كشفت وثائق بريطانية أزيح عنها الستار مؤخرا، عبر تحقيق استقصائي لموقع “ديكلاسيفايد” عن علم حكومة توني بلير بالانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة إبان عملية “السور الواقي” بالضفة الغربية في مارس/آذار 2002.
وتفضح الوثائق -وفق ما أورده برنامج “المرصد” في حلقة (8 سبتمبر/أيلول 2026)- تناقضا صارخا بين المواقف العلنية الداعمة لتل أبيب، والتقارير الاستخبارية ومراسلات وزارة الخارجية البريطانية التي وصفت ما جرى في رام الله ومخيم جنين بأنه “إرهاب مُمارس ضد الفلسطينيين”.
وسجلت الملفات، المخفية لعقدين من الزمن، قيام الاحتلال بقتل مدنيين عزل، ومنع المساعدات، وتهديد طواقم الإسعاف مما تسبب في عدد كبير من الوفيات نتيجة نقص العلاج، فضلا عن عمليات نهب وتخريب للمنازل.
وخلال العملية التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون لوأد الانتفاضة الثانية ومحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات، التي خلفت نحو 500 شهيد و1500 جريح في شهر واحد، وصف مسؤول سابق في الخارجية البريطانية ما جرى بأنه “انتهاك نمطي لحقوق الإنسان”، فيما نعت ضابط بريطاني كبير الجيش الإسرائيلي بـ”قوة متغطرسة وغير منضبطة من الدرجة الثانية”.
كما تجاهلت لندن تحذير مبعوثها الخاص اللورد مايكل ليفي لوزير الدفاع الإسرائيلي حينها بنيامين بن إليعازر بأن القمع “لن ينتج سوى مزيد من الانتحاريين، وأنه لا حل عسكريا لهذا النوع من المشاكل”.
وتوثق منظمة “أوكسفام” قطع الدبابات الإسرائيلية أنابيب المياه الرئيسية في رام الله آنذاك، وهو مشهد تكرر بفظاعة في غزة بتأييد علني من رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر.
ورغم هذه المعرفة، واصلت بريطانيا تسليح إسرائيل بصادرات قاربت 600 مليون جنيه إسترليني (2008-2023)، وصولا إلى استخدام أسلحة بريطانية في مجازر استهدفت مراكز إيواء النازحين في مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة.
ولتمرير هذه الجرائم، تستعين إسرائيل بآلة دعاية تخترق غرف الأخبار الغربية؛ حيث كشفت مجلة “تايم” عن دفعها 1.5 مليون دولار شهريا لبراد بارسكال (المدير الرقمي السابق لدونالد ترمب) لتحسين صورتها، والتأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعي وجيل الشباب وحركة “ماغا”، لتسويق حروبها على أنها “دفاع عن النفس” والضحايا على أنها “خسائر جانبية”.
أزمة البنتاغون والصحافة
وفي سياق آخر يتعلق بحجب الحقائق، تتصاعد أزمة غير مسبوقة بين وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وكبريات وسائل الإعلام المعتمدة لديها، على خلفية تسريبات تكشف نقصا حادا في مخزون السلاح الأمريكي جراء الحرب مع إيران.
وهذا ما دفع البنتاغون لتقييد الوصول إلى الوثائق العسكرية السرية، بينما هاجم الرئيس دونالد ترمب الصحافة واصفا إياها بـ”الحثالة الخائنة”، مؤكدا امتلاك بلاده إمدادات غير محدودة.
واتخذ وزير الحرب بيت هيغسيث إجراءات تصعيدية بدأت بتقييد حركة الصحفيين في مايو/أيار 2025، وصولا إلى إلزامهم بتوقيع تعهدات بعدم البحث عن معلومات غير مصرح بها.
وأدى ذلك إلى مغادرة جماعية للصحفيين، واستبدالهم بمؤثرين يمينيين موالين للإدارة الأمريكية، مما دفع ناشر مجلة “ستارز آند سترايبس” العسكرية العريقة للاستقالة المبكرة احتجاجا على سلب الاستقلالية التحريرية وضرب الشفافية.
وفاة ملاديتش وازدواجية العدالة
من جهة أخرى، أعادت وفاة الجنرال الصربي راتكو ملاديتش في 27 أغسطس/آب 2026 داخل سجنه في لاهاي، فتح جراح حرب البوسنة وتسليط الضوء على العدالة الدولية.
ففي حين نعاه الإعلام الصربي بوصفه “بطلا قوميا” وهاجم المحكمة لتسببها في وفاته لرفضها نقله للعلاج، استذكر الإعلام البوسني والغربي فظائع “جزار البوسنة” ومسؤوليته عن أسوأ حملة تطهير عرقي في أوروبا، وتحديدا مجزرة سربرنيتسا عام 1995 التي حصدت أرواح أكثر من 8 آلاف مسلم.
وتثير نهاية ملاديتش، الذي حكم عليه بالمؤبد بعد فراره طوال 16 عاما، تساؤلات ملحة حول ازدواجية معايير المجتمع الدولي. فبينما وُظفت كل الطاقات لملاحقة مجرمي الحرب في البوسنة، تقف العدالة ذاتها -وفق برنامج “المرصد”- عاجزة أمام حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، حيث لا يفر مرتكبو الجرائم، بل يرفعون نخب إنجازاتهم ويتوعدون بالمزيد علنا وأمام الكاميرات دون رادع أو محاسبة.
Published On 7/9/2026
|
آخر تحديث: 20:20 (توقيت مكة)
