتوبة على مقدمتها في موضع لوحات الترقيم، وهي عبارة ارتبطت في مقاطع أخرى موثقة بمراسم تسليم الأسرى التي شهدت حضورا فلسطينيا كثيفا وانتشارا واسعا لعناصر المقاومة.

أين التُقط الفيديو؟

وعبر البحث العكسي عن المبنى الظاهر في الثانية 47 من المقطع، توصلنا إلى مقطع من مراسم تسليم أخرى، يظهر فيها عناصر من كتائب القسام في محيط المبنى نفسه، لكنها ليست لنفس الموكب بل ساعدت في تحديد الموقع.

 

ويحمل الهيكل الخارجي للمبنى علامات مميزة أبرزها أبراج اتصالات على سطحه، إلى جانب تطابق لون المبنى وشكله الخارجي والعناصر المحيطة به مثل الشجر مع صور أرشيفية لمبنى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مدينة غزة.

 

طابقنا الموقع مع المشاهد عبر صور الأقمار الصناعية، حيث تبين أن المسجد الظاهر بجوار المبنى هو مسجد “أبو خضرة”، ما يؤكد أن المقطع التُقط في شارع عمر المختار بمدينة غزة.

 

تطابق صور الأقمار مع عناصر محيطة بالمبنى الظاهر في المقطع
تطابق صور الأقمار مع عناصر محيطة بالمبنى الظاهر في المقطع (غوغل إيرث)

وباستخدام أداة القياس في تطبيق “غوغل إيرث”، تبين أن هذا الموقع يبعد نحو 1.17 كيلومتر عن “ميدان فلسطين” وسط مدينة غزة، حيث جرت مراسم تسليم الأسرى.

المسافة التقريبية بين ميدان فلسطين وموقع ظهور الموكب في مدينة غزة
المسافة التقريبية بين ميدان فلسطين وموقع ظهور الموكب في مدينة غزة (غوغل إيرث)

الطقس يعزز الفرضية الزمنية

كما عززت معطيات الطقس الفرضية الزمنية للمقطع؛ إذ تبين بمراجعة توقيت عمليات تسليم الأسرى السابقة أنها جرت خلال فصل الشتاء.

 

وأظهرت مقاطع فيديو موثقة نُشرت خلال تلك المراسم هطول أمطار في أكثر من مناسبة، وهو ما يتسق مع ارتداء الأطفال والشبان الذين ظهروا في المقطع ملابس شتوية.

تطابق مع الأرشيف

وبمراجعة مقاطع أرشيفية أخرى، تبين أن عبارة “صفقة طوفان الأقصى” ظهرت على مركبات مشابهة خلال مراسم انتشار عناصر كتائب القسام وسرايا القدس في ميدان فلسطين، قبيل بدء تسليم 4 أسيرات إسرائيليات، وذلك بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2025 للإفراج عنهن ضمن صفقة التبادل.

 

وبتضييق نطاق البحث زمنيا حول هذا التاريخ، عثرنا على مقطع آخر لموكب مشابه ولكنْ من زاوية تصوير مختلفة، إذ نُشر تحت عنوان: “موكب عسكري مهيب للمقاومة الفلسطينية من كتائب القسام وسرايا القدس في طريقهم إلى ميدان فلسطين في مدينة غزة للمشاركة في تبادل الأسرى”.

 

ويتطابق تاريخ نشر هذا المقطع مع موعد مراسم التسليم، كما تتطابق تفاصيله -من العبارات المكتوبة على المركبات إلى اشتراك عناصر من كتائب القسام وسرايا القدس معا- مع المقطع المتداول، ما يؤكد أن الفيديو المتداول قديم ويعود إلى عام 2025، ولا علاقة له بأي موكب عسكري حديث أو بمستجدات ملف نزع السلاح الحالية.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل