يضع المخرج الأمريكي أليكس غيبني إيلون ماسك تحت المجهر في فيلمه الوثائقي الجديد “ماسك” (Musk)، متجاوزا إنجازاته في مجالي الصواريخ والسيارات الكهربائية، ليتتبع مصادر القوة التي منحت الملياردير الأشهر عالميا نفوذا واسعا يمتد من أسواق المال والفضاء والاتصالات إلى الإعلام والسياسة. ويُعرض الفيلم عالميا للمرة الأولى ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل طرحه في دور السينما الأميركية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026.

ويمتد الفيلم لنحو أربع ساعات، ويعد من أبرز الأفلام الوثائقية المنتظرة هذا العام، لكنه لا يقدم سيرة زمنية تقليدية تبدأ بطفولة ماسك وتنتهي بصعود شركاته، بقدر ما يحاول فهم الآليات التي مكنته من تحويل الثروة والوعود التقنية والعقود الحكومية والحضور الإعلامي إلى شبكة واسعة من النفوذ.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وقال غيبني، في حوار مع وكالة أسوشيتد برس، إنه بدأ التفكير في المشروع مطلع عام 2023، بعدما تلقى اقتراحات بإنتاج فيلم عن ماسك، ولم يتحمس للفكرة في البداية، قبل أن يقنعه أحد أصدقائه بأن الشخصية تصلح مدخلا لفهم طبيعة السلطة في القرن الـ21.

وسبق للمخرج الأمريكي أن تناول شخصيات ومؤسسات شديدة النفوذ، من بينها شركة “إنرون” ورائدة الأعمال إليزابيث هولمز وكنيسة الساينتولوجيا، كما حقق في انتهاكات الجيش الأمريكي داخل سجني باغرام وأبو غريب، لكنه يرى أن أيا من موضوعاته السابقة لا يضاهي ماسك من حيث تنوع القوة واتساع مجالات تأثيرها.

 من بطل تقني إلى شخصية مثيرة للجدل

يصل فيلم غيبني بعد سنوات من الكتب والأفلام التي ساهمت في بناء صورة ماسك، ثم بدأت تدريجيا في تفكيكها، فقد قدمته الأعمال المبكرة باعتباره رائد أعمال مغامر يحول الخيال العلمي إلى مشروعات حقيقية، بينما ركزت أعمال لاحقة على وعوده التقنية وأساليبه الإدارية ونفوذه السياسي والإعلامي.

وقدم الفيلم البريطاني “إيلون ماسك: الرجل الحديدي في الحياة الحقيقية” (Elon Musk: The Real Life Iron Man) عام 2018 واحدة من الصور الأكثر احتفاء بصعوده. ورصد العمل، الذي أخرجته سونيا أندرسون، مشروعاته في السيارات الكهربائية والصواريخ والذكاء الاصطناعي وخطط استعمار المريخ.

وعكس عنوان الفيلم الصورة التي ارتبطت بماسك خلال تلك المرحلة، حين شبهته وسائل إعلام بشخصية توني ستارك، رجل الأعمال والمخترع في سلسلة “الرجل الحديدي”. وركزت هذه الصورة على طموحه ومغامراته التقنية، من دون التوقف طويلا عند السلطة الاقتصادية والسياسية التي كانت شركاته تمنحه إياها.

وعرضت شبكة “بي بي سي” عام 2022 سلسلة “عرض إيلون ماسك” (The Elon Musk Show)، المؤلفة من 3 حلقات مدة كل منها ساعة، واعتمدت السلسلة على مقابلات مع أفراد من عائلته وأصدقائه وشركائه وخصومه، لتتبع الأحداث التي ساعدته على بناء شركاته وثروته.

واتخذ فيلم “العودة إلى الفضاء” (Return to Space)، الذي عرضته نتفليكس في 7 أبريل/نيسان 2022، منحى أكثر احتفاء بإنجازات شركة “سبيس إكس”، وتابع المخرجان جيمي تشين وإليزابيث تشاي فاسارهيلي مهمة “كرو دراغون ديمو-2″، والشراكة بين الشركة ووكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لإعادة إطلاق رواد أميركيين من الأراضي الأمريكية إلى محطة الفضاء الدولية.

وفي العام نفسه، وجه فيلم “دورة إيلون ماسك المكثفة” (Elon Musk s Crash Course) نقدا مباشرا إلى وعوده بشأن القيادة الذاتية، وبحث العمل، الذي أخرجته إيما شوارتز ضمن سلسلة “نيويورك تايمز تقدم”، الفجوة بين تصريحات ماسك والقدرات الفعلية لنظام “الطيار الآلي” في سيارات “تسلا”، كما تناول حوادث مميتة ارتبطت باستخدامه.

وانتقل الاهتمام لاحقا من سيارات “تسلا” إلى سلطة ماسك الإعلامية، وذلك عقب استحواذه على “تويتر”، وعرض برنامج “فرونت لاين” على شبكة “بي بي إس” في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فيلم “استحواذ إيلون ماسك على تويتر” (Elon Musk s Twitter Takeover)، الذي رصد انتقاله من أحد أبرز مستخدمي المنصة إلى مالكها الوحيد، وتأثير قراراته في حرية التعبير والمعلومات المضللة ومستقبل الشركة.

وعادت “بي بي سي” إلى الشخصية في 21 مايو/أيار 2026 بفيلم “عرض إيلون ماسك: الفصل التالي” (The Elon Musk Show: The Next Chapter). ورصد العمل استحواذ ماسك على “تويتر” وتحويلها إلى “إكس”، وصعوده كقوة سياسية على جانبي المحيط الأطلسي، وعلاقته المتقلبة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

سيرة تتغير من كتاب إلى آخر

رسمت الكتب بدورها مسارا مشابها، بدأ بالإعجاب بمغامرات ماسك، ثم اتجه إلى التدقيق في وعوده وأساليبه الإدارية وتأثيره المتزايد. وأصدر الصحفي أشلي فانس عام 2015 كتاب “إيلون ماسك: تسلا وسبيس إكس والسعي إلى مستقبل مذهل” (Elon Musk: Tesla, SpaceX, and the Quest for a Fantastic Future)، الذي أصبح من أشهر السير المبكرة عنه. وروى فانس طفولة ماسك وانتقاله إلى أميركا الشمالية وتأسيس مشروعاته الأولى، قبل صعود “تسلا” و”سبيس إكس”.

وقدم الكتاب شخصية شديدة الطموح وقادرة على تحمل المخاطر، مع إظهار الثمن الإنساني والإداري الذي دفعه بعض العاملين معه، واتخذ الصحفي إدوارد نيدرماير موقفا أكثر نقدا في كتاب “مثير للسخرية: القصة غير المنمقة لتسلا موتورز” (Ludicrous: The Unvarnished Story of Tesla Motors)، الصادر عام 2019.

وبحث الكتاب التفاوت بين الصورة العامة لشركة “تسلا” وواقع إدارتها وإنتاجها، مع إقراره بما حققته في سوق السيارات الكهربائية، وركز الصحفي تيم هيغنز في كتاب “لعبة القوة: تسلا وإيلون ماسك ورهان القرن” (Power Play: Tesla, Elon Musk, and the Bet of the Century)، الصادر عام 2021، على الصعود المضطرب للشركة ومحاولتها إعادة تشكيل صناعة السيارات. واعتمد هيغنز على مقابلات مع موظفين ومديرين حاليين وسابقين، لكنه لم يحصل على مشاركة ماسك، بل وهاجم الكتاب بعد صدوره.

وجمع كتاب “إيلون ماسك” (Elon Musk) بين قدرته على تحمل المخاطر ودفع فرق العمل إلى إنجاز مشروعات صعبة، وبين اندفاعه وتقلباته وقسوته في إدارة الموظفين.

وتناول الكتاب شركاته ونشاطه في الذكاء الاصطناعي واستحواذه على “تويتر”، واتخذ كتاب “حدود الحروف: كيف دمر إيلون ماسك تويتر” (Character Limit: How Elon Musk Destroyed Twitter)، للصحفيين كيت كونغر ورايان ماك، موقفا أكثر صراحة منذ عنوانه.

