لا يفتقر دونالد ترمب إلى منابر يتحدث عبرها، من شاشات التلفزيون إلى منصته على وسائل التواصل. لكن منبر البيت الأبيض يبقى موقعا آخر؛ فهناك لا يُطلب من المتحدث الصحفي أن ينقل موقف الإدارة فقط، بل أن يحوّل عواصف الرئيس اليومية إلى رواية مقنِعة، وأن يواجه الأسئلة عما ورد من إدارة الرئيس بالثقة نفسها.
لذلك بدا رحيل كارولين ليفيت أكبر من تغيير إداري عابر؛ فبحسب صحيفة “ذا هيل”، لم يكد خبر تنحي المتحدثة باسم البيت الأبيض يستقر حتى بدأ المراقبون في واشنطن تداول أسماء المرشحين لخلافتها. وتذكّر الصحيفة بأن 4 متحدثين تعاقبوا على المنصب خلال ولاية ترمب الأولى، بينما بقيت ليفيت عاما و7 أشهر قبل أن تعلن رغبتها في التفرغ أكثر لزوجها وطفليها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
منبر شديد الحساسية
في مقال رأي في صحيفة آي بيبر، يصف الكاتب جيمس بول منصب المتحدث الصحفي بأنه أحد أكثر مواقع الإدارة ظهورا بعد الرئيس نفسه؛ فصاحبه يواجه الإعلام أسبوعيا في قضايا تمتد إلى كل ملفات الحكم تقريبا. لكن المهمة في عهد ترمب، كما يقول، تصبح أشد تعقيدا، لأنها لا تتطلب مواجهة أسئلة الصحافة فقط، بل تفادي التناقض مع رئيس يطلق يوميا تصريحات مثيرة للجدل.
فالمتحدث باسم أي رئيس يدافع عادة عن قرارات سياسية، أو يخفف أثر فضيحة، أو يعالج زلة عابرة أمام ميكروفون مفتوح. أما المتحدث تحت ترمب، وفق المقال، فعليه مثلا أن يشرح تصريحاته المثيرة للجدل عن إمكان حقن مواد مطهرة خلال جائحة كورونا، ويدافع عن مزاعمه المتكررة بشأن انتخابات 2020، ويواجه أسئلة عن أعمال عائلته، ويفسر منشوراته على وسائل التواصل بكل ما تحتوي عليه.
ويقول بول إن ترمب، الآتي من عالم تلفزيون الواقع الدراماتيكي، لا يزال يرى السياسة من خلال الشاشة. فهو يتابع فوكس نيوز لساعات، ويتصل أحيانا بمذيعيها أو يراسلهم، ويقيّم أداء أفراد فريقه وهم يظهرون على الهواء. وفي عالمه، لا تكاد توجد خطيئة أكبر من الظهور الضعيف على التلفزيون، إلا مخالفة الرئيس أمام الكاميرا.
ليفيت والفراغ الصعب
وفي هذا الطرح، تبدو ليفيت أكثر من موظفة تغادر منصبا؛ فقد امتلكت ما يريده ترمب في هذا الموقع: حضورا تلفزيونيا سريعا، وثقة حادة، واستعدادا للدفاع عنه في أكثر الملفات إحراجا.
ولذلك أغدق عليها الرئيس مديحا نادرا عند إعلان خروجها، واصفا إياها بأنها من أكثر مساعديه ثقة، ومؤكدا أنها ستبقى من كبار مستشاريه من الخارج وصوتا مؤثرا في الحزب الجمهوري.
ويرى الكاتب أن رحيلها يأتي قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي، في توقيت قد يمنح الديمقراطيين فرصة لتشديد الضغط على إدارة ترمب. وبهذا المعنى، يخسر الرئيس لا وجها إعلاميا بارزا فقط، بل واحدة من أكثر الشخصيات قدرة على حمايته علنا في موسم سياسي صعب.

من يدخل السباق؟
تتوزع الأسماء المطروحة لخلافة ليفيت على 3 دوائر داخل عالم ترمب، بين موظفين يعرفون غرفة الرسائل من الداخل، وحلفاء يجيدون الدفاع الهجومي عن الرئيس، ووجوه قادمة من التلفزيون والحملات الانتخابية.
في الدائرة الأقرب إلى البيت الأبيض، تضع “ذا هيل” آنا كيلي في مقدمة الأسماء الأقرب إلى المنصب، فهي النائبة الرئيسية للمتحدثة باسم البيت الأبيض، وتعرف تفاصيل التعامل اليومي مع الصحافة، كما شغلت سابقا منصب المتحدثة الوطنية باسم اللجنة الوطنية الجمهورية في حملة 2024، وظهرت كثيرا على القنوات المحافظة للدفاع عن سياسات الإدارة.
وتضيف غارديان إلى هذه الدائرة ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، الذي عمل عن قرب مع ليفيت خلال الولاية الثانية، وكذلك تايلور بودوفيتش، نائب كبير موظفي البيت الأبيض السابق، الذي عمل إلى جانب ستيفن ميلر ودان سكافينو قبل انتقاله إلى القطاع الخاص.
الدفاع الهجومي
في دائرة أخرى، تبرز ألينا حبة، محامية ترمب السابقة، بوصفها اسما مطروحا بقوة في تقريري “ذا هيل” وغارديان. فقد دافعت عنه في قضايا بارزة، ثم تولت لفترة قصيرة منصب المدعي العام الفدرالي في نيوجيرسي قبل أن يحكم قاض بعدم قانونية تعيينها. وتقول غارديان إنها من أكثر المدافعين عنه حضورا على المنصات المحافظة، بينما كتبت حبة بعد رحيل ليفيت أن من سيعتلي المنبر بعدها “عليه أن يأتي مستعدا للقتال”.
وتحضر هنا أيضا كاتي ميلر، زوجة ستيفن ميلر، أحد أبرز مهندسي سياسة الهجرة في إدارة ترمب. فقد عملت سابقا في الاتصالات داخل وزارة الأمن الداخلي، وكانت متحدثة باسم مايك بنس، ثم أصبحت مضيفة بودكاست تستضيف مسؤولين بارزين وشخصيات من الإعلام اليميني.
لكن “ذا هيل” تلاحظ أن حياتها العائلية قد تدخل في الحسابات، إذ إن لديها 4 أطفال صغار، في وقت قالت فيه ليفيت إنها تغادر للتفرغ لعائلتها.

التلفزيون والحملة
أما الدائرة الثالثة فتجمع وجوها أقرب إلى الشاشة وماكينة الحملات؛ تورد “ذا هيل” اسم تريشا ماكلولين، المتحدثة السابقة باسم وزارة الأمن الداخلي، التي عملت خلال تصعيد ترمب عمليات إنفاذ قوانين الهجرة بعد عودته إلى البيت الأبيض، وسبق أن أشاد بها الرئيس علنا.
كما يظهر سكوت جينينغز، المعلق المحافظ المعروف على شبكة سي إن إن، والمساعد السابق للرئيس جورج بوش والمستشار السابق لحملات السيناتور ميتش ماكونيل.
وتذكر الصحيفة أيضا جيسون ميلر، وهو مستشار سابق لترمب وأحد وجوه اتصالاته السياسية منذ حملة 2016، والذي عاد إلى البيت الأبيض هذا الصيف للمساعدة في الرسائل الإعلامية قبل انتخابات التجديد النصفي.
هذا ويُطرح اسم روما دارافي، التي عملت نائبة لمدير الاتصالات في ولاية ترمب الأولى، وتشغل حاليا منصبا في العلاقات العامة بمركز كينيدي.
بهذا السباق، لا تبحث إدارة ترمب عن متحدث صحفي يؤدي وظيفة تقليدية؛ فالمنصب يحتاج إلى من يجمع بين معرفة دهاليز الصحافة، وحضور الشاشة، والقدرة على الدفاع القاسي عن رئيس يجعل الولاء معيارا أول، ويقيس السياسة كثيرا بما تتركه على التلفزيون.
