في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح “ماكسينغ” (Maxxing) على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وهو يُستخدم للدلالة على السعي إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من أي جانب من جوانب الحياة، عبر تحسينه وتطويره إلى أبعد حد. وقد بدأ استخدامه في مجالات مختلفة، من المظهر واللياقة إلى النوم والغذاء وحتى تطوير الشخصية والحياة بشكل عام.

وفي عالم الصحة تحديدا، تحوّل “الماكسينغ” إلى اتجاه يدفع البعض إلى تحسين كل تفاصيل حياتهم الصحية، من النظام الغذائي والتمارين إلى النوم والمكملات والعناية بالمظهر، أملا في الوصول إلى “النسخة المثالية” من أنفسهم. ويتزامن ذلك مع ازدهار سوق الصحة عالميا، والذي يُتوقع أن يقترب حجمه من 10 تريليونات دولار بحلول عام 2030، وفقا لشبكة “سي إن بي سي”.

لكن السعي إلى تحسين الصحة ليس دائما بالبساطة التي تروج لها وسائل التواصل الاجتماعي، فبعضها قد يكون مفيدا عند اتباعه باعتدال، بينما قد يتحول الإفراط فيها إلى مصدر للضغط والقلق والإرهاق.

فما أبرز اتجاهات “الماكسينغ” انتشارا؟ وأين تنتهي العناية بالصحة ويبدأ الهوس بتحقيق الكمال؟

تركيز الـ”ماكسينغ” على تحسين الصحة

رغم استخدام مصطلح “التحسين المفرط” لوصف التطوير في كافة مجالات الحياة تقريبا، من “تحسين المظهر” إلى “تطوير الذات”؛ لكن استخداماته الأكثر شيوعا ركزت على تحسين الصحة، وكان أشهرها، وفقا لمجلة “هيلث”:

التحسين الأمثل للصحة (Healthmaxxing)

اتجاه يدعو لبذل جهد مكثف لتعزيز الصحة البدنية والنفسية، من خلال مزيج من تحسين اللياقة البدنية والنوم والنظام الغذائي، والمكملات الغذائية، والغطس في الماء البارد، واقتناء أجهزة تتبع الصحة.

وقد أظهر استطلاع، نُشرت نتائجه في منتصف يوليو/تموز من هذا العام، أن “نصف الأمريكيين يتطلعون إلى تحقيق أقصى استفادة من الصحة” بحلول عام 2026. وأن جيل “زد” هو الأكثر عرضة للشعور بضغط مواكبة أحدث اتجاهات الصحة والعافية.

زيادة الألياف (Fibermaxxing)

اتجاه يروج لزيادة تناول الألياف -فوق الكمية اليومية الموصى بها أحيانا- بدعوى تعزيز صحة الأمعاء، وتحسين مستوى السكر في الدم، وصحة القلب، والتحكم في الوزن. وقد أشار الاستطلاع نفسه إلى زيادة مبيعات مكملات الألياف هذا العام، بالتزامن مع رواج “موضة زيادة الألياف” على منصة “تيك توك”.

“الماكسينغ” يشكل ضغوطا إضافية قد تؤدي للقلق والاكتئاب (غيتي)

التحسين الأمثل للتمارين الرياضية (gymmaxxing)

بحسب المدرب المعتمد مارس فيريرا، يُعدّ “التمرين المكثف في الصالات الرياضية” جزءا من ممارسات تحسين شعور الفرد بالثقة بالنفس والجاذبية وتقدير الذات، وتحقيق مظهر بدني أكثر رجولة وبروزا للعضلات. لكن “الإفراط في التمارين” قد يؤدي إلى ممارسات غير صحية أو حتى خطيرة، مثل اضطرابات الأكل، والقلق والتوتر، والإفراط في التدريب، وإساءة استخدام بعض المكملات الغذائية أو المنشطات.

زيادة البروتين (Protein-maxxing)

تقول الباحثة في علوم التغذية والرياضة كيرا كورتني على موقع جامعة ولاية كولورادو: “بصفتي باحثة في علوم التغذية والرياضة، أشاهد بدهشة وريبة هذا الانتشار المفاجئ لهوس تناول كميات كبيرة من البروتين باستمرار، للحصول على أقصى الفوائد الصحية والجمالية”.

وتقر كورتني أن مشاهد فيديوهات الغذاء والتغذية وترندات الصحة على منصات التواصل الاجتماعي قد تكون ملهمة ومسلية، لكنها غالبا ما تعج بالمعلومات المضللة، والنصائح المبسطة بشكل مفرط، مستغلة ثقافة اللياقة البدنية التي انتشرت بشكل هائل في السنوات الأخيرة، وجعلت الحديث عن البروتين أكثر انتشارا، باعتباره أداة لتحسين المظهر وحرق الدهون وبناء عضلات ضخمة.

زيادة الاحتكاك (Friction-maxxing)

صيحة رائجة تشجع على “تعظيم الاحتكاك” مع الحياة اليومية، من خلال إنجاز أمور تتطلب مستوى من الصعوبة أو الوقت أو الصبر؛ كالقراءة بدلا من مشاهدة يوتيوب، والكتابة بالقلم والورق بدلا من تدوين الملاحظات إلكترونيا، واستخدام خريطة ورقية بدلا من نظام تحديد المواقع، وإعطاء الأولوية للتفاعلات الشخصية المباشرة أكثر من وسائل التواصل الاجتماعي.