وأعاد الكتاب بناء صفقة الاستحواذ على المنصة مقابل 44 مليار دولار وما أعقبها من تداعيات مالية وسياسية واجتماعية، مستندا إلى وثائق قضائية وشهادات من داخل الشركة.

صناعة المستقبل بالكلمات

لا يعيد غيبني في فيلمه سرد ما قدمته الأعمال السابقة، بل يحاول جمع خيوطها، ليعرف من أين يستمد ماسك هذه القوة، ويربط المخرج جانبا أساسيا من نفوذ ماسك بقدرته على الحديث بثقة عن المستقبل، وإقناع الجمهور والمستثمرين بأن شركاته تستطيع تحقيق قفزات تقنية غير مسبوقة.

ويرى المخرج أن كثيرا من هذه التوقعات لا ينسجم مع الوقائع أو الأدلة أو الإمكانات الفعلية، ويعارض غيبني الصورة التي تقدم ماسك كمخترع يقف بنفسه خلف كل ما تنتجه شركاته. ويصفه بأنه مستثمر ومسوق بارع للوعود، معتبرا أن موهبته الأبرز تظهر في جذب الأموال ورفع قيمة الأسهم.

ولا ينفي المخرج في المقابل الإنجازات التي حققتها شركات ماسك، كما يعترف بأن “تسلا” و”سبيس إكس” تضمان أعدادا كبيرة من المهندسين الأكفاء والقيادات التنفيذية المؤهلة. ويمثل هذا الجانب، في نظره، فارقا مهما بين ماسك وبين شخصيات مثل إليزابيث هولمز ومسؤولي “إنرون”.

تيسلا إيلون ماسك و دونالد ترامب (وكالات)

ويقارن غيبني بين هذه الشخصيات من حيث تطويع الحقيقة لخدمة الطموح والهدف المعلن، لكنه يقدم المقارنة باعتبارها قراءة نقدية توصل إليها أثناء إعداد الفيلم، وليست حكما قضائيا على ماسك أو شركاته.

من منقذ المناخ إلى حليف ترامب

يتناول الفيلم التحول الذي نقل ماسك من شخصية احتفى بها ليبراليون ومدافعون عن البيئة، بفضل سيارات “تسلا” الكهربائية، إلى أحد أبرز مؤيدي ترامب. ويرفض غيبني تفسير هذا التحول بالخلافات الثقافية وحدها، أو بما يسميه ماسك “فيروس العقل المستيقظ”، ويقول إن بحثه قاده إلى عاملين يرتبطان بالمصالح الاقتصادية والتحقيقات التي واجهتها شركاته. ويتمثل العامل الأول، وفق المخرج، في اعتماد مشروعات ماسك على عقود وأموال تقدمها الحكومة الفيدرالية، وخاصة في قطاعات الفضاء والاتصالات والتكنولوجيا. ويرى أن ماسك يتحرك باتجاه المواقع السياسية التي يعتقد أنها تستطيع حماية مصالح شركاته ودعم مشروعاتها.

ويرتبط العامل الثاني بالتحقيقات الفيدرالية التي خضعت لها بعض الشركات، ويشير غيبني إلى أن “تسلا” واجهت تحقيقا جنائيا، ويعتقد أن ماسك خشي اتساع الملاحقات في حال فوز كامالا هاريس بالرئاسة. ويستشهد المخرج بمزحة أطلقها ماسك في برنامج الإعلامي تاكر كارلسون بشأن احتمال دخوله السجن إذا فازت هاريس.

لم يحاول ماسك، وفقا لغيبني، التدخل مباشرة لمنع الفيلم، لكن الخوف من الحديث أمام الكاميرا شكل عقبة كبيرة، ورفض موظفون حاليون وسابقون، إلى جانب مؤيدين ومنتقدين يعرفونه، تسجيل شهاداتهم بأسمائهم، وطلب بعض المقربين من ماسك الحصول على إذنه قبل التحدث إلى المخرج.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل