يبدو أن طهران تتحرك في المرحلة الحالية وفق إستراتيجية مزدوجة تختزلها تصريحات مسؤوليها بعبارة “ملتزمون بالدفاع والدبلوماسية” فبينما تبدي تفاؤلا حذرا حيال المسار التفاوضي، تلقي بالكرة في الملعب الأمريكي بانتظار ما ستسفر عنه الاتصالات السياسية بعد تسليم ردها على رسالة واشنطن.

وفي المقابل، ترفع القيادة الإيرانية جاهزيتها العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة تحسبا لأي ضربة أمريكية محتملة، في محاولة منها -وفق محللين- لرسم معادلة ردع حاسمة تجعل من التراجع عن حقوقها وثوابتها أمرا غير قابل للمساومة، رغم إقرارها بالضغوط والأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار.

شروط طهران الصارمة واختبار الثقة

وفي هذا السياق، أفاد مراسل الجزيرة في طهران، عامر لافي، بأن الموقف الإيراني تبلور بوضوح عقب مشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي في اجتماع للجنة الأمن القومي بالبرلمان، حيث أكد عراقجي مضي بلاده بجدية في المسار الدبلوماسي في أعقاب وصول رسالة من جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى طهران وإرسال الرد الإيراني عليها، لتصبح الكرة الآن في ملعب واشنطن.

ونقل مراسل الجزيرة تأكيد عراقجي تمسك طهران بالخطوط العريضة التي تشترط تنفيذ واشنطن مطالبها مسبقا قبل أي خطوة وهي:

  1. رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
  2. السماح بتصدير النفط.
  3. القبول بالممرات البحرية التي رسمتها إيران وسلطنة عُمان في مضيق هرمز.
  4. إعلان وقف الحرب على جميع الجبهات.
  5. رفع التجميد عن الأموال الإيرانية.

ووفق المراسل، فإن التسلسل الزمني يمثل جوهر الموقف الإيراني نظرا لانعدام الثقة بواشنطن، إذ ترهن طهران فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات الملف النووي باستجابة الولايات المتحدة لهذه الشروط أولا، مشيرا إلى أن المفاوضات مع الجانب القطري نجحت في تقليص الجدول الزمني لتنفيذ هذه الإجراءات من 5 أو 7 أيام إلى يومين فقط.

وفي وقت سابق اليوم، قال عراقجي إن المفاوضات جارية مع الوسيط القطري وتشهد تقدما لكن لم يتم التوصل بعد إلى نتيجة نهائية، مؤكدا عدم وجود أي خطط لعقد لقاء مع الجانب الأمريكي خلال زيارة الوفد الإيراني للعاصمة القطرية.

وأعرب عراقجي عن أمله أن تكون هناك “عقلانية من الجانب الآخر” في إشارة إلى الجانب الأمريكي، مؤكدا أن تحقيق نتائج ملموسة خلال المفاوضات مرهون بالرد الذي ستتلقاه طهران من الإدارة الأمريكية.

تغيير الإستراتيجية والضربة الاستباقية

وعلى الصعيد الميداني، رصد مراسل الجزيرة انتقال طهران إلى مرحلة استنفار قصوى تحسبا لأي عمل عسكري أمريكي، مشيرا إلى اجتماع مهم عقده المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بقادة الجيش، وجّه خلاله بمضاعفة تصنيع الأسلحة والذخائر، وتوسيع بنك الأهداف ونطاقه الجغرافي ليتجاوز ما كان عليه في الحرب السابقة، وتوعد في الوقت نفسه برد سريع يزرع الرعب في صفوف الخصم.

ولفت المراسل إلى تحول إستراتيجي في العقيدة العسكرية الإيرانية من مجرد المناوشات والرد بالمثل إلى رد أوسع انطلاقا من قاعدة أكدها المرشد مفادها “قد يبدؤون الحرب، لكن إيران وحدها هي من ستحدد نهايتها”.

وعززت هذا المسار تصريحات وزير الدفاع والمتحدث باسم الحرس الثوري، بينما ذهب قائد الأركان لأبعد من ذلك بإعلانه الاستعداد للمبادرة بالاستهداف الاستباقي دون انتظار فور رصد أي عمل عدواني ضد البلاد، وفق مراسل الجزيرة.

وبشأن تداعيات الحصار والحرب، قال مراسل الجزيرة إن هناك إجماعا لدى القيادات الإيرانية -بدءا من الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية ورئيس البرلمان- يقر بوجود صعوبات معيشية وأزمة اقتصادية يواجهها المواطنون.

لكن القيادة الإيرانية تشدد على رفض التنازل عن “الكرامة والحقوق الوطنية” تحت وطأة هذه الضغوط، مؤكدة التمسك بتنفيذ الشروط كاملة ورفض المسعى الأمريكي الرامي لبدء المفاوضات بالملف النووي وجعله مؤجلا لمرحلة لاحقة.

ورغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة لنزع فتيل الحرب، تتصاعد لغة التهديد والوعيد المتبادل بين الطرفين، فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمس إن قوات بلاده دمرت قدرات طهران النووية، موضحا أنه لا يزال هناك موقع أو اثنان يتعين التعامل معهما، بينهما موقع جبل الفأس.

في المقابل، أعلن وزير الدفاع الإيراني مهرداد أخلاقي أن بلاده تسرّع تحسين قدراتها القتالية للرد دون قيود جغرافية، إذا ما تعرضت لهجوم أمريكي إسرائيلي جديد على أراضيها.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل