ينظر بعض المستخدمين إلى آليات كتابة الأوامر الموجهة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي على أنها المفتاح السحري لاستخراج أقوى ما في الذكاء الاصطناعي وجعله يعمل بأعلى كفاءة ممكنة، وتسبب هذا في ظهور صيحة جديدة تدعى “هندسة الأوامر”، وفيها يقوم المستخدم ببناء الأوامر النصية الموجهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بحرفية عالية لضمان الحصول على أفضل نتيجة.

ولكن، تشير التجارب الأخيرة التي أجرتها مجموعة من خبراء الذكاء الاصطناعي -ومن بينهم أندري كارباثي الذي يُعد أحد رواد الذكاء الاصطناعي والباحثين فيه، وكان له دور كبير في تأسيس شركة “أوبن إيه آي”، وأدار فريق الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية في شركة تسلا- إلى طريقة معاكسة تماما لهندسة الأوامر التقليدية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وتنقض تجربة كارباثي التي شاركها عبر منشور من حسابه في منصة “إكس” فكرة كتابة الأوامر الدقيقة للذكاء الاصطناعي، فبدلا من إمضاء كثير من الوقت في كتابة أمر محكم يتبع العديد من القواعد، يعتمد كارباثي على الوضع الصوتي لنماذج الذكاء الاصطناعي ويسترسل نحو عشر دقائق بشكل غير مرتب، ويترك مهمة تنسيق الأمر وفهمه للنموذج، وذلك لأن النموذج في بعض الأحيان يحتاج إلى تفاصيل أكثر تكون كسولا عن كتابتها.

ولكن هل تنجح هذه الطريقة حقا مع نماذج الذكاء الاصطناعي وتضمن توليد إجابات ذات جودة عالية، أم أن جودة الإجابات الناتجة عن هندسة الأوامر تتفوق عليها؟

الثرثرة تكشف ما تخفيه الأوامر

ولا تُعد تجربة كارباثي الوحيدة من نوعها في هذا القطاع، إذ حاول العديد من المستخدمين والخبراء على حد سواء إعادة تكرارها والثرثرة مباشرة مع نموذج الذكاء الاصطناعي بدلا من كتابة أمر معقد.

وتكشف تجربة موقع “تيك رادار” التقني الأمريكي المنشورة في 15 أغسطس/آب عن نتيجة مماثلة لما وصل إليه كارباثي، إذ إن الثرثرة غير المرتبة مع نماذج الذكاء الاصطناعي تمنحه سياقا قد لا يكون موجودا في النصوص المكتوبة بعناية، ومن ثم قد يوجهك إلى نقطة أو شيء لم تكن تنتبه إليه.

وفي التجربة، تحدث المحرر مع “شات جي بي تي” باستخدام الوضع الصوتي المتقدم عن مجموعة من الأشياء المتنوعة، ليخبره النموذج في النهاية أن ما يبحث عنه هو طريقة لجعل اللحظات العادية أكثر معنى.

ويشير التقرير إلى أن آلية الثرثرة دون تفكير تمنح نماذج الذكاء الاصطناعي القدرة على استنباط معلومات ومساعدتك على فهمها، ومن ثم تتحول إلى أداة مثالية لترتيب الأفكار وتنظيمها بشكل واضح يسهل التعامل معه.

كتابة الأوامر المنمقة والمنسقة قد تغفل بعض النقاط المهمة في سياق حديثك مع الذكاء الاصطناعي (فري بيك)

ويتسق ما يشير إليه تقرير “تيك رادار” مع ما وجده الطبيب المتخصص في الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول رامي عزام، وشاركه في منشور عبر حساب “لينكد إن” الخاص به قبل أكثر من عام في أبريل/نيسان 2025.

ويطلق عزام على هذه الآلية “برومت وافلينغ” في إشارة إلى كلمة بريطانية دارجة تعني الثرثرة الطويلة دون هدف، وهو ما تعتمد عليه هذه الطريقة في توجيه الأوامر للذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه الطريقة من وجهة نظر عزام عن 4 مكاسب رئيسية لا تظهر في كتابة الأوامر الاحترافية وبعناية، هي:

  • الثراء السياقي، وذلك لأن الاسترسال في الحديث مع نماذج الذكاء الاصطناعي يكشف عادة عن دوافع خفية أو مهام ذات صلة لم تكن تعتقد أنه من المهم تضمينها.
  • القصد العاطفي، تساعد النبرة الموجودة في حديثك على نقل مشاعرك واستنتاج مدى إلحاحك وحاجتك إلى نقطة بعينها.
  • تسلسل المهام، ويكشف الاسترسال أيضا عن تسلسل المهام الذي تحتاج إليه، والغرض النهائي للمهمة الذي تسعى إليه، مثل أن تبدأ بالرغبة في إرسال بريد إلكتروني إلى مديرك وتصل في النهاية إلى بناء عرض تقديمي أفضل من إرسال البريد دونه.
  • الكشف عن الأفكار الكامنة، وتُظهر الثرثرة أفكارا كامنة لم تكن تعلم أنك تفكر فيها، ليتحول الذكاء الاصطناعي بذلك إلى مرآة ومحرر في آن واحد.

هل يعني هذا أن الثرثرة أفضل من كتابة الأوامر الاحترافية؟

تعتمد إجابة هذا السؤال بشكل رئيسي على الهدف النهائي للمهمة التي تسعى لتحقيقها، فإن كنت ترغب في الانتهاء من مهمة واضحة مثل كتابة شيفرة برمجية أو تعديل نص ما، فإن هندسة الأوامر تمنحك النتائج الأفضل لأنها ستكون دقيقة ومرتبطة بشكل مباشر بما تحتاج إليه.

وأما إن كنت تسعى لعصف الأفكار مع نماذج الذكاء الاصطناعي واستخدامها مساعدا شخصيا يقدم لك المزيد من الأفكار، فإن الثرثرة المستمرة مع النموذج ستكون أفضل، وذلك لأنها تكشف عن أشياء قد لا تعرفها بنفسك، كما توضح للذكاء الاصطناعي ما تحتاج إليه فعلا وليس ما تظن أنك بحاجة إليه.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل