لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد إضافة إلى ترسانة الجيوش، بل أصبحت محركا لتحولات عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، بعدما أتاحت لدول أقل قوة وجماعات مسلحة استهداف مواقع إستراتيجية.
وخلال السنوات القليلة الماضية، أحدثت المسيّرات إرباكا لمنظومات دفاعية متطورة بكلفة منخفضة نسبيا، وفرضت معادلات جديدة في موازين القوى واقتصاديات الصراع.
وناقش برنامج “محاولة فهم” الذي بث مساء الأربعاء على شاشة الجزيرة، تطور المسيّرات وتأثيرها في ميادين القتال، وكلفة استخدامها والتصدي لها، فضلا عن التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي بشأن استقلالية القرار العسكري والمسؤولية القانونية عن القتل.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وتعود جذور الاستخدام العسكري للمسيّرات إلى مراحل مبكرة من تاريخ الحروب، لكنها شهدت تحولات متسارعة مع تطور التكنولوجيا والبرمجيات، وانتقلت من مهام الاستطلاع وجمع المعلومات إلى تحديد الأهداف وتنفيذ الهجمات المباشرة.
وفي هذا الصدد، تقول أستاذة اقتصاديات الدفاع والطاقة نسيمة أوهاب العثامنة إن استخدام المسيّرات لاستهداف الأشخاص تطور بصورة ملحوظة بعد هجمات سبتمبر/أيلول 2001، فيما شهد إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إليها توسعا كبيرا منذ عام 2018، ما أتاح لها معالجة البيانات ومواصلة مهامها حتى عند انقطاع الاتصال بمشغلها.
وحذرت من أن هذه القدرات تثير تساؤلات بشأن المسؤولية عن القتل، خصوصا عندما تعتمد المسيّرة على بيانات مخزنة مسبقا لاتخاذ قرارات تشغيلية بصورة مستقلة.
من جانبه، استعرض أستاذ الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد الدوحة عمر عاشور محطات تاريخية في تطور المسيّرات، مشيرا إلى استخدامها في كشف مواقع الدفاعات الجوية خلال حرب لبنان عام 1982، قبل أن تنتشر تقنياتها لدى أطراف غير حكومية.
وقال عاشور إن تنظيم الدولة الإسلامية استخدم مسيّرات تجارية صينية الصنع بعد تعديلها لحمل الذخائر وإلقائها على الأهداف، بما يعكس انتقال التكنولوجيا من احتكار الدول إلى نطاق أوسع من المستخدمين. وأضاف أن سهولة الحصول على المعدات التجارية وتعديلها جعلت بعض الجماعات المسلحة قادرة على تطوير قدرات هجومية لا تتطلب امتلاك صناعات عسكرية متقدمة.
صناعة تتجاوز احتكار الدول الكبرى
ولم تعد صناعة المسيّرات مقتصرة على الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ دخلت دول مثل تركيا والصين وروسيا وأوكرانيا وإيران هذا المجال، وطورت نماذج تختلف في أحجامها ومداها ووظائفها.
ويقول أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الأمنية هاني البسوس إن الولايات المتحدة كانت من الدول الرائدة في تطوير المسيّرات، وإن استخدامها في حرب فيتنام شكل محطة مهمة في توظيفها للاستطلاع ورصد الأهداف وقصفها. وأضاف أن إسرائيل طورت لاحقا تقنيات خاصة بها، قبل أن تتبادل واشنطن وتل أبيب الخبرات والتكنولوجيا.
وأشار البسوس إلى أن تركيا بدأت تطوير نماذج محلية منذ عام 2005، في حين أسهم انتشار التكنولوجيا في تسريع الإنتاج وتوسيع نطاق الاستخدامات العسكرية والمدنية.
وتتراوح المسيّرات، بحسب المشاركين في الحلقة، بين أجهزة صغيرة يمكن تعديلها لحمل متفجرات، وأخرى أكبر وأكثر تطورا تنفذ مهام إستراتيجية، مما يجعلها سلاحا متعدد الاستخدامات يصعب التعامل معه بوسيلة دفاعية واحدة.
معادلة التكلفة.. سلاح رخيص ودفاع باهظ
ويمثل التفاوت بين تكلفة المسيّرات وكلفة التصدي لها أحد أبرز التحديات أمام الجيوش الحديثة. وقالت نسيمة أوهاب العثامنة إن أسعار هذه الطائرات تختلف باختلاف حجمها ومهمتها، إذ قد تصل تكلفة الأنواع الكبيرة إلى نحو مليون دولار، فيما تتراوح أسعار أنواع أخرى بين 10 آلاف و80 ألف دولار، بينما يمكن شراء مسيّرات تجارية صغيرة بنحو 500 دولار ثم تعديلها للاستخدام العسكري.
