Published On 16/8/2026
أطلقت شركة آبل موجة جديدة من إشعارات التهديد الأمني، حذرت خلالها مستخدمين في 110 دول من احتمال استهداف أجهزتهم ببرامج تجسس متطورة تعرف باسم “برامج التجسس المرتزقة” (Mercenary Spyware)، في أحدث مؤشر على اتساع نطاق الهجمات الرقمية التي تستهدف أفرادا محددين بدلا من مهاجمة المستخدمين بصورة عشوائية.
وأكدت الشركة أن الإشعارات الجديدة أرسلت يوم 13 أغسطس/آب الجاري، في حين وصل البرنامج منذ إطلاقه إلى مستخدمين لديها في أكثر من 150 دولة.
تحذير مختلف عن التنبيهات الأمنية المعتادة
تختلف هذه الرسائل عن التحذيرات التقليدية التي ترسلها شركات التقنية عند اكتشاف برمجيات خبيثة واسعة الانتشار، فآبل تقول إن إشعارات التهديد مخصصة للأشخاص الذين تعتقد، بدرجة ثقة عالية، أنهم استُهدفوا بشكل فردي من خلال هجمات تجسس متقدمة، غالبا بسبب هويتهم أو طبيعة عملهم.
وتوضح الشركة أن هذه الهجمات تختلف بصورة كبيرة عن الجرائم الإلكترونية المعتادة، إذ يمتلك مشغلو برامج التجسس موارد مالية وتقنية استثنائية تمكنهم من تطوير أدوات باهظة التكلفة واستهداف عدد محدود من الأشخاص، وتشير آبل إلى أن غالبية المستخدمين لن يكونوا عرضة لهذا النوع من الهجمات، التي تستهدف عادة الصحفيين والنشطاء والسياسيين والدبلوماسيين وغيرهم من الأشخاص ذوي الحساسية العالية.
وتأتي التحذيرات الجديدة في وقت بدأت فيه آبل تقديم التنبيه بصورة أكثر وضوحا، إذ يمكن أن يظهر للمستخدم في صورة إشعار على شاشة قفل آيفون، إلى جانب وسائل التنبيه الأخرى، في خطوة تهدف إلى ضمان وصول الرسالة إلى الشخص المستهدف بدلا من بقائها داخل البريد الإلكتروني أو إعدادات الحساب.
هل يعني التنبيه أن آيفون تعرض للاختراق؟
لا يعني وصول الإشعار بالضرورة أن المهاجم نجح في السيطرة على الجهاز، فآبل تصف هذه الإشعارات بأنها تحذيرات عالية الثقة تستند إلى معلومات استخباراتية وتحقيقات داخلية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن عمليات التحقيق لا يمكن أن تصل إلى درجة اليقين المطلق. ولذلك فإن الرسالة تعني أن الشركة رصدت مؤشرات قوية على استهداف المستخدم، وليس بالضرورة أن جميع بياناته أصبحت بالفعل في يد المهاجم.
وتكمن خطورة هذه الهجمات في قدرتها على استغلال ثغرات متقدمة في أنظمة التشغيل والتطبيقات للوصول إلى أجهزة الضحايا، وفي بعض الحالات يمكن أن تتم عملية الاستهداف دون الاعتماد على السلوك التقليدي للمستخدم، مثل تنزيل تطبيق مجهول أو الضغط على رابط مشبوه.
صناعة تجسس بملايين الدولارات
تضع آبل ما تسميها “برامج التجسس المرتزقة” في فئة مختلفة عن البرمجيات الخبيثة التي يستخدمها مجرمو الإنترنت لتحقيق مكاسب مالية واسعة.
وتقول الشركة إن تطوير هذه الأدوات وتنفيذ الهجمات المرتبطة بها قد يكلف ملايين الدولارات، كما أن عمر بعض أدوات الاستغلال قد يكون قصيرا بسبب اكتشاف الثغرات وإغلاقها عبر تحديثات أمنية. ومع ذلك، فإن الجهات التي تقف وراءها تمتلك موارد تسمح لها بتطوير تقنيات جديدة باستمرار.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت تاريخيا بهذا النوع من التجسس شركة “إن إس أو” (NSO Group) وبرنامجها الشهير بيغاسوس، لكن الإشعارات الحالية من آبل لا تتهم شركة بعينها ولا تسمي برنامج تجسس محددا باعتباره المسؤول عن الحملة الأخيرة.
ماذا تفعل آبل لحماية المستهدفين؟
لم تنتظر آبل وصول التحذير إلى المستخدمين فقط، بل طورت مجموعة من الأدوات التي تستهدف تقليل مساحة الهجوم أمام برامج التجسس المتقدمة، وفي مقدمتها “وضع العزل” (Lockdown Mode)، وهو نمط حماية مصمم للمستخدمين الذين قد يتعرضون لهجمات رقمية شديدة التعقيد.
وعند تفعيله، يفرض “وضع العزل” قيودا على بعض الوظائف والاتصالات التي يمكن استغلالها كمدخل إلى الجهاز، ويمكن تشغيله على آيفون من خلال الإعدادات ثم الخصوصية والأمن ثم وضع العزل، وبعد ذلك إعادة تشغيل الجهاز لتفعيل الحماية.
وتوصي آبل الأشخاص الذين تلقوا إشعارا بالتهديد بتفعيل وضع العزل، وتحديث أجهزتهم إلى أحدث إصدار متاح من نظام التشغيل، إضافة إلى طلب مساعدة أمنية متخصصة إذا كانوا بحاجة إلى تقييم أكثر تفصيلا لحالتهم.

لماذا يثير التحذير اهتماما عالميا؟
تكمن أهمية التحذير الجديد في أنه يعكس تحول برامج التجسس التجارية إلى واحدة من أكثر أدوات المراقبة الرقمية تطورا، فالهجوم لم يعد بالضرورة يستهدف ملايين الأجهزة، بل يمكن أن يركز على شخص واحد يرى المهاجم أن هاتفه يحتوي على معلومات أو اتصالات ذات قيمة.
ومنذ بدء برنامج إشعارات التهديد عام 2021، قالت آبل إنها أرسلت تحذيرات عدة مرات سنويا، ووصلت الإشعارات إلى مستخدمين في أكثر من 150 دولة، وترى آبل أن الطبيعة العالمية لهذه الهجمات، إلى جانب ارتفاع كلفتها وتعقيدها، تجعلها من أخطر التهديدات الرقمية التي تواجه الأشخاص المستهدفين.
وتكشف موجة التحذيرات الأخيرة، التي شملت 110 دول، أن المواجهة بين شركات التكنولوجيا ومطوري برامج التجسس أصبحت سباقا مستمرا، فكلما أغلقت الشركات ثغرة أو طورت طبقة حماية جديدة، يبحث المهاجمون عن طرق أخرى للوصول إلى الأجهزة.
وبالنسبة للمستخدم العادي، لا تعني هذه التطورات أن كل جهاز آيفون معرض لخطر التجسس، إذ تؤكد آبل أن هذا النوع من الهجمات نادر وموجه للغاية، لكن وصول إشعار تهديد رسمي من الشركة يمثل حالة مختلفة تماما، ويستوجب التعامل معه بجدية، وتحديث الجهاز، وتفعيل وسائل الحماية المتاحة بدل تجاهل الرسالة.