والهدف من ذلك هو تحسين انتباهنا وتعميق إحساسنا بذواتنا، في مواجهة مع ما تقدمه التكنولوجيا من إشباع فوري وإثارة سريعة.

فبحسب “بي بي سي”، تشير البيانات الأولية إلى أن “مدى انتباهنا قد يتضاءل، وقدراتنا على التفكير النقدي تضعف، وذكاؤنا العاطفي يتلاشى، وذاكرتنا المكانية تتدهور، مع تفويض المهام إلى أجهزتنا”.

التحسين الأمثل للنوم (Sleepmaxxing)

يقول أستاذ الطب النفسي المساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد إريك تشو: إن الاتجاه الرائج لما يُسمى “تحسين النوم”، وما يتضمنه من نصائح للحصول على نوم أطول وأكثر راحة، من بينها عادات مثل تغطية الفم بشريط لاصق، أو تناول مكملات غذائية مثل المغنيسيوم أو الميلاتونين، “يفتقر إلى الأدلة، ولم يخضع للدراسة العلمية، مما يجعله مجرد ضجة إعلامية أكثر منه حقيقة مثبتة”.

للماكسينغ جوانب إيجابية تؤدي إلى تحسين جوانب مختلفة من الحياة
للماكسينغ جوانب إيجابية تؤدي إلى تحسين جوانب مختلفة من الحياة (الجزيرة)

تحسين المظهر (Looksmaxxing)

اتجاه شائع على الإنترنت يركز على استهداف الشباب عادة، ويروج لتغيير المظهر الخارجي للشخص ليتناسب مع معايير جمالية معينة، من خلال العناية بالبشرة، وبناء العضلات، وتمارين للوجه لإبراز ملامحه، وتغيير قصة الشعر، أو حتى الخضوع لجراحة تجميلية.

ومعظمها ممارسات “قد تؤدي إلى شعور الشخص بأنه بحاجة إلى تغيير مظهره بناء على آراء الآخرين، خاصة إذا كان يعاني من تدني احترام الذات، أو عدم الرضا عن صورة جسده، أو مشاكل في الصحة العقلية”، وفقا لموقع “ميديكال نيوز توداي”.

تحسين البشرة (Skinmaxxing)

اتجاه يروج لبناء روتين للعناية بالبشرة لتحسين صحتها ومظهرها، من خلال استخدام غسول ومرطب وواقي شمس وتناول أطعمة معينة، بشكل يومي.

تطوير الشخصية (Personality maxxing)

دعوة لتحسين مهاراتك الاجتماعية وسلوكياتك وهواياتك واهتماماتك لتكون نسخة أكثر جاذبية ومحبوبة من نفسك، من خلال تجربة أشياء جديدة، وتوسيع معارفك، والعمل على التخلص من السلبية أو تحسين مهارات الاستماع لديك.

تطوير الحياة (Lifemaxxing)

اتجاه يشجع على التحسين الشامل للذات، من خلال التركيز على تحقيق أقصى استفادة من كل جانب من جوانب حياتك في آن واحد، بما في ذلك نمط الحياة، والعمل، والعلاقات، والصحة.

خطر المبالغة

استخدام “التحسين المفرط” باعتدال في تطوير الذات قد يشجع الشخص على تحسين صحته ونمط حياته، من خلال اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة الرياضة دون إفراط.

لكن العديد من صيحات “التحسين المفرط” تتضمن تغييرات جذرية وممارسات صارمة، “قد تُحدث أثرا عكسيا، وتصبح سببا في التوتر والإرهاق وتشويه صورة الذات”، كما تقول هانا هاربر في مجلة “هيلث”.

وتؤكد هاربر أن الاعتقاد بأن “بذل مزيد من الجهد يضمن الوصول إلى صحة مثالية” قد يتحول إلى مصدر إضافي للضغط، وقد يدفع الشخص إلى لوم نفسه إذا واجه مشكلة صحية. في المقابل، يمكن لإجراء تغييرات بسيطة ومتوازنة في نمط الحياة أن يسهم في تحسين الصحة والرفاهية، من دون أن يتحول السعي إلى العافية إلى عبء أو مصدر للإرهاق.

وترى المعالجة النفسية المعتمدة بيلي دانليفي أن اتجاه “التحسين المفرط” قد يدفع إلى تبني صورة مثالية غير واقعية عن الذات، نتيجة التركيز المستمر على تحقيق مزيد من التقدم. لذلك، تنصح بتحديد أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، وتجنب الضغط المفرط على النفس.

كما توضح الاختصاصية النفسية المعتمدة جينيفر هارتستين أن فكرة “التحسين المفرط” تقوم على السعي إلى بلوغ أقصى الإمكانات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السعي إلى إفراط. وتحذر من أن وضع أهداف صارمة والسعي الدائم لتحقيقها قد يزيد مشاعر القلق والاكتئاب، خاصة عندما لا تسير الأمور كما هو متوقع أو عند الشعور بالفشل. وتؤكد أن تحسين جوانب مختلفة من الحياة ممكن من دون تحميل النفس ضغوطا تفوق قدرتها.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل