بعد سنوات طويلة كانت فيها المؤسسات الصحفية تتجنب أي تقارب مع صناع القرار خشية المساس باستقلاليتها، بدأت الصحافة المحلية في الولايات المتحدة تنظر إلى السياسة العامة بوصفها جزءا من الحل لأزمتها الاقتصادية، لا تهديدا لها.
ولم يعد السؤال المطروح داخل القطاع: هل ينبغي للحكومات أن تتدخل لدعم الأخبار المحلية؟ بل أصبح: ما نوع التدخل القادر على إنقاذ الصحافة دون التأثير في استقلالها؟
هذا التحول يرصده مات بيرس، مدير السياسات في منظمة ريبيلد لوكال نيوز (Rebuild Local News)، الذي يرى أن قطاع الإعلام المحلي دخل مرحلة جديدة، انتقل فيها من رفض الضغط السياسي إلى محاولة التأثير في التشريعات التي قد توفر له مصادر تمويل مستدامة.
ويشير بيرس، الذي عمل سنوات صحفيا في لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times) قبل أن يقود نقابة الصحفيين في غرب الولايات المتحدة، إلى أن الصحفيين اعتادوا التعامل مع الأخبار والسياسة من موقع المراقب، لكنهم وجدوا أنفسهم اليوم مضطرين إلى تعلم لغة التشريع والميزانيات والضرائب، لأن مستقبل مؤسساتهم بات مرتبطا بقرارات تصدرها البرلمانات المحلية.
زخم تشريعي غير مسبوق
ويأتي هذا التحول في وقت تتوسع فيه المبادرات التشريعية الداعمة للصحافة المحلية في الولايات المتحدة؛ فبحسب بيرس، طرحت 21 ولاية وإقليماً أمريكياً مشاريع قوانين لدعم الإعلام المحلي، تتنوع بين تخصيص جزء من الإعلانات الحكومية للمؤسسات المحلية، ومنح إعفاءات ضريبية لتوظيف الصحفيين، وتمويل برامج تدريب وزمالات صحفية، إضافة إلى حوافز ضريبية للشركات الصغيرة التي تعلن في وسائل الإعلام المحلية.
ويؤكد أن هذه المبادرات لم تعد مجرد أفكار نظرية، إذ بدأت بعض المؤسسات بالفعل في الاستفادة من الأموال التي أتاحتها التشريعات الجديدة، بينما خصصت منظمات مثل برس فوروورد (Press Forward) وشبكة الأخبار الاستقصائية (Investigative News Network) وليون بابليشرز (LION Publishers) موارد إضافية لدعم العمل على السياسات العامة الخاصة بالإعلام المحلي.
لماذا يهتم المشرعون؟
يرى بيرس أن المشرعين المحليين يدركون أكثر من غيرهم أهمية الصحافة المحلية، لأنهم يعتمدون عليها يوميا في معرفة ما يحدث داخل دوائرهم الانتخابية.
فالصحافة المحلية، بحسب قوله، لا تنقل الأخبار فقط، بل تساعد النواب على اكتشاف المشكلات العامة، ورصد احتياجات المواطنين، وحتى توليد أفكار لمشروعات القوانين.
كما يلاحظ السياسيون تراجع عدد الصحفيين الذين يحضرون المؤتمرات أو يطرحون الأسئلة أو يغطون أعمال المجالس المحلية، وهو ما يجعلهم أكثر إدراكا لخطورة تراجع الإعلام المحلي.
ويضيف أن الدراسات الاقتصادية بدأت تقدم للمشرعين حججا إضافية، بعدما أثبتت أن غياب الصحافة المحلية يرفع تكاليف الاقتراض على الحكومات المحلية ويضعف الرقابة على الإنفاق العام، ما يحول دعم الإعلام من قضية ثقافية إلى قضية اقتصادية أيضا.

الإعلانات الحكومية… أموال موجودة بالفعل
ومن أكثر السياسات التي تدافع عنها منظمة “ريبيلد لوكال نيوز” إعادة توجيه جزء من ميزانيات الإعلانات الحكومية إلى وسائل الإعلام المحلية.
ويشرح بيرس أن الحكومات المحلية تنفق بالفعل ملايين الدولارات سنويا على حملات التوعية والإعلانات العامة، لكن جزءا كبيرا منها يذهب إلى منصات التكنولوجيا الكبرى أو القنوات الوطنية، بدلا من المؤسسات الإعلامية الموجودة داخل الولاية.
وتعد مدينة نيويورك من أبرز الأمثلة، إذ أدى برنامج آد بوست (Ad Boost) إلى توجيه أكثر من 70 مليون دولار من الإعلانات الحكومية إلى وسائل الإعلام المحلية بعد قرار يلزم الهيئات الحكومية بإنفاق ما لا يقل عن نصف ميزانياتها الإعلانية داخل المجتمع المحلي.
لكن المنظمة تدرك أن فرض نسب إلزامية يواجه مقاومة من السلطات التنفيذية، لذلك بدأت بالدفع نحو خطوة أولى تتمثل في إلزام الولايات بالكشف عن كيفية إنفاق ميزانيات الإعلانات الحكومية.
وقد تبنت ولايات مثل كاليفورنيا ومينيسوتا وإلينوي وكولورادو وكونيتيكت هذه السياسة، مما أتاح للمرة الأولى بيانات دقيقة حول توزيع الإنفاق الإعلاني.
وأظهرت البيانات الأولية في مينيسوتا أن أقل من 30% من ميزانيات الإعلانات الحكومية تذهب إلى وسائل الإعلام المحلية داخل الولاية، بينما يذهب الباقي إلى جهات خارجية أو منصات رقمية، وهو ما وفر أساسا جديدا للمطالبة بإعادة توزيع هذه الأموال.

