على رفوف محلات الألعاب، وفي حقائب الأطفال وبين ألعابهم، تنتشر كتل صغيرة طرية وملونة، لا تصدر صوتا ولا تتحرك، ولا تفعل أكثر من الانبعاج عند الضغط عليها ثم استعادة شكلها الأصلي. ومع ذلك، تحولت هذه القطع المطاطية الصغيرة إلى واحدة من أكثر ألعاب الأطفال طلبا حول العالم، في ظاهرة أربكت كثيرا من الآباء الذين لا يفهمون سر هذا الهوس.
تعد “السكويشي” أحدث الصيحات في عالم ألعاب الأطفال، ويجمعها الأطفال بشغف لا يعرف حدودا، حتى إن مخزون اللعبة الذي أنتجته إحدى الشركات لعام كامل نفد خلال الأسابيع التسعة الأولى من العام، وذلك وفقا لتصريحات رئيس شركة “شيلينغ” المنتجة للعبة “نيدوه”، إحدى أشهر ألعاب السكويشي.
اسم واحد لألعاب مختلفة
تندرج تحت مسمى “سكويشي” مجموعة متنوعة من الألعاب تختلف من حيث المادة، والملمس، ومدى الاستجابة للضغط. أشهرها السكويشي الإسفنجي بطيء الارتداد، ويُصنع من رغوة البولي يوريثان، فينكمش عند الضغط عليه ثم يستعيد حجمه ببطء. وهناك أيضا كرات الضغط ذات القشرة المرنة، وتتكون من غلاف مطاطي مرن وحشوة هلامية. وتندرج ضمن هذه الفئة أيضا “صناديق الألغاز” أو “البلايند بوكس”، التي تُباع فيها اللعبة داخل عبوة مغلقة، بحيث لا يعرف الطفل محتواها إلا بعد فتحها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
لماذا لا يمل الطفل من الضغط؟
تكمن جاذبية “السكويشي” في الإيقاع الحسي الذي يصنعه تتابع الضغط، والذي تشير بعض الدراسات إلى أنه قد يساعد الأطفال على تهدئة الحركة الزائدة، حيث يمنحهم الضغط المتكرر على مادة طرية تغذية راجعة حسية مهدئة تساعد على تنظيم الجهاز العصبي، وتمكن الطفل من تفريغ طاقته العصبية الزائدة عبر حركة يده.
وعلى الرغم من وجود خبرات علاجية وأدلة محدودة حول فوائد أدوات التململ بشكل عام، مثل السكويشي والفيدجت وغيرها، فإن أثرها ليس مضمونا. ففي حين أشارت بعض الدراسات إلى تحسن في الأداء عند استخدام الأطفال لها، سجلت دراسات أخرى تراجعا في الأداء الأكاديمي أثناء استخدامها. وهو ما يشير إلى أنها قد تفيد بعض الأطفال، لكنها لا يمكن اعتبارها علاجا للقلق أو فرط الحركة، أو وسيلة مضمونة لتحسين التركيز.

من وسيلة تهدئة إلى ترند
منذ بداية ظهورها استخدمت أدوات التململ أو الفيدجت” في أوساط متخصصة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في المعالجة الحسية على تنظيم انتباههم، لكن لاحقا انتقلت هذه الأدوات من هذا السياق لتتحول إلى لعبة جماهيرية، تسوق باعتبارها أداة لتخفيف التوتر بصرف النظر عن كون الطفل الذي يستخدمها يعاني من صعوبات في التركيز أم لا.
ولا يمكن فهم الانتشار الواسع لهذه الألعاب إلا مع تأمل مقاطع الفيديو القصيرة المنتشرة عنها، خاصة المقاطع المعروفة باسم “أسمار” ASMR أو استجابة خط الزوال الحسية الذاتية، حيث ترتبط مشاهدة هذه المقاطع بحالة من الاسترخاء. تظهر ألعاب السكويشي في هذه المقاطع مع تضخيم صوت الضغط عليها وفرقعتها، وتُقدَّم لقطات بطيئة للحظة استعادتها شكلها الأصلي، مما يحفز هذا الشعور بالاسترخاء والهدوء. إضافة إلى ذلك، تنتشر مقاطع أخرى تُظهر فتح “البلايند بوكس” أو الصندوق الغامض، والاحتفال بالحصول على الألوان النادرة من اللعبة وكأنها غنيمة في سوق قائم على الندرة المصطنعة.
ووفقا لدراسة حللت نحو 100 مقطع فيديو لفتح عبوات الألعاب، فإن هذا النوع من المحتوى يمزج بين اللعب والترويج، ولا يكتفي الأطفال بمشاهدته، بل يسعون إلى تقليده.
ونظرا لقصر مدة هذه المقاطع، يتاح للطفل مشاهدة عشرات الأشكال والألوان في دقائق قليلة، فينشأ لديه إحساس بالرغبة في اقتنائها والتفاخر بها بين أقرانه، حيث تحولت إلى ما يشبه عملة اجتماعية، أو رمزا للمكانة يتيح له فتح أحاديث مشتركة، وأداة للانتماء إلى المجموعة، خاصة مع زيادة الفجوة بين العرض والطلب، مما أدى إلى ظهور سوق سوداء لهذه الألعاب، تُباع فيها بأسعار مضاعفة عبر الإنترنت.
لماذا يكرهها الآباء؟
على الرغم من كونها تبدو في ظاهرها لعبة بسيطة ولا تسبب ضررا، فقد أبدى العديد من الأهل انزعاجا شديدا منها. ولعل أخطر ما يتعلق بألعاب”السكويشي” هو مقاطع الفيديو التي تشجع على تسخينها في الميكروويف لجعلها أكثر ليونة، وهو ما حذر منه مسؤولون في نيويورك في يوليو/تموز 2026 عقب إصابة عدد من الأطفال بحروق خطيرة نتيجة تطبيق هذه الحيلة.
كما ظهرت العديد من النسخ المقلدة، التي تحتوي على حشوات ومواد غير آمنة للأطفال، مثل ألياف التريموليت، والأسبستوس، وتركيزات زائدة من مادة البنزين المسرطنة، وصلت إلى أربعة أضعاف الحد القانوني المسموح به.

هل تمنعها أم تضع لها حدودا؟ دليل عملي للوالدين
مثل كل الأمور، يبدو التوازن هو الحل المثالي، وبين المنع الكامل والانسياق الأعمى خلف الترندات، يمكنك اتباع مجموعة من القواعد البسيطة:
- احرص على شراء المنتجات من المتاجر الموثوقة لتجنب المواد الضارة.
- ضع قاعدة صريحة بشأن منع تعريض القطع للحرارة أو التجميد.
- إذا كان طفلك يعاني من صعوبة حقيقية في التركيز، فاستشر معالجا وظيفيا بشأن مدى فائدتها له.
- أما إذا كان الدافع هو مجاراة الأقران وجمع مختلف ألوانها، فأنت تحتاج في هذه الحالة إلى حديث مطول معه بشأن إدارة الاستهلاك.
- ضع حدودا زمنية للمحتوى الذي يشاهده الطفل على الشاشة، فمشاهدة المحتوى الخاص بهذه اللعبة تزيد من شعوره بالحاجة إلى المزيد.
- افحص الألعاب بشكل دوري، وتخلص منها إذا ظهر فيها شق أو انتفاخ أو تسرب، أو تغيرت رائحتها.
- لا تمنح هذه الألعاب لطفل يقل عمره عن ثلاث سنوات، لتجنب خطر وضعها في فمه.
- حدد ميزانية وعددا أقصى من القطع لشرائها.
على الرغم من كونها ليست حلا سحريا للتشتت أو التوتر، فهي أيضا ليست عدوا لطفلك. فالسكويشي مجرد لعبة بسيطة حولتها وسائل التواصل الاجتماعي إلى ترند، ولا ضرر من شرائها بشرط ألا يتحول اقتناؤها إلى هوس لا ينتهي.
