تمنح الجرائم الحقيقية الدراما ميزة وعبئا في الوقت نفسه؛ فالمشاهد يدخل الحكاية وهو يعرف أن ما يراه حدث بالفعل، لكنه ينتظر من صناعها سببا جديدا لمتابعتها. وبينما تكتفي أعمال كثيرة باستعادة وقائع الجرائم، يحاول مسلسل “القصة الكاملة” البحث في المساحة التي تفصل الحقيقة عن الدراما عبر تقديم قضية مستقلة في كل حكاية.
وتأتي “لعبة جهنم” كأولى حكايات المشروع، وهي قصة مستوحاة من جريمة “الدارك ويب” التي هزت مصر عام 2024. لكن المعالجة تحولها إلى مواجهة نفسية بين رجل يبدو متدينا، ومراهق يدير عالما رقميا موازيا، قبل أن تنقلب لعبة خلف الشاشة إلى جريمة تتجاوز حدود العالم الافتراضي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
“القصة الكاملة”: أنطولوجيا الجريمة الحقيقية
ما يميز “القصة الكاملة” ليس تعدد القضايا وحده، وإنما كونها أنطولوجيا درامية تنتقل من حكاية إلى أخرى مع تغير الشخصيات والعوالم، بينما تظل الجريمة الواقعية هي الرابط بينها.
هذه البنية تمنح كل حكاية مساحة لاختيار زاويتها الخاصة في تناول الجريمة، لكن التنوع يمثل اختبارا لهوية المشروع؛ فاختلاف الحكايات يمكن أن يمنحه ثراء، لكنه قد يجعله يبدو كمجموعة أعمال منفصلة إذا لم يجمع بينها تصور واضح يتجاوز مجرد استلهامها من وقائع حقيقية.
عالمان يلتقيان عبر الشاشة
تضع الحكاية الشيخ علاء (محمد فراج) في مواجهة سليم (عمر رزيق). وفي حين يبدو الأول قويا بحكم العمر والصورة الاجتماعية، يظهر الثاني كمراهق ذكي يمتلك معرفة بالعالم الرقمي يستخدمها للسيطرة. يتقاطع مسار الشخصيتين عبر لعبة إلكترونية يجد فيها علاء نفسه مدفوعا إلى تنفيذ مهام غير مقبولة تحت تأثير حاجته المادية وضعفه النفسي.
غير أن قوة الحكاية لا تأتي من فكرة الدارك ويب وحدها، بل من الطريقة التي تجعل بها الجريمة نتيجة لسلسلة من الاختيارات الصغيرة؛ فكل خطوة تبدو قابلة للتراجع، إلى أن يصل الاثنان إلى نقطة يصبح الرجوع منها شبه مستحيل.
ومع دخول الطفل حسن (منذر مهران) إلى الحكاية، يتحول الخطر من تهديد رقمي إلى مأساة واقعية، وتصبح المسافة بين شخص يجلس خلف شاشة وآخر ينفذ الأوامر هي الجانب الأكثر إثارة للقلق في القصة.
ويقوم أحد أهم رهانات “لعبة جهنم” على قلب توقعات المشاهد؛ فالشخصية التي تبدو أكثر قوة ليست صاحبة القرار، والأصغر سنا ليست الأكثر براءة. هكذا تنتقل الحكاية من سؤال “من ارتكب الجريمة؟” إلى سؤال أكثر تعقيدا: “من صنع الفاعل؟”.
هذا التحول هو أحد أفضل عناصر السيناريو، لأنه يرفض توزيع الأدوار باستسهال بين مذنب وضحية، ويفتح منطقة رمادية تتداخل فيها مسؤولية من نفذ مع من خطط، والظروف التي سمحت للعنف بأن يتشكل بعيدا عن أعين الآخرين.
الحلقة الأخيرة: لماذا كانت الأقل إثارة؟ المفارقة الأوضح في “لعبة جهنم” أن الحلقة الأخيرة التي تُرتكب فيها الجريمة المنتظرة، تبدو أقل إثارة من الحلقتين السابقتين. فالتشويق في البداية كان قائما على الترصد والشك، لكن مع انكشاف الإجابات، يتلاشى جزء من قوة الترقب.
الأكثر إشكالا أن السيناريو بنى توتره تدريجيا حول فكرة الانزلاق نحو الهاوية، ثم منح الحدث المركزي مساحة محدودة مقارنة بمقدماته. لذلك تبدو الحلقة الأخيرة وكأنها تنتقل من التشويق إلى التنفيذ، ومن الأسئلة المفتوحة إلى نتيجة معروفة مسبقا.