دعم توظيف الصحفيين
وتتمثل السياسة الثانية في منح إعفاءات ضريبية أو دعم مباشر لتوظيف الصحفيين، ويصف بيرس هذا النموذج بأنه من أكثر السياسات وضوحا بالنسبة للمشرعين، لأن فكرته بسيطة: إذا كانت المشكلة هي نقص الصحفيين، فإن تخفيض تكلفة توظيفهم سيزيد إنتاج الأخبار المحلية.
ويشير إلى تجربة ولاية إلينوي، التي أظهرت بياناتها أن أكثر من نصف الأموال ذهبت إلى مؤسسات خارج مدينة شيكاغو، بينما استفادت بصورة أساسية المؤسسات الصغيرة التي يعمل فيها ستة صحفيين أو أقل.
وبناء على هذه النتائج، تقترح المنظمة حاليا منح مزايا أكبر لأول خمسة صحفيين في كل مؤسسة، حتى تحصل غرف الأخبار الصغيرة على دعم أكبر، إلى جانب تقديم حوافز إضافية لتعيين صحفيين جدد بدلا من الاكتفاء بالحفاظ على الوظائف القائمة.
البحث عن توافق سياسي
ورغم أن أغلب المبادرات انطلقت من ولايات يقودها الديمقراطيون، فإن بيرس يؤكد وجود اهتمام متزايد من مشرعين جمهوريين، خاصة بالمبادرات التي تمنح الشركات الصغيرة إعفاءات ضريبية مقابل الإعلان في وسائل الإعلام المحلية.
ويرى أن نجاح أي سياسة يتطلب توافقا بين الحزبين، لأن القوانين المرتبطة بالإعلام تحتاج إلى الاستمرار لسنوات، ولا يمكن أن تبقى رهينة تغير الأغلبية السياسية.
وفي المقابل، أظهرت بعض التجارب أن الطريق ليس سهلا، فقد استخدم حاكم ولاية ماريلاند ويس مور حق النقض ضد مشروع قانون كان سيلزم الهيئات الحكومية بتخصيص 50% من ميزانيات الإعلانات لوسائل الإعلام المحلية، رغم حصوله على دعم واسع داخل البرلمان.
ويرى بيرس أن الخلافات لم تكن حول مبدأ دعم الإعلام، بل حول تفاصيل التنفيذ، مؤكدا أن الحوار مع الحكومات لا يزال مستمرا لتطوير نماذج أكثر قبولا.

الذكاء الاصطناعي يغير الأولويات
ولا يقتصر اهتمام المنظمة على التمويل التقليدي، إذ يشير بيرس إلى أن النقاشات حول كشط المحتوى بواسطة الذكاء الاصطناعي أصبحت تحتل موقعا متقدما في أجندة السياسات الإعلامية.
فمع اعتماد روبوتات الذكاء الاصطناعي على إعادة استخدام الأخبار لإنتاج ملخصات وإجابات دون مقابل للناشرين، يرى أن القطاع يقترب من توافق غير مسبوق على ضرورة وضع إطار قانوني يحمي المحتوى الصحفي، سواء عبر تراخيص جماعية أو نظم لإدارة الحقوق أو تعديلات في قوانين الملكية الفكرية.
ويعتقد أن هذا الملف قد يصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم محاور السياسات الإعلامية، لأنه يجمع بين مصالح المؤسسات الإعلامية الكبيرة والصغيرة، التي أصبحت جميعها تواجه التحدي نفسه.
من مقاومة التدخل إلى المطالبة به
ويخلص بيرس إلى أن أكبر تغير شهده خلال السنوات الأخيرة ليس في القوانين، بل في طريقة تفكير الصحفيين أنفسهم، ففي عام 2022، كانت فكرة الحصول على دعم حكومي تثير مخاوف واسعة بشأن استقلال الصحافة، أما اليوم فقد أصبحت الأزمة الاقتصادية الحادة تدفع عددا متزايدا من العاملين في القطاع إلى البحث عن تدخلات عامة مصممة بعناية، تمنع التأثير السياسي وتحافظ في الوقت نفسه على بقاء المؤسسات الإعلامية.
ويؤكد أن هذه السياسات ما تزال في جيلها الأول، وأنها ستتطور تدريجيا مع تراكم البيانات والخبرات، فلا يوجد، برأيه، حل واحد قادر على إنقاذ الصحافة المحلية، بل مجموعة من السياسات المتكاملة التي تتعامل مع التمويل والإعلانات والتوظيف والذكاء الاصطناعي وحقوق النشر في آن واحد.
ويرى أن النجاح لن يعتمد على حجم الأموال فقط، بل على قدرة القطاع الإعلامي على تعلم قواعد اللعبة السياسية، وبناء تحالفات واسعة مع المشرعين وصناع القرار، حتى تصبح الصحافة المحلية جزءا من النقاش العام حول التنمية والاقتصاد، لا مجرد قطاع يطالب بالمساعدة.