وأضافت أن أوكرانيا توسعت في إنتاج المسيّرات، مشيرة إلى أن إنتاجها بلغ، وفقا للأرقام التي عرضتها في الحلقة، نحو مليون مسيّرة خلال عام 2025.
في المقابل، أوضح عمر عاشور أن التصدي لمسيّرة تتراوح تكلفتها بين 25 ألفا و50 ألف دولار باستخدام صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت باك-3، تبلغ تكلفته نحو أربعة ملايين دولار، يكشف اختلالا واضحا في معادلة التكلفة.
وأشار إلى أن أوكرانيا طورت وسائل أقل تكلفة، تعتمد على مسيّرات اعتراضية يتراوح سعرها بين ألف و5 آلاف دولار، لمواجهة المسيّرات الهجومية دون استنزاف مخزون الصواريخ المتقدمة.
لكن هذه الوسائل لا توفر حماية شاملة، لأنها لا تستطيع التعامل مع جميع أنواع الصواريخ، الأمر الذي يفرض الجمع بين أنظمة دفاعية مختلفة.

الإغراق والاستنزاف.. كيف تربك المسيرات الدفاعات؟
ولا يقتصر تأثير المسيّرات على إصابة الأهداف، بل يشمل استنزاف الذخائر الاعتراضية وإرباك الرادارات وفتح المجال أمام هجمات لاحقة أكثر تدميرا.
وأوضح عاشور أن الهجمات الحديثة قد تجمع بين المسيّرات والأهداف الخداعية وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، بهدف إجبار منظومات الدفاع على التعامل مع تهديدات متعددة خلال وقت محدود. وضرب مثالا باستهداف منشأة حيوية ثابتة، مثل محطة تحلية مياه، بعشرات المسيّرات بالتزامن مع إطلاق صواريخ نحو مواقع أخرى، مما يضع المدافع أمام خيارات صعبة في ظل محدودية الذخائر والوقت.
من جانبه، قال هاني البسوس إن الهجمات الكثيفة قد تستنزف القدرات الدفاعية وتكشف ثغرات تسمح بمرور موجات هجومية أخرى، مؤكدا أن السلاح منخفض التكلفة أصبح قادرا على فرض أعباء كبيرة على جيوش تمتلك منظومات متطورة وباهظة الثمن.
الخليج.. أضرار تتجاوز ساحة المعركة
ويمتد تأثير المسيّرات إلى الاقتصاد العالمي عندما تستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية في مناطق إستراتيجية، مثل الخليج. وقالت نسيمة أوهاب العثامنة إن استهداف المنشآت النفطية والغازية والممرات البحرية يمكن أن يؤدي إلى اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة، وارتفاع الأسعار، وزيادة الضغوط التضخمية، فضلا عن تكاليف إصلاح الأضرار وإعادة تشغيل المنشآت.
وأضافت أن الدول المتضررة قد تضطر إلى شراء منظومات دفاعية وذخائر جديدة بمليارات الدولارات، في عملية تستغرق وقتا وتزيد أعباء الحروب الطويلة. ورأت أن هذا التحول يعكس انتقال الصراعات من المواجهة العسكرية المباشرة إلى حروب استنزاف يسعى فيها كل طرف إلى توسيع نطاق الضرر ورفع كلفة استمرار المواجهة على خصمه.
الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن القتل
ويثير تطور الذكاء الاصطناعي في المسيّرات تساؤلات بشأن مدى استقلالية قرارات الاستهداف وحدود التدخل البشري. وأوضح عمر عاشور أن بعض الأنظمة تعمل تحت إشراف بشري مباشر، بينما تسمح أنظمة أخرى للمشغل بمراقبة قرارات المسيّرة والتدخل عند الضرورة، في حين يثير منحها استقلالية أكبر مخاوف متعلقة بالقدرة على التحكم في استخدام القوة المميتة.
وأشار إلى أن المسيّرات قد تعيد تقييم الأهداف وتغيير مسارها خلال ثوان، استنادا إلى البيانات والصور التي تجمعها أو تخزنها، مما يزيد تعقيد عملية اتخاذ القرار العسكري.
من جهته، أكد هاني البسوس أن المسؤولية القانونية لا تسقط بمجرد إدخال الذكاء الاصطناعي، لأن البشر يظلون أطرافا في تصنيع المسيّرات وبرمجتها وتحديد أهدافها وتشغيلها. وشدد على ضرورة وضع قواعد واتفاقيات دولية تحدد المسؤوليات والضوابط المتعلقة باستخدام هذه الأسلحة، خصوصا مع سهولة وصول جماعات مسلحة إلى بعض أنواعها وتعديلها لأغراض عسكرية.
