وصف خبراء تحدثوا للجزيرة نت، قرار سحب الدراسة التي أعلنت عن وجود مدينة سرية تحت الهرم الأكبر، بأنه كان متوقعا، مبدين تعجبهم من قبول تلك الدراسة من الأساس.
وزعم باحثون إيطاليون استخدامهم تقنية رادار الفتحة الاصطناعية (سار) في الكشف عن تفاصيل بنية داخلية غير مكتشفة وعالية الدقة تحت الهرم الأكبر في الجيزة، أسموها إعلاميا بـ “المدينة السرية”، وروجوا لهذا الاكتشاف قبل نشر دراسة عن هذا الاكتشاف المزعوم وبعده في دورية “ريموت سينسينج” (Remote Sensing).
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وبدت الأخطاء المنهجية واضحة في حديثهم، التي تناولتها “الجزيرة نت” في تقارير، لذلك كان مستغربا للكثيرين قبول دراستهم للنشر، وبالتالي لم يكن مفاجأة لهم أن تصدر الدورية قرارها بسحب الدراسة.
وقالت الدورية في بيان صحفي رسمي إن أحد القراء “لم تسمه” لفت انتباه مكتب التحرير إلى مخاوف تتعلق بأخطاء منهجية في الدراسة، ووفقا للإجراءات المتبعة في المجلة، أجرى مكتب التحرير وهيئة التحرير تحقيقا أكد وجود عيوب منهجية جسيمة وأخطاء إحصائية اعتُبر أنها تقوض مصداقية الاستنتاجات العلمية.
ونتيجة لذلك، قررت هيئة التحرير سحب الورقة البحثية تماشيا مع سياسة السحب المتبعة لدى دار النشر العلمية السويسرية التي تصدر الدورية.
ولفت البيان إلى أنه تمت الموافقة على قرار السحب من قبل رئيس تحرير المجلة، وتم إبلاغ المؤلفين بالقرار، الذين أبدوا اعتراضهم عليه.
ما هي الأخطاء المنهجية؟
ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى طبيعة الأخطاء المنهجية التي وقع فيها الباحثون، لكن د.سيد حميدة، رئيس قسم الترميم المعماري بكلية الآثار بجامعة القاهرة قال للجزيرة نت: “في تقديري فإن الخطأ الأكبر هو قبول تلك الدراسة من الأساس، لأنها ببساطة بنيت على باطل، وما بني على باطل فهو باطل”.
وأوضح أن الدراسة زعمت استخدام رادار الفتحة الاصطناعية (سار) في اكتشاف تفاصيل بنية داخلية غير مكتشفة وعالية الدقة أسفل الهرم الأكبر في الجيزة، وهو أمر يبدو مستحيلا في بيئة مثل الأهرامات.
ويشرح سيد أن فلسفة هذه التقنية تقوم على وجود قمر اصطناعي يرسل أشعة كهرومغناطيسية إلى الأرض، ثم يستقبل الإشارات المرتدة من سطح الأرض، لتفسيرها وتحليلها، وهذا يكون مفيدا في اكتشاف أشياء في الطبقات السطحية للأرض، لكن الأشعة الصادرة عن هذه التقنية لا تستطيع بطبيعة الحال اختراق الكتل الجيرية ذات الكثافة العالية في منطقة الأهرامات.
وبناء على ذلك، يقول سيد: “كان من الطبيعي أن تكون النتائج المقدمة “مفبكرة”، وأن يكون هناك تلاعب في نتائج النموذج ثلاثي الأبعاد الذي قدموه في الدراسة، وكذلك في المعالجة الإحصائية، لأنه ببساطة لم يكن هناك رصد حقيقي”.
ويتمنى سيد أن يحظى قرار سحب تلك الدراسة بتغطية إعلامية موسعة، لأن التغطية الإعلامية للمؤتمرات الصحفية التي أقامها الباحثون قبل نشر الدراسة وما بعدها كانت مكثفة، ولا يزال هناك من يصدق بوجود مدينة سرية أسفل الأهرامات.
اختيار الوسيلة الصحيحة
ويتفق الدكتور كارم عبد المحسن، الباحث في الجيوفيزياء بجامعتي مشيغان وأريزونا، مع ما ذهب إليه حميدة، موضحا أن أقصى ما تستطيع التقنيات الفضائية في الرصد الأرضي الوصول إليه هو 30 إلى 40 مترا في البيئات المثالية، أما في بيئة أهرامات الجيزة، تكون فرص الاختراق محدودة جدا.
ولا ينكر كارم على الباحثين الإيطاليين أو غيرهم توظيف التقنيات العلمية لاكتشاف الأسرار الغامضة في الحضارات القديمة، ومن بينها الحضارة المصرية، لكن يجب أن يكون ذلك ضمن ضوابط وبديهيات، أهمها استخدام التقنية الصحيحة والمناسبة للمكان.
ويرى كارم أن التقنية الملائمة لمنطقة الأهرامات هي تقنيات الاختراق التي تعتمد على المغناطيسية أو الجاذبية التي تستخدمها شركات النفط، والتي تتيح الوصول إلى أعماق أكبر، لكن استخدام مثل هذه التقنيات يكون في منطقة الأهرامات نفسها، وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يتم دون تنسيق مع الجانب المصري ووزارة الآثار.
ويتساءل: “إذا كان الفريق الإيطالي مهتما للغاية باكتشاف الجديد في منطقة الأهرامات، فلماذا لا يتقدم بطلب للدراسة باستخدام تلك الأدوات؟”.
نوايا غير سليمة
ويبني الدكتور جمال العشيبي، باحث ما بعد الدكتوراه في الأركيولوجيا بجامعة إكس-مرسيليا الفرنسية، على السؤال الذي طرحه كارم، مكررا رؤية سبق وطرحها مع الجزيرة نت في تقرير سابق، والتي تتعلق بالنوايا غير السليمة لهذا الفريق الإيطالي.
ويقول جمال: “إذا أردت إجراء أبحاث في منطقة الأهرامات فالطريق الرسمي واضح ومعروف، لكن الالتفاف على ذلك بادعاء الاكتشاف باستخدام رادار من الفضاء، فهذه إشارة لنوايا غير سليمة، تؤيدها تصريحات في المؤتمرات الصحفية تشير إلى تحديد تاريخ البنية المزعومة تحت الهرم الأكبر بـ38 ألف سنة مضت، بما يتنافى تماما مع كل ما هو معروف عن التسلسل الحضاري في مصر القديمة، الذي لا يشير إلى وجود أي حضارة متقدمة بهذا القِدم في شمال أفريقيا”.
ويخلص من ذلك إلى وجود نوايا غير سليمة لنزع الحضارة من أصحابها الحقيقيين ونسبها إلى “كائنات” أو شعوب غامضة، وهي الخرافات التي ترددها في الفترة الأخيرة بعض الجهات.
