في عام 1959، لم يكن عالم الفلك الأمريكي ستيوارت شاربليس يتخيل على الأرجح أن قائمته العلمية للسدم ستتحول بعد نحو 7 عقود إلى واحد من أصعب سباقات التحمل بين مصوري السماء.
ففي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اختارت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لصورة اليوم الفلكية لوحة للمصور الفلكي بينغ شين تجمع كتالوج شاربليس (Sharpless Catalog) كاملا، بعد مشروع تصوير امتد إلى نحو 800 ساعة، تنقل خلاله المصور بين سماء شرقي الصين ومنغوليا الداخلية بحثا عن الظلام اللازم لالتقاط أجرام شديدة الخفوت.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وتكمن قيمة الصورة في أنها ليست لقطة واحدة ولا حصيلة ليلة موفقة، بل تجميع لـ313 جرما، احتاج كل منها إلى ما بين ساعتين و6 ساعات من التعريض، مستخدما مرشحات ضيقة النطاق تلتقط خصوصا إشعاع الهيدروجين المتأين والأكسجين، إلى جانب مرشحات الأحمر والأخضر والأزرق.
والنتيجة أشبه بأرشيف مصور لجزء مهم من مناطق ولادة النجوم في مجرتنا، يجمع في لوحة واحدة سدما شهيرة مثل النسر Sh2-49 والقلب Sh2-190 والجبار Sh2-281، إلى جانب أجرام خافتة قلما تحظى بالتصوير.
وهنا تصبح العبارة القديمة “من طلب العلا سهر الليالي” وصفا حرفيا تقريبا لهذا النوع من التصوير، إذ لا يختبر المشروع جودة المعدات فقط، بل قدرة صاحبه على الاستمرار ليلة بعد أخرى وموسما بعد موسم.
وتشير ناسا إلى أن الكتالوج، رغم ارتباط اسمه بمناطق الهيدروجين المتأين، لا يضم نوعا واحدا من الأجرام؛ فمن بين أرقامه سديم ميدوسا الكوكبي Sh2-274، وبقايا المستعر الأعظم المعروفة بسديم السباغيتي Sh2-240.
لذلك فإن مشاهدة الأجرام الـ313 معا تقدم للقارئ أكثر من معرض للصور الجميلة، إذ تكشف تنوع البيئات الغازية وبقايا النجوم في مجرة درب التبانة.

ولا يوجد حتى الآن سجل عالمي مركزي يسمح بالجزم بعدد الأشخاص الذين أنجزوا تصوير كتالوج شاربليس كاملا بصورة فردية منذ ظهوره، لكن السجلات والمواقع المتخصصة تكشف أن الإنجاز ظل نادرا، وأن عددا محدودا من المصورين والمشروعات استطاع الوصول إلى نهاية القائمة.
من بين هؤلاء المصور الفلكي دين سلمان، الذي بدأ تصوير السماء في سبعينيات القرن الماضي، ومجموعات كاملة موثقة على منصة أستروبن (AstroBin)، إلى جانب المصور الفلكي غاري إيم، والمصور نيك لارج الذي أعلن في 2025 إكمال الأجرام الـ313، وصولا إلى مشروع بينغ شين الذي أعادت ناسا تسليط الضوء عليه في 2026.
من 142 سديما على ألواح التصوير إلى خريطة من 313 جرما
بدأت قصة الكتالوج قبل عصر الحساسات الرقمية بعقود، ففي عام 1953 نشر عالم الفلك الأمريكي ستيوارت شاربليس أول قائمة له للسدم الانبعاثية القريبة من مستوى مجرة درب التبانة، وضمت 142 جرما. واعتمد العمل على ألواح فوتوغرافية التُقطت باستخدام تلسكوب شميدت ذي المرآة البالغ قطرها نحو 1.2 متر في مرصد بالومار، وهي تقنية كانت في ذلك الزمن من أفضل الوسائل المتاحة لمسح مساحات واسعة من السماء.
وبعد انتقال شاربليس إلى محطة فلاغستاف التابعة للمرصد البحري الأمريكي، واصل دراسة مناطق الهيدروجين المتأين مستفيدا من مسح بالومار للسماء. وفي عام 1959 نشر النسخة الثانية والأشهر من الكتالوج في ملحق مجلة الفيزياء الفلكية، وهي القائمة التي تعرف اليوم بالرمز Sh2، وتضم قاعدة فيزي آر (VizieR) الحديثة 313 سجلا لها.
وقد سجل شاربليس مواقع الأجرام وأقطارها الزاوية، وصنف أشكالها وبنيتها وسطوعها، وعدد النجوم المرتبطة بها، محولا صور الألواح الزجاجية إلى خريطة منظمة لمناطق واسعة من الغاز المتوهج في درب التبانة.

ومناطق الهيدروجين المتأين (H II Regions) هي سحب ضخمة من الغاز توجد غالبا حول نجوم فتية شديدة الحرارة. تطلق هذه النجوم كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية، فتنتزع الإلكترونات من ذرات الهيدروجين المحيطة بها وتجعل الغاز يتوهج.
ولهذا ترتبط هذه المناطق عادة بحضانات النجوم، وقد تمتد بعض السحب على عشرات أو مئات السنين الضوئية وتنتج أعدادا كبيرة من النجوم عبر ملايين السنين. ومع مرور الزمن تعيد الرياح النجمية القوية وانفجارات المستعرات العظمى تشكيل هذه السحب وتبديدها.
لكن الوصول من قائمة شاربليس الورقية إلى تصوير كل أجرامها لم يكن أمرا يسيرا. فكثير من أهداف الكتالوج أخفت من أن تظهر بوضوح في معدات الهواة التقليدية، وبعضها كبير جدا في السماء وبعضها منخفض السطوع السطحي إلى درجة تجعل التقاطه تحديا حقيقيا.

المصور الفلكي دين سلمان، الذي أنشأ موقعا مخصصا لصور كتالوج شاربليس، يروي أنه عندما بدأ تصوير السماء في أوائل سبعينيات القرن الماضي كانت هذه الأجرام أضعف من أن تظهر على الأفلام التي يستخدمها.
ثم جاء التحول الكبير مع كاميرات الأجهزة المقترنة بالشحنة (CCD)، التي تجاوزت حساسية الأفلام، ثم مع مرشحات الهيدروجين-ألفا التي عزلت أطوالا موجية محددة ورفعت التباين بين السديم والسماء.
ومنذ ذلك الوقت انتقلت مطاردة شاربليس من حدود الفيلم الكيميائي إلى عصر تستطيع فيه الكاميرا الرقمية تجميع فوتونات جرم خافت على مدى ساعات ثم دمج عشرات اللقطات حاسوبيا.
705 ساعة ثم 800.. حين تصبح الصورة مشروعا لسنوات
هذا التطور التقني لم يلغِ عامل الصبر، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلن المصور الفلكي نيك لارج إتمام تصوير الأجرام الـ313 في مشروع بلغ مجموع زمن تعريضه نحو 705 ساعات، بمتوسط يقارب 4 ساعات و25 دقيقة للهدف الواحد.
وكان قد أنجز قبل ذلك كتالوج ميسييه، المؤلف من 110 أجرام، في عام 2023 بإجمالي 178 ساعة، ثم كتالوج كالدويل، المؤلف من 109 أجرام، في عام 2024 بإجمالي 135 ساعة.
واستخدم في مشروع شاربليس كاميرات رقمية معدلة للتصوير الفلكي، وتلسكوبا صغيرا واسع المجال وعدسة تصوير، مع مرشح ضيق متعدد النطاقات يسمح بعزل إشعاعات الهيدروجين-بيتا والأكسجين المتأين والهيدروجين-ألفا والكبريت المتأين، ثم جرى تكديس الصور ومعالجتها رقميا باستخدام برنامج بكسل سايت.
وقد وصف لارج إكمال شاربليس بأنه محطة كبيرة تطلبت قدرا كبيرا من الدافع والمثابرة، وهي كلمات تلخص ما لا تظهره اللوحة النهائية.. ليالٍ ضائعة بسبب السحب والقمر والرياح، وانتظار عودة بعض الأجرام إلى موسم الرصد التالي.
وفي العام نفسه قدم المصور الفلكي غاري إيم مشروعا آخر يوثق الكتالوج كاملا، وحوّله إلى كتاب من 156 صفحة يضم صورا عالية الدقة للأجرام الـ313 ومعلومات عن أنواعها ومسافاتها وأحجامها ودرجة صعوبة تصويرها.

وتفيد منصة قناة التصوير الفلكي (The Astro Imaging Channel) بأن إيم راكم نحو 12 ألف ساعة من التصوير الفلكي وصور قرابة 2500 جرم من أجرام السماء العميقة.
كما توجد على أستروبن مجموعة مخصصة لشاربليس تضم آلاف الصور ومئات المساهمين، وتشير إلى مجموعة فردية مكتملة منذ عام 2021، وهو ما يؤكد أن مشروع بينغ شين ليس أول إكمال معروف للقائمة، لكنه أحد أحدثها وأكثرها بروزا بعد وصوله إلى جمهور ناسا.
أما بينغ شين فدفع الفكرة إلى لوحة شاملة عرضتها ناسا في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ووفقا للوكالة، قطع المصور مسافات بين مواقع مظلمة في شرقي الصين ومنغوليا الداخلية، وخصص لكل جرم بين ساعتين و6 ساعات، ليقترب إجمالي العمل من 800 ساعة، واستخدم مرشحات ضيقة النطاق تركز على ضوء الهيدروجين والأكسجين، إضافة إلى مرشحات الألوان الأساسية.
وبين ألواح بالومار الفوتوغرافية في خمسينيات القرن العشرين، وكاميرات سي سي دي ثم الحساسات الرقمية الحديثة والمرشحات التي لا تمرر إلا نطاقات ضيقة جدا من الضوء، تغيرت أدوات التصوير جذريا، لكن العنصر الذي لم يتغير هو الوقت.

فالتكنولوجيا تستطيع التقاط فوتونات كان الفيلم يعجز عنها، والبرامج تستطيع محاذاة مئات الإطارات وتنظيف الضوضاء وإظهار التفاصيل الخافتة، لكنها لا تستطيع اختصار رحلة تمتد عبر الفصول ولا أن توفر السماء الصافية عند الطلب.
ولهذا فإن صورة الأجرام الـ313 ليست مجرد استعراض تقني، بل سجل لمئات الساعات التي قضاها إنسان تحت السماء من أجل جمع ضوء انطلق من مناطق بعيدة في مجرتنا ووصل، فوتونا بعد فوتون، إلى حساس كاميرته.
