لم يعد الردع النووي فصلا مطويا في أدبيات الحرب الباردة، فقد عاد ليفرض نفسه واقعا حيا يعيد تشكيل سلوك الدول. واليوم، مع انتهاء أمد معاهدة “نيو ستارت”، آخر المعاهدات التي ضبطت يوما إيقاع الترسانتين الأكبر في العالم في واشنطن وموسكو، ومع اشتعال الجبهات في شرق أوروبا وتسارع سباق التسلح في الفضاء وميادين الذكاء الاصطناعي، يجد القلق النووي طريقه مجددا إلى صدارة مراكز القرار الأوروبي.
وفي قلب هذا المخاض تقف فرنسا وحيدة، بوصفها القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، متسلحة بترسانة مستقلة وعقيدة ردع تاريخية. وهذا التفرد، الذي كان يُقرأ طويلا رمزا للوجاهة السياسية، تحول فجأة إلى حجر الزاوية في معادلة الأمن المشترك؛ فمع اهتزاز اليقين الأوروبي بشأن ديمومة المظلة الأمنية الأمريكية، وتصاعد الأصوات الداعية إلى “الاستقلالية الإستراتيجية”، لم تعد العقيدة النووية الفرنسية شأنا باريسيا خالصا. وقد دخلت هذه العقيدة في مارس/آذار 2026 منعطفا تاريخيا، حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون خطة طموحة لزيادة حجم الترسانة النووية وتحديث فلسفة الردع.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وهنا يبرز السؤال الأصعب الذي يواجه الإليزيه، وهو كيف تحافظ باريس على سيادتها المطلقة على “الزر النووي” في وقت يتطلع فيه الشركاء الأوروبيون إلى ترسانتها بوصفها “الخطة ب” البديلة. فالعقيدة النووية الفرنسية لا تمر اليوم بمراجعة شكلية، وإنما تخوض اختبارا عاصفا يضع مصداقيتها على المحك في عالم متعدد الأقطاب، اختبارا يزاوج بين ضرورة ملاحقة الثورة التكنولوجية العسكرية وحسابات “أوربة” الردع دون الانزلاق إلى التزامات تعاقدية مكبلة، في محاولة معقدة للموازنة بين واقعية الأمن القاسية والمسؤولية القانونية والأخلاقية.
غير أن الأرقام تحد من قدرة باريس على أن تكون “الخطة ب” كاملة. فبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تملك كل من روسيا والولايات المتحدة أكثر من 5 آلاف رأس نووي، مقابل نحو 290 رأسا لفرنسا ونحو 225 لبريطانيا. ويتسع الفارق في طبيعة السلاح أيضا. فالعقيدة الفرنسية ترفض “المعركة النووية” ولا تملك أسلحة تكتيكية لساحة القتال، في حين تنشر واشنطن قنابل نووية من طراز “بي 61” في عدة دول أوروبية ضمن ترتيبات المشاركة النووية. ولهذا حرص الإعلان الفرنسي الألماني على وصف المسار الجديد بأنه يكمل المشاركة النووية الأطلسية ولا يحل محلها.
مكونات العقيدة النووية الفرنسية
تقوم العقيدة الفرنسية تقليديا على ركيزتين، أولاهما المكون البحري، المؤلف من غواصات تعمل بالطاقة النووية، تحمل كل واحدة منها 16 صاروخا باليستيا من طراز “إم51” (M51) يبلغ مداها نحو 10 آلاف كيلومتر، ويحمل كل صاروخ ما يصل إلى 6 رؤوس نووية مستقلة. أما الركيزة الثانية فهي المكون الجوي، المتمثل في صواريخ (ASMPA-R) المحمولة على طائرات رافال.
وترى باريس أن الردع الثنائي البحري والجوي، بما يتيحه من مرونة عالية، هو أساس قوتها الرادعة، لا سيما بعد تفكيك المكون الأرضي، إذ أعلن الرئيس جاك شيراك عام 1996 إغلاق موقع “بلاتو دالبيون”، وفُككت صواريخه بحلول عام 1998. وتعتمد باريس على أربع غواصات حاملة للصواريخ الباليستية من فئة “تريومفانت” (Triomphant)، دخلت الخدمة تباعا بين عامي 1997 و2010، وتعمل وفق مبدأ الجاهزية الدائمة الذي يُبقي غواصة واحدة على الأقل في عرض البحر في كل وقت منذ عام 1972.
ومع الانتقال التدريجي نحو الجيل الجديد، أطلقت فرنسا في فبراير/شباط 2021 برنامج الغواصات من الجيل الثالث (SNLE 3G)، بقيادة مشتركة من المديرية العامة للتسليح ومفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة، وبمشاركة البحرية الوطنية ومجموعة “نافال” (Naval Group) وشركة “تكنيك أتوم” (TechnicAtome) المسؤولة عن المفاعلات. ويأتي هذا البرنامج ضمن عملية استبدال تدريجي لفئة تريومفانت، تضمن الانتقال إلى منصات بحرية جديدة دون فجوة في الجاهزية العملياتية.
وقد دخل تصنيع أول غواصة من الجيل الجديد مرحلته الفعلية في حوض شيربورغ يوم 20 مارس/آذار 2024، حين قصت مجموعة “نافال” أول صفيحة من هيكلها. وكانت هذه الخطوة انتقالا ملموسا إلى الإنتاج في واحد من أكبر البرامج الدفاعية الفرنسية، إذ يبقى المكون البحري الركيزة الأساسية لقدرة الردع الدائم، بحكم طبيعته المتخفية وصعوبة تعقبه.
وتخضع صواريخ “إم51” لتحديث مستمر. وقد اختُبرت النسخة المطورة “إم51.3” (M51.3) بنجاح من البر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ودخلت الخدمة التشغيلية في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بحسب المديرية العامة للتسليح (DGA)، وهي تحمل الرأس النووي الجديد “تي إن أو 2” (TNO-2)، الذي قال ماكرون إنه صُمم لاختراق كل الدفاعات. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أُطلق هذا الصاروخ للمرة الأولى من غواصة، هي “لو فيجيلان” (Le Vigilant).
وكان مقررا أن تدخل أول غواصة من الجيل الجديد الخدمة نحو عام 2035، غير أن ماكرون أعلن في مارس/آذار 2026 أن هذه الغواصة، التي سماها “لانفانسيبل” (L’Invincible)، ستبحر عام 2036. وتؤمن الغواصات استمرارية الضربة الثانية، أي القدرة على الرد حتى بعد تعرض البلاد لهجوم مباغت، فيما يتيح المكون الجوي مرونة تصعيدية ورسائل سياسية قابلة للمعايرة.
ويعتمد المكون الجوي حاليا على صواريخ (ASMPA-R) المحمولة على طائرات رافال، التي دخلت الخدمة في القوات الجوية الإستراتيجية عام 2023. وفي موازاة ذلك، يجري تطوير صاروخ الجيل الرابع (ASN4G)، وهو صاروخ نووي جو-أرض فرط صوتي مناور، أسندت المديرية العامة للتسليح عقد تطويره إلى شركة “إم بي دي إيه” (MBDA) في يونيو/حزيران 2026، ويُتوقع دخوله الخدمة نحو عام 2035 على متن طائرة رافال “إف 5” (F5).
وتعيد فرنسا بناء قاعدة لوكسوي في شرق البلاد لتكون القاعدة الجوية النووية الرابعة، وقد مُنحت أولى عقود إعادة تأهيلها في يوليو/تموز 2026، على أن تستقبل سربين من مقاتلات رافال “إف 5” بين عامي 2033 و2036.
الردع النووي في الخطاب الرسمي الفرنسي
تاريخيا، أعلن الرئيس نيكولا ساركوزي في خطاب ألقاه في شيربورغ في مارس/آذار 2008 أن الترسانة الفرنسية تضم أقل من 300 رأس نووي، وهو ما أكده ماكرون عام 2020 في خطابه أمام طلاب الكلية الحربية، مع التشديد على مبدأ الشفافية المحدودة. وفي غياب بيانات رسمية منشورة غير هذا السقف، لا يمكن التحقق من حجم الترسانة بدقة. وتقدر أكثر الجهات المعتمدة دوليا، مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، أن فرنسا تمتلك نحو 290 رأسا نوويا، بحسب كتابه السنوي الصادر في يونيو/حزيران 2026.
ويدعم هذا التقدير تقرير نشرته “نشرة العلماء الذريين”، وهي مجلة أمريكية أسسها عام 1945 علماء شاركوا في تطوير القنبلة الذرية الأمريكية. فقد خلص التقرير، الذي أعده الباحثان هانز كريستنسن ومات كوردا مع زميلين لهما في اتحاد العلماء الأمريكيين ونُشر في يوليو/تموز 2025، إلى أن الترسانة النووية الفرنسية لم تتغير كثيرا، ولا توجد مؤشرات موثقة على توسعها.
غير أن هذا المسار شهد في مارس/آذار 2026 تحولا هو الأبرز منذ ثلاثة عقود. ففي خطاب ألقاه يوم 2 مارس/آذار أمام الغواصة النووية “لوتيميرير” (Le Téméraire) في قاعدة “إيل لونغ” البحرية، أعلن ماكرون أنه أمر بزيادة عدد الرؤوس النووية في الترسانة الفرنسية، في أول زيادة منذ عام 1992، منهيا بذلك مسار التخفيض الذي بدأ مع نهاية الحرب الباردة. ولم يقتصر التحول على العدد، إذ أعلن ماكرون أن باريس لن تكشف بعد الآن عن أرقام ترسانتها “لقطع الطريق على أي تكهنات”. وتخلى الخطاب أيضا عن عبارة “الكفاية الصارمة” التي لازمت الأدبيات النووية الفرنسية، وأدرج الأقاليم الفرنسية فيما وراء البحار صراحة ضمن المصالح الحيوية.
وتعود جذور الغموض الإستراتيجي إلى عهد الرئيس شارل ديغول، الذي امتنع عمدا عن تحديد الخطوط الحمراء النووية بدقة، ليبقي الخصوم في حالة عدم يقين. وظل الغموض بشأن حدود “المصالح الحيوية” ثابتا في العقيدة الفرنسية منذ ذلك الحين، وهو ما أكده ماكرون في خطابه الأخير حين قال إن فرنسا لم تحدد هذه المصالح بدقة قط، “عن قصد”.
ولم يكن تحول مارس/آذار 2026 وليد اللحظة، فقد تحدث الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون عن البعد الأوروبي للمصالح الحيوية، إلى أن قال ماكرون صراحة عام 2020 إن “المصالح الحيوية لفرنسا صار لها بعد أوروبي”. ومع تصاعد الضغوط الأمريكية خلال عام 2025 على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي وتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، مثّل الخطاب انتقالا من الطرح السياسي إلى الترجمة العملية لهذا البعد. ومع ذلك، ظل جوهر العقيدة ثابتا، إذ بقي قرار استخدام السلاح النووي حكرا على رئيس الجمهورية، دون أي تقاسم لسلطة الإطلاق أو مساس بالسيادة الوطنية على قوة الردع.
الردع المتقدم.. توسيع للعمق أم تعقيد للنووي؟
ولا يضيف “الردع المتقدم”، كما سماه ماكرون، مكونا جديدا إلى هذه البنية، لكنه يعيد توزيعها في الفضاء الأوروبي. وتقوم فكرته على إشراك دول أوروبية في التدريبات النووية الفرنسية، وإتاحة نشر مؤقت لعناصر من القوات الجوية الإستراتيجية لدى الحلفاء. وقد سمى ماكرون ثماني دول انضمت إلى الحوار بشأن هذا الردع، هي بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك، وقال إن القوات الجوية الإستراتيجية ستتمكن من “الانتشار في عمق القارة الأوروبية”. وهذا التطور ينقل الردع الفرنسي من تمركز وطني صرف إلى انتشار أوروبي موزع، أشبه بـ”أرخبيل من القوات” داخل القارة العجوز.
وقد اتسعت دائرة الشركاء بعد الخطاب. فأعلنت النرويج في مايو/أيار 2026 أنها ستفتح محادثات للانضمام، ثم أعلنت فنلندا في 14 سبتمبر/أيلول انضمامها إلى الردع المتقدم، بعد أن رفعت في يونيو/حزيران حظرا على الأسلحة النووية يعود إلى عام 1987، لتصبح الدولة العاشرة. وأسست باريس مجموعات توجيه نووي ثنائية مع السويد في أبريل/نيسان، وبولندا في يوليو/تموز، وبلجيكا في سبتمبر/أيلول، وهولندا في أكتوبر/تشرين الأول. أما الخطوة العملياتية الأولى فجاءت في 17 يوليو/تموز، حين هبطت مقاتلتا رافال قادرتان على حمل السلاح النووي في قاعدة نورفينيش الألمانية، في أول استضافة لطائرات من هذا النوع على أرض ألمانية، ووصفها إعلان مجلس الدفاع والأمن الفرنسي الألماني بأنها “الخطوة العملياتية الأولى”، ووعد بمشاركة ألمانيا بقوات تقليدية في مناورة نووية فرنسية قبل نهاية العام.
لكن الطريق ليس ممهدا. فبحسب ما نقلته الصحافة الفرنسية عن تقرير لمجلس الشيوخ صدر في أكتوبر/تشرين الأول، لا يزال الردع المتقدم في طور جنيني، ولم تُحدد بعد الترتيبات العملية لعمليات النشر المؤقت. وتنقسم بولندا حوله، فقد قال نائب وزير الدفاع في أغسطس/آب إن بلاده لا تريد رؤوسا نووية على أراضيها، فرد مكتب الرئيس كارول نافروتسكي، الذي يفضل المشاركة النووية الأمريكية على العرض الفرنسي، بأن بولندا تريدها. واستبعد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب من جهته استضافة أسلحة نووية في زمن السلم.
ويتجاوز الجدل الدول العشر. ففي إستونيا، قال رئيس الوزراء كريستن ميخال في سبتمبر/أيلول إن بلاده في نقاش مع باريس، مشيرا إلى أن المبادرة الفرنسية ليست ناديا يكفي أن تطلب الدول عضويته. وفي ليتوانيا، صوت البرلمان في 6 أكتوبر/تشرين الأول، بأغلبية 106 أصوات مقابل 18، على تعديل دستوري يرفع حظر أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية الأجنبية، كي يشارك جيشها مشاركة كاملة في تخطيط الردع النووي للناتو وتدريباته، على أن يُجرى التصويت الثاني في يناير/كانون الثاني 2027. ورد الكرملين بأن هذه الخطوات تنذر “بمزيد من تصعيد التوتر”.
ولهذا الانتشار ثلاث وظائف؛ أولها تعقيد حسابات الخصم، إذ حين لا تكون الأصول الردعية متمركزة في إقليم واحد يصبح استهدافها أصعب، ويزداد عدم اليقين بشأن زمن الرد ومكانه. وثانيها إعطاء الشركاء الأوروبيين إحساسا ملموسا بالارتباط بالقوة النووية الفرنسية، دون التزام قانوني صريح. وثالثها توسيع العمق الإستراتيجي الفرنسي نفسه، بحيث لا يُختزل الدفاع في حماية الإقليم الوطني، بل يمتد ليشمل المجال الجوي الأوروبي.
وتطرح هذه الهندسة النووية أسئلة دقيقة عن طبيعة العتبة النووية نفسها. فهل يفضي نشر عناصر جوية خارج الأراضي الفرنسية إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار، عبر إدخال أطراف أو سياقات سياسية قد تُفسر على أنها خفض غير مباشر لعتبة الاستخدام؟ أم أنه سيوسع هامش المناورة ويعزز الردع التقليدي، بما يسمح بإدارة التصعيد في مراحله الأولى، ويؤخر في الواقع اللجوء إلى النووي؟
وتبعا لهذا الطرح، لم يعد الردع النووي معزولا في طبقة مستقلة، وصار جزءا من بنية متكاملة تتداخل فيها قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي المتعدد الطبقات والضربات التقليدية. والسؤال هنا إستراتيجي قبل أن يكون تقنيا، فهل يمنح الردع النووي عمقا إضافيا للتحكم في مسار الأزمة، أم يزيد تعقيدها في لحظة الاختبار؟
وقد حاول ماكرون في خطابه أن يجيب عن بعض هذه الأسئلة. فالردع المتقدم، كما قال، لا يقدم للحلفاء “ضمانة بالمعنى الدقيق للكلمة”، لأن الضمانة الجامدة “تخفض العتبة النووية” وتبدد حيرة الخصوم التي يقوم عليها الردع أصلا. وأبقى ماكرون على مبدأ قديم في العقيدة الفرنسية، هو “الإنذار النووي الواحد غير القابل للتجديد”، أي ضربة نووية محدودة تقررها فرنسا وحدها، لتبلغ الخصم أن طبيعة الحرب تغيرت، وتترك له “فرصة أخيرة” لاستعادة الردع قبل الضربة الشاملة. وهنا يلتبس موقع الشركاء. فالدولة التي تستضيف طائرات فرنسية قادرة على حمل السلاح النووي قد تصير هدفا في حسابات الخصم، في حين يبقى قرار الإطلاق، ومعه قرار الإنذار، في باريس وحدها.
ولم تتأخر موسكو في الرد. فقد وصفت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الخطة الفرنسية بأنها مزعزعة للاستقرار إلى أقصى حد، وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إنها تثبت ضرورة إدراج الترسانتين الفرنسية والبريطانية في أي محادثات مقبلة لضبط التسلح. ثم توعد السفير الروسي في السويد، في يونيو/حزيران، باتخاذ “كل الإجراءات اللازمة، بما فيها العسكرية التقنية”، ردا على انضمام الدول المجاورة لروسيا إلى المشروع الفرنسي.
من الردع الوطني إلى الردع الأوروبي
أسس “إعلان تشيكرز”، الصادر في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1995، لمرحلة مفصلية في العلاقة النووية بين فرنسا وبريطانيا، إذ أقر الطرفان لأول مرة بأن المصالح الحيوية لإحداهما لا يمكن أن تتعرض للتهديد دون أن تتعرض مصالح الأخرى للخطر بالقدر نفسه. ولا ينشئ هذا الإعلان ردعا مشتركا بالمعنى العملياتي، وإنما يكرس اعترافا سياسيا بتقاطع المصالح الإستراتيجية بين القوتين النوويتين الوحيدتين بين حلفاء أوروبا الغربية.
وتُرجم هذا التقارب لاحقا في معاهدات “لانكستر هاوس”، الموقعة في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، التي أرست تعاونا دفاعيا معمقا، منه برنامج مشترك للمحاكاة النووية يجري فيه البلدان تجارب هيدروديناميكية غير تفجيرية في منشأتين، إحداهما في فالدوك الفرنسية والأخرى في ألدرماستون البريطانية، دون المساس بالسيادة المطلقة لكل دولة على سلاحها النووي. وجسدت هذه الصيغة ما يمكن وصفه بـ”تنسيق دون اندماج”، أي تعاون تقني وإستراتيجي رفيع المستوى من غير قيادة موحدة أو تخطيط نووي مشترك، وهو ما يميز النموذج الفرنسي البريطاني عن نموذج المشاركة النووية الأطلسي القائم على التخطيط الجماعي.
في المقابل، أحيت معاهدة “آخن”، الموقعة في 22 يناير/كانون الثاني 2019، الطموح الفرنسي الألماني لتعميق التكامل الدفاعي، إذ تلزم مادتها الرابعة الدولتين بتقديم كل عون ومساعدة، بما فيها الوسائل العسكرية، إذا تعرضت إحداهما لعدوان مسلح، وتنص على تعزيز التنسيق في الدفاع والأمن. ورغم أن ألمانيا أكدت اعتمادها على المظلة الأطلسية حين قررت في مارس/آذار 2022 شراء مقاتلات “إف-35” الأمريكية لتحل محل طائرات تورنادو في ترتيبات المشاركة النووية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن عام 2026 حمل تحولا في الموقف الألماني. ففي فبراير/شباط، كشف المستشار فريدريش ميرتس في مؤتمر ميونخ للأمن أنه أجرى محادثات سرية مع ماكرون بشأن الردع النووي الأوروبي.
وتُرجم ذلك عمليا يوم خطاب إيل لونغ نفسه، إذ أصدر ماكرون وميرتس إعلانا مشتركا أسس “مجموعة توجيه نووي رفيعة المستوى” بين البلدين، بوصفها إطارا للحوار بشأن العقيدة النووية “يضاف إلى الردع النووي للناتو ولا يحل محله”، ونص الإعلان على خطوات أولى خلال عام 2026، منها مشاركة ألمانيا بقدرات تقليدية في المناورات النووية الفرنسية. وكانت باريس قد وقعت مع لندن في يوليو/تموز 2025 “إعلان نورثوود” (Northwood Declaration)، الذي نص على أن الرادعين الفرنسي والبريطاني مستقلان لكن يمكن تنسيقهما، وعلى أنه لا يوجد تهديد بالغ الخطورة لأوروبا لا يستدعي ردا من البلدين، وأسس مجموعة توجيه نووي مشتركة بينهما. ورغم هذا التقارب المتسارع، لا يعني “أوربة” الردع نقل القرار أو تقاسمه، فهو يظل إطارا تشاوريا إستراتيجيا معمقا لا يمس جوهر السيادة الوطنية.

الردع المتقدم وحلف الناتو
وإذا كان الردع المتقدم يعيد هندسة التمركز والرسائل داخل أوروبا، فإن البعد الأطلسي والدولي هو الامتحان الحقيقي لاستدامته. فالمسألة هنا تتصل بكيفية تموضع العقيدة الفرنسية داخل شبكة التحالفات القائمة، وعلى رأسها الناتو، في ظل التوازنات النووية الكبرى، أكثر مما تتصل بإدارة العلاقة مع الشركاء الأوروبيين.
وقد تأسست العقيدة الفرنسية منذ ستينيات القرن الماضي على مبدأ الاستقلال السيادي في القرار النووي، بدءا من قرار الجنرال ديغول عام 1966 الانسحاب من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف، وصولا إلى عودة فرنسا إلى تلك الهياكل في عهد ساركوزي، وهي عودة أعلنها في مارس/آذار 2009 ورحب بها الحلفاء في قمة ستراسبورغ-كيل في أبريل/نيسان من العام نفسه. ويجعل الدستور الفرنسي رئيس الجمهورية ضامنا للاستقلال الوطني (المادة 5) وقائدا أعلى للقوات المسلحة (المادة 15)، فيما تمنحه مراسيم متتالية، أولها عام 1964، سلطة الأمر باستخدام القوات النووية وحده.
ولا تشارك فرنسا في “مجموعة التخطيط النووي” التابعة للناتو، التي يقوم عليها التخطيط النووي المشترك في الحلف، وهي العضو الوحيد خارجها. وقد خلق هذا الاستثناء مساحة تمايز واضحة بين المقاربة الفرنسية والنموذج الأمريكي للضمانة النووية، دون أن يمس التزام فرنسا داخل الحلف. إلا أن التحول الحالي في العقيدة الفرنسية يضع هذه المساحة أمام اختبار مباشر.
فحين تُطرح فكرة تعميق البعد الأوروبي للردع الفرنسي، يفرض نفسه سؤال عما إذا كان هذا المسار تعزيزا لتقاسم الأعباء داخل الحلف، أم خطوة نحو استقلالية قد تضعف مركزية الردع الأمريكي. فمن زاوية أولى، يمكن تفسير الردع المتقدم استجابةً أوروبية لمطلب أمريكي متجدد بزيادة مساهمة الحلفاء في أمنهم. ومن زاوية أخرى، بات يُفهم علنا تأسيسا لطبقة ردعية موازية، و”خطة ب” (Plan B) عملياتية تؤمّن أوروبا بشكل مستقل.
في المقابل، تؤكد باريس أن قدراتها النووية تسهم في الردع الشامل للحلف دون أن تخضع لقيادة أطلسية. وهو ما أكده ماكرون في خطابه بالكلية الحربية في 7 فبراير/شباط 2020، حين شدد على أن الردع الفرنسي ذو بعد أوروبي لكنه يظل وطنيا في القرار والاستخدام، وهذا ينسجم مع المفهوم الإستراتيجي للناتو المعتمد في قمة مدريد في يونيو/حزيران 2022، الذي يقر بأن القوتين النوويتين البريطانية والفرنسية تسهمان إسهاما كبيرا في أمن الحلف.
وتقوم هذه العلاقة على ثلاثة توازنات دقيقة، أولها احتكار الرئاسة الفرنسية قرار الاستخدام النووي دون المساس بوحدة ردع الحلف، وثانيها اعتبار الردع الفرنسي مكونا مكملا لمنظومة الناتو دون دفعه نحو منطق سباق التسلح، وثالثها امتناع فرنسا عن الانخراط في آليات التخطيط النووي الجماعي. وهذه المعادلة سياسية بامتياز، وهي التي ستحدد إن كان الردع المتقدم سيُقرأ عامل استقرار أم عنصرا إضافيا يعقد البيئة الإستراتيجية الدولية.
وقد اشتد هذا الاختبار في الأشهر الأخيرة. فأعلنت وزارة الحرب الأمريكية في مايو/أيار 2026 سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، وأطلق الوزير بيت هيغسيث في يونيو/حزيران مراجعة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، محذرا من أن واشنطن ستقدم للحلف قوات أقل في الأزمات. ثم جاء إعلان قمة الناتو في أنقرة، في يوليو/تموز، خاليا من أي ذكر للقوتين النوويتين البريطانية والفرنسية أو لترتيبات المشاركة النووية، مكتفيا بالقول إن الردع يقوم على “مزيج مناسب” من القدرات النووية والتقليدية والدفاع الصاروخي، وإن أوروبا “تتحمل مسؤولية أكبر”.

الطبقات غير النووية في هندسة الردع
ويُطرح الإنذار المبكر الفضائي والدفاع الجوي والصاروخي بوصفهما عنصرين مكملين في هندسة الردع الأوروبية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 وقعت فرنسا وألمانيا خطاب نوايا لإطلاق مبادرة “جيويل” (JEWEL)، وهي منظومة أقمار صناعية في المدار الثابت ترصد بالأشعة تحت الحمراء إطلاق الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، وتسلم تتبعها إلى رادارات أرضية، على أن ترتبط بمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة للناتو. ويُفترض أن تبني كل دولة قمرا أو قمرين، وأن تبلغ المنظومة قدرتها الأولى مطلع ثلاثينيات القرن، لتمنح أوروبا قدرة إنذار مبكر تعتمد فيها اليوم على الولايات المتحدة.
ولم يعد الردع معادلة ضربة مقابل ضربة، فقد صار شبكة دفاعية متدرجة يظل فيها السلاح النووي عنصرا مركزيا، لكنه محاط بشبكات أخرى تُبنى على التعاون العسكري، مثل التعاون الفرنسي الإيطالي في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي “سامب/تي” (SAMP/T)، التي ينتجها تحالف “يوروسام” المؤلف من فرعي شركة “إم بي دي إيه” (MBDA) الأوروبية في فرنسا وإيطاليا ومن شركة “تاليس” (Thales) الفرنسية، تحت إشراف المنظمة المشتركة للتعاون في مجال التسلح (OCCAR). وتطلق المنظومة صواريخ “أستر 30” لاعتراض الطائرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية التكتيكية.
وقد أسفر هذا التعاون عن تسليم بطارية من “سامب/تي” إلى أوكرانيا عام 2023، أعلن ماكرون في 19 يونيو/حزيران من ذلك العام أنها صارت منتشرة وعاملة. ويوضح هذا المثال التحول في التفكير الإستراتيجي الفرنسي والأوروبي، فالدول باتت تنحو إلى بناء منظومة متعددة الطبقات، من الإنذار المبكر إلى الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات بعيدة المدى، ثم اللجوء إلى الخيار النووي في أقصى الحالات. والهدف تقليل احتمالات الوصول إلى الردع النووي، لا استبداله، عبر اعتراض التهديدات مبكرا، وإبطاء مسار التصعيد، ومنح القيادة السياسية وقتا إضافيا لاتخاذ القرار.

الردع الفرنسي في معادلة تقاسم الأعباء
يشكل الإنفاق الدفاعي أحد أهم المفاتيح الصامتة لفهم العقيدة النووية الفرنسية، فهو يعكس حجم الموارد المخصصة للردع، ويعكس معه موقع فرنسا داخل معادلة تقاسم الأعباء الأطلسية. ويتخذ هذا التقاسم في الحالة الفرنسية شكلا مختلفا، فباريس تتحمل كلفة ردعها كاملة، ويُحتسب هذا الردع سياسيا ضمن معادلة الأمن الأطلسي، في حين لا يوجد أي تقاسم للقرار أو القيادة.
ويُعد قانون البرمجة العسكرية الفرنسي 2024-2030، الذي أُقر نهائيا في 13 يوليو/تموز 2023 ونُشر في الجريدة الرسمية في 1 أغسطس/آب 2023، نقطة تحول مفصلية، إذ رفع الغلاف الإجمالي للإنفاق الدفاعي إلى 413 مليار يورو (نحو 446 مليار دولار) على سبع سنوات، بزيادة 118 مليار يورو (نحو 127 مليار دولار) على قانون البرمجة السابق 2019-2025، الذي بلغ 295 مليار يورو (نحو 319 مليار دولار). ثم عُدل القانون في أغسطس/آب 2026 بإضافة 36 مليار يورو للفترة بين عامي 2026 و2030، ليرتفع الغلاف إلى نحو 436 مليار يورو، وتصل الميزانية الدفاعية السنوية إلى 75.7 مليار يورو عام 2030.
ويرتبط جزء مهم من الزيادة بتعويض التضخم، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية، وإعادة تسعير البرامج الصناعية الكبرى، خصوصا في المجالين النووي والفضائي. ولا تُقرأ هذه القفزة المالية استجابة ظرفية لبيئة دولية مضطربة، فهي خيار هيكلي يؤكد أن الردع النووي يظل حجر الزاوية في تصور فرنسا لأمنها القومي.
فقانون 2024-2030 بيان إستراتيجي صريح أكثر منه إطارا ماليا، إذ لا تنظر فرنسا إلى ردعها النووي باعتباره أداة ظرفية، وإنما بنية طويلة الأمد تتطلب تحديثا تكنولوجيا متواصلا واستدامة صناعية واستثمارا بشريا وعلميا يمتد لعقود. وقد تجاوزت فرنسا عام 2024 عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وهو التعهد الذي قطعه الحلفاء في قمة ويلز عام 2014، ويقدر الناتو أن النسبة الفرنسية ستبلغ 2.22% عام 2026. لكن الحلف رفع السقف في قمة لاهاي في يونيو/حزيران 2025 إلى 5% بحلول عام 2035، منها 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي، في حين يضع القانون الفرنسي المعدل هدفا بأن يبلغ المجهود الدفاعي 2.5% على الأقل بحلول عام 2030.
غير أن الجزء المتعلق بالردع النووي يحتفظ بخصوصيته، إذ يمثل الإنفاق عليه تقليديا بين 12% و15% من ميزانية الدفاع السنوية، وقد بلغ نحو 7 مليارات يورو عام 2025، أي قرابة 13% من الميزانية، ونحو 7.4 مليارات يورو عام 2026 بحسب وزارة الجيوش، التي تصف هذه النسبة بأنها مستقرة نسبيا. ومع إعلان مارس/آذار 2026، صارت هذه المخصصات قاعدة انطلاق لتمويل الزيادة الجديدة في الرؤوس الحربية. ففرنسا، بخلاف عدد من الحلفاء، تحافظ أصلا على مستوى إنفاق مرتفع نسبيا مقارنة بالمتوسط الأوروبي، بحكم كونها قوة نووية مستقلة، وهو ما يمنحها البنية التحتية اللازمة لتمويل “الردع المتقدم” وتحمل أعباء المظلة النووية الجديدة كاملة.
وتمضي ميزانية 2027 في الاتجاه نفسه، إذ يرفع مشروع قانون المالية الذي قدمته الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 مخصصات الدفاع بـ6.5 مليارات يورو إلى 63.4 مليار يورو، ومخصصات الردع النووي إلى 7.9 مليارات يورو، بزيادة نحو 9%. غير أن هذه الأرقام معلقة على وضع سياسي هش، فحكومة سيباستيان لوكورنو لا تملك أغلبية برلمانية، وأكثر من ثلثي الزيادات المقررة في قانون البرمجة مرهون بخيارات ما بعد الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027. ويعارض حزب التجمع الوطني، الذي أبقى حكم الاستئناف في يوليو/تموز زعيمته مارين لوبان مؤهلة للترشح، “أوربة” الردع الفرنسي، فيصير مستقبل الردع المتقدم نفسه رهنا بهوية ساكن الإليزيه المقبل.
ولم يكن هذا الاعتراض جديدا. ففي مارس/آذار 2025، حين لمح ماكرون أول مرة إلى توسيع المظلة الفرنسية، قالت مارين لوبان إن حديث الرئيس عن تقاسم القوة النووية الفرنسية “عار حقيقي”، وأعلنت معارضة حزبها له. وهنا يواجه الشركاء الأوروبيون سؤالا لا يملك ماكرون جوابه، وهو هل يلتزم الرئيس المقبل بما وعد به سلفه. فالعقيدة التي تحصر القرار النووي في يد الرئيس وحده تجعل الردع المتقدم، بالمنطق نفسه، معلقا بإرادة رئيس واحد.
الإرث النووي الفرنسي
لا يمكن فهم موقع فرنسا داخل منظومة ضبط التسلح دون التوقف عند تجاربها النووية، لأنها اللحظة التأسيسية لردعها، ثم نقطة التحول في شرعيتها الدولية. فقد أجرت فرنسا أول تجربة نووية يوم 13 فبراير/شباط 1960 في منطقة “رقان” بالصحراء الجزائرية، تحت اسم “اليربوع الأزرق” (Gerboise Bleue). وكان الهدف سياسيا قبل أن يكون تقنيا، وهو تثبيت موقع فرنسا قوةً نووية مستقلة لا تعتمد على المظلة الأمريكية.
وأجرت فرنسا 17 تجربة في الجزائر بين عامي 1960 و1966، أربع منها جوية في رقان و13 تحت الأرض في عين إيكر، واستمرت هذه التجارب أربع سنوات بعد استقلال الجزائر عام 1962، قبل أن تُنقل إلى بولينيزيا الفرنسية، حيث أُجريت 193 تجربة في جزيرتي موروروا وفانغاتوفا بين عامي 1966 و1996. وتخلت فرنسا عام 1974 عن التجارب الجوية لصالح التجارب تحت الأرض، وبلغ مجموع تجاربها 210 تجارب.
وسُجل تحول حاسم في منتصف التسعينيات، حين قرر الرئيس شيراك إجراء سلسلة أخيرة من ست تجارب بين سبتمبر/أيلول 1995 ويناير/كانون الثاني 1996، أريد منها التحقق النهائي من تصاميم الرؤوس النووية قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. وفي 29 يناير/كانون الثاني 1996 أعلن شيراك الوقف النهائي للتجارب النووية الفرنسية، ثم وقعت فرنسا في سبتمبر/أيلول من العام نفسه معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وصادقت عليها عام 1998. ولم يكن إنهاء التجارب تخليا عن الردع، فقد كان تغييرا في أدوات الحفاظ عليه.
فقد انتقلت باريس إلى برنامج للمحاكاة النووية تديره مفوضية الطاقة الذرية، يعتمد على الحواسيب الفائقة، ومنشأة التصوير الإشعاعي “إيبور” (EPURE) في فالدوك، وليزر “ميغاجول” قرب بوردو. وهذه المنشآت لا تفجر قنابل، وإنما تعيد إنتاج ظروف الضغط والحرارة المرتبطة بالانفجار في بيئة مخبرية مضبوطة، وتفحص سلوك المواد النووية مع مرور الزمن، لضمان بقاء الرؤوس الموجودة فعالة وآمنة، وللتصديق على الرؤوس الجديدة، مثل “تي إن أو 2″، دون تفجير.

وبقي ملف التجارب النووية حساسا، إذ أثارت الاختبارات في بولينيزيا الفرنسية احتجاجات دولية واسعة واتهامات بتداعيات صحية وبيئية. وأقرت فرنسا عام 2010 قانونا للتعويض، معترفة بإمكانية وجود آثار صحية لبعض المتضررين. إلا أن الجدل لم يُغلق بالكامل، ولا يزال موضوعا للنقاش القانوني والحقوقي في بولينيزيا، كما يعكر صفو العلاقات الجزائرية الفرنسية.
وعاد الملفان إلى الواجهة في الأشهر الأخيرة. ففي بولينيزيا، أقر مجلس الشيوخ الفرنسي بالإجماع في مايو/أيار 2026 مشروع قانون يستبدل بعتبة الإشعاع المعتمدة في التعويض “قرينة قاطعة” على التعرض، بعد أن أقرته الجمعية الوطنية بالإجماع في يناير/كانون الثاني، ولا يزال بانتظار قراءة ثانية. وفي الجزائر، أقر البرلمان في ديسمبر/كانون الأول 2025 قانونا يجرم الاستعمار الفرنسي ويطالب بتطهير مواقع التجارب والتعويض الكامل عنها، ثم بدأت الجزائر في فبراير/شباط 2026 تطهير موقع عين إيكر بنفسها، متهمة باريس برفض تسليم خرائط النفايات المدفونة وأرشيفها.
ويتمحور النقاش اليوم حول سؤال تقني وإستراتيجي، هو هل تكفي المحاكاة لضمان مصداقية الردع على المدى الطويل. فالرهان الفرنسي يقوم على أن التكنولوجيا المتقدمة تسمح بالحفاظ على الجاهزية دون العودة إلى التفجيرات. لكن هذا الرهان صار أكثر هشاشة منذ أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، باستئناف التجارب النووية “على قدم المساواة” مع الآخرين، وهو خيار قال مسؤول في إدارته في أبريل/نيسان 2026 إنه لا يزال مطروحا، وإن لم تُجر واشنطن ولا موسكو أي تجربة تفجيرية حتى الآن. فإن عادت قوى كبرى إلى التجارب الفعلية، ومع دخول فرنسا عصر “الأرخبيل النووي” وزيادتها ترسانتها، قد يُعاد فتح النقاش سياسيا، بما يضطر فرنسا، وأوروبا من ورائها، إلى التكيف مع تحديات جديدة ومواكبة تطور قدرات الخصوم.
وفي المسافة بين بدايات هذا الردع وحاضره تتضح مفارقة يغفلها الخطاب الرسمي. فالقنبلة التي تعرضها باريس اليوم درعا لعشر دول أوروبية وُلدت في رمال رقان، واختُبرت في عين إيكر وموروروا، دون أن يُسأل أهل هذه الأرض. وبينما تفتح فرنسا قواعدها ومناوراتها لشركائها في الشمال، لم تسلم الجزائر حتى اليوم خرائط النفايات النووية المدفونة في صحرائها، وهو ما دفع النائبة الفرنسية صابرينا صبايحي إلى مطالبة وزارة الجيوش في مارس/آذار 2026 برفع السرية عنها. وفي بولينيزيا، لا يزال قانون التعويض الجديد معلقا في البرلمان، بعد ستين عاما على أول تجربة في المحيط الهادئ.
ولا تبدو هذه المفارقة تفصيلا أخلاقيا على هامش الإستراتيجية. فماكرون يبني ردعه الجديد على “مصالح حيوية” تتسع لتشمل القارة كلها، في حين تبقى مصالح من دفعوا ثمن بنائه الأول خارج الحساب. والسؤال الذي تواجهه باريس اليوم عن الثقة التي تطلبها من شركائها، سبقها إليه الجزائريون والبولينيزيون منذ عقود، ولم يتلقوا جوابا بعد.