وهنا تأتي نقطة الضعف الأساسية في البناء: الالتواءة الدرامية جاءت أقوى من تبعاتها، إذ كان يمكن للحلقة أن تستثمر الحالة النفسية للشخصيات ونتائج الجريمة بالقدر نفسه الذي استثمرت به الطريق المؤدية إليها. ومع ذلك، يحسب للعمل عدم تعويض انحسار المفاجأة بالاستعراض وانحيازه إلى سؤال المسؤولية، ليترك المشاهد أمام تبعات الجريمة لا أمام صدمتها فقط.
مواجهة تمثيلية بين جيلين
دون شك، محمد فراج هو أفضل ما في “لعبة جهنم”، ليس لأن الشخصية مكتوبة بصورة استثنائية، وإنما لأنه يعرف كيف يجعلها قابلة للتصديق قبل أن تصبح مخيفة، من خلال الموازنة بين هدوء ظاهري يوحي بالثقة والاطمئنان، واضطراب داخلي يتسرب عبر تفاصيل صغيرة مثل النظرات، والتردد، وتغير نبرة الصوت ولغة الجسد حين تضيق به الحيلة.
لا يلعب فراج الشر باعتباره استعراضا بل يتركه يتشكل تدريجيا، مستعيدا شيئا افتقدته تجربته الأخيرة في “أب ولكن” التي تعرضت لانتقادات واسعة، بعودته إلى منطقة يجيدها: الشخصية الرمادية والمقلقة التي لا تشرح نفسها كثيرا.
في المقابل، يقدم عمر رزيق أداء هادئا يبتعد عن صورة المراهق العبقري الشرير، مانحا سليم طبقات من البرود والعزلة والهدوء التي تجعله أكثر إثارة للقلق. ومع أن فارق الخبرة بينه وبين فراج كان يمكن أن يجعل المواجهة غير متكافئة، لكنه ينجح في فرض حضوره عبر الإيحاء.
أما منذر مهران فيقدم أداء أكثر حساسية؛ إذ ينجح في تجسيد طفل حقيقي قبل أن يتحول إلى ضحية درامية، ليصبح حضوره الشرارة التي تمنح الحكاية لحظتها الإنسانية الأكثر صدقا.
عالم بصري مشحون
ضمن الرؤية الإنتاجية الأوسع للمشروع التي تتيح لكل مخرج ترك بصمته، تأتي معالجة إسلام خيري لـ”لعبة جهنم” منحازة إلى النظر للجريمة باعتبارها انعكاسا للحالة النفسية، لا مجرد واقعة بوليسية.
ويخدم الإخراج طبيعة الحكاية القصيرة، فلا يترك مجالا للاستطراد. لذلك يعتمد البناء البصري على المساحات الضيقة، والإضاءة الخافتة، والاقتراب من الوجوه حين تتغير موازين القوة. وتناسب هذه اللغة طبيعة الحكاية، فالجريمة هنا لا تعتمد على الحركة بل على الانتظار. الكاميرا تراقب أكثر مما تطارد، وتترك للمشاهد الفرصة لالتقاط التحولات الصغيرة في سلوك الشخصيات.
ويكتمل هذا البناء بالموسيقى التصويرية، التي تؤدي دورا في مضاعفة الضغط النفسي، عبر طبقات صوتية منخفضة تتصاعد تدريجيا مع تغير ديناميكية العلاقات بين الشخصيات. وفي بعض اللحظات، يصبح الصمت نفسه جزءا من البناء الصوتي.
ريا وسكينة وبني مزار: الاختبار الأصعب
ورغم أن “لعبة جهنم” لم يقدم تجربة متماسكة دراميا بالدرجة نفسها في كل مراحله، فإنه نجح في جذب الانتباه إلى مشروع “القصة الكاملة”، الذي يعتمد نجاحه في كل حكاية على سؤال أساسي: ماذا يمكن للدراما أن تضيف إلى جريمة نعرفها بالفعل؟
ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا مع الحكايات المقبلة، التي تحمل ثقلا مضاعفا في الذاكرة المصرية، على رأسها قصة “ريا وسكينة” التي تواجه تحدي التشبع الدرامي والسينمائي لقضية استهلكت عبر عقود من المعالجات المتكررة، ليصبح الرهان في العثور على زاوية جديدة تمنح الحكاية سببا قويا لإعادة تقديمها.
أما “ما لم يُحك عن بني مزار”، المقرر عرضها نهاية سبتمبر/أيلول 2026، فتتناول قضية وقعت عام 2005 في محافظة المنيا قبل أن تُقيد ضد مجهول، وهنا تظهر إشكالية مختلفة، إذ كيف تصنع دراما قوية من قضية لم تصل إلى إجابة نهائية؟
وبين تشبع الحكاية الأولى وغموض الثانية، تختبر “القصة الكاملة” قدرتها على تجاوز إعادة إنتاج الصدمة، وتقديم قراءة درامية لها معنى إذا أرادت أن تتحول من مجرد دراما تعيد فتح الجرائم إلى تجربة ذات هوية مستقلة.
