تعيد الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات والذكاء الاصطناعي تشكيل تصورات القتال في المحيط الهادي، وتعيد معها طرح أسئلة القواعد والمسافات والإمداد.

ففاعلية المقاتلة ترتبط بحماية مواقع انطلاقها، وقيمة المسيّرة تتوقف على قدرتها على التنسيق تحت التشويش، ونجاح الإنزال يحتاج إلى دفاع وإسناد يواكبان القوات. وفي التصورات الأمريكية والنقاشات الصينية، يبرز التكامل معياراً لتحويل القدرات المتقدمة إلى قوة قابلة للاستخدام والاستمرار.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

وتكشف تقارير الصحافة الصينية مقاربات مختلفة لهذا التحدي المتمثل في انتشار بري يدعم العمليات الجوية والبحرية، وشراكة بين الطيار والأنظمة الذاتية، ومراجعة لأولويات الاستثمار، وتدريب برمائي يجمع الدفاع والإمداد.

جندي أمريكي يستعد لإطلاق النار باستخدام نظام مشاة البحرية الأمريكي المتكامل للدفاع الجوي (غيتي)

البر داخل المعادلة البحرية

وبحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، شدد الجنرال رون كلارك، قائد الجيش الأمريكي في المحيط الهادي، على أن سطوة المسافة تصعّب الاعتماد على القوات الجوية والبحرية وحدها.

ففي تصور كلارك الذي يقود أكثر من 107 آلاف عسكري ينتشرون في أراضٍ أمريكية بالمحيط الهادي؛ ودول حليفة من بينها اليابان وكوريا الجنوبية مع انتشار دوري في الفلبين، أن السيطرة على الأرض والإمداد والدفاع الجوي والصاروخي هي شروط استخدام القدرات المتقدمة للقوات المشتركة.

وتأتي هذه الرؤية في مواجهة ما يسميه المخططون الأمريكيون “منع الوصول أو حرمان المنطقة”، أي القدرات الرامية إلى إبعاد الخصم عن مناطق إستراتيجية وتقييد حركته داخلها.

ونقلت الصحيفة عن جوشوا أروستيغي، رئيس دراسات الصين ومدير الأبحاث في مركز دراسات القوة البرية الصينية بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، أن انتشار الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى والأنظمة الجوية غير المأهولة يدفع الجيش نحو تكييف قدراته للعمل كقوة داخلية أساسية، تتولى إحداث اختراقات انتقائية في شبكات الخصم لتمكين بقية القوات من التحرك.

CINCU, ROMANIA - FEBRUARY 9: NATO soldiers use a High Mobility Artillery Rocket System (HIMARS) launcher on February 9, 2026 in Cincu, Romania. Dynamic Front 26 is the largest U.S. Army-led artillery exercise ever held in Europe. It brings together NATO allies to practice the Eastern Flank Deterrence Line strategy, focusing on high-tech coordination across land, air, sea, and cyber domains. The exercise will test how quickly troops can make decisions and strike targets across national borders, by using live-fire drills at sites like Romania's Cincu Training Area. The exercise is running from January 26 until February 13, 2026. (Photo by Andrei Pungovschi/Getty Images)
يستخدم جنود من حلف الناتو نظام صواريخ المدفعية “هيمارس” في أكبر تدريبات في أوروبا (غيتي)

وتعطي الصواريخ بعيدة المدى هذا الدور بعداً هجومياً، فقد رأت ليزلوت أودغارد، الباحثة البارزة في معهد هدسون بواشنطن، أن منظومات مثل “تايفون” و”هيمارس” تخلق محاور تهديد متعددة، وترفع -في تقديرها- كلفة التحرك الصيني وراء سلسلة الجزر الأولى أو ضد تايوان.

وعلى مستوى الانتشار، قال الجنرال كزافييه برونسون، قائد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، إن التحالفات تتيح مواقع موزعة تمنح واشنطن ميزة إستراتيجية في حماية أصولها الحيوية.

غير أن توزيع المواقع يفتح بدوره ملف حمايتها واستدامتها، وفي هذا الإطار يقول أروستيغي أن الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل ربما يكون أهم مساهمة إستراتيجية للجيش في المنطقة، نظراً إلى إمكانية تعرض المنشآت الثابتة للصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والصواريخ الفرط صوتية، فإن البر يصبح ركيزة للعمليات البحرية والجوية، فيما تتوقف فاعلية هذه الركيزة على قدرتها على الصمود والإمداد.

إس. تاكر براون:

قصور الإدراك ومحدودية بيانات التدريب والخداع المعادي قد تضعف الذكاء الاصطناعي التكتيكي، كما قد يزيد ربط المسيّرات بالمقاتلات عبء الطيار، ويعرّض عُقد القيادة للتشويش والهجوم

المسيّرة واختبار التنسيق

أما في الجو، فتتجه محاولة توسيع القوة نحو الجمع بين الطيار والأنظمة الذاتية، وينقل تقرير لغابرييل هونرادا نشره موقع آسيا تايمز عن موقع “ذا وور زون”، استناداً إلى القوات الجوية الأمريكية وشركة “أندوريل”، نجاح طيار مقاتلة من طراز “إف-22 رابتور” تابعة لسلاح الجو الأمريكي لأول مرة في التحكم في طائرة مقاتلة مسيّرة من طراز “واي إف كيو-44 إيه فيوري” من قمرة القيادة.

وقام الطيار الذي كان بمثابة قائد جوي، بنقل خطط المهمة المُحدّثة والتوجيهات التكتيكية رفيعة المستوى عبر وصلة البيانات، والتي ترجمها برنامج التشغيل الذاتي المُدمج في الطائرة المسيرة إلى مناورات طيران ديناميكية ومحاكاة مهام قتالية في الوقت الفعلي.

وتمثل التجربة خطوة في برنامج الطائرات القتالية المشتركة، الذي يستهدف أسطولاً تشغيلياً أولياً يضم 500 طائرة على الأقل بحلول 2032، وتقوم الفكرة على زيادة الكثافة القتالية وفرص البقاء، باستخدام مسيّرات تحمل مستشعرات وأسلحة ووسائل تشويش وخداع، وتتقدم المقاتلات المأهولة في بعض المهام. وينسب موقع آسيا تايمز هذا التصور إلى الخبير الأمريكي مارك غانزينغر ومؤلفين مشاركين في تقرير لمعهد ميتشل.

UNDISCLOSED LOCATION, SOUTH KOREA - FEBRUARY 01: In this handout image released by the South Korean Defense Ministry, U.S. Air Force B-1B bombers (R), F-22 fighter jets and South Korean Air Force F-35 fighter jets (bottom) fly over South Korea Peninsula during a joint air drill on February 01, 2023 at an undisclosed location in South Korea. South Korea and the United States staged combined air drills, involving B-1B strategic bombers and F-22 and F-35B stealth fighters from the U.S. Air Force, in a show of Washington's "will and capabilities" against North Korean threats, Seoul's defense ministry said. North Korea said it will take the "toughest reaction" to any U.S. military action in response to the U.S. defense chief's latest pledge to deploy more strategic assets to the Korean Peninsula to ensure its security commitment. (Photo by South Korean Defense Ministry via Getty Images)
تدريبات جوية مشتركة بين القوات الأمريكية والقوات الكورية الجنوبية (غيتي)

لكن نجاح التحكم أثناء الاختبار يترك أسئلة مفتوحة بشأن الأداء تحت التشويش والضغط القتالي، فقد نقل الموقع عن برايان كلارك، الباحث البارز في معهد هدسون، قوله إن محاكاة حرب كشفت عيوبا تشغيلية تتعلق بسهولة رصد المسيّرات مقارنة بالمقاتلات الشبحية، وعدم التوافق في السرعة والمدى، وارتفاع التكلفة عند تزويدها بمستويات مماثلة من التخفي والاستشعار.

ويضيف التقرير، نقلاً عن مقال الباحث العسكري إس. تاكر براون ومؤلفين مشاركين في دورية “إيثر”، أن قصور الإدراك ومحدودية بيانات التدريب والخداع المعادي قد تضعف الذكاء الاصطناعي التكتيكي، كما قد يزيد ربط المسيّرات بالمقاتلات عبء الطيار، ويعرّض عُقد القيادة للتشويش والهجوم. بذلك تصبح موثوقية التنسيق عنصراً حاسماً في جدوى الشراكة، إلى جانب قدرات كل طائرة وكلفتها.

وتعيد هذه الشراكة مشكلة القواعد إلى الواجهة، ويعرض غانزينغر تصوراً لتشغيل مسيّرات من طرق ومدارج قصيرة ومواقع محدودة التجهيز، لتخفيف الاعتماد على المنشآت المركزية. إذ يلفت تقرير آسيا تايمز إلى أن نجاح التوزيع يفترض توليد طلعات أسرع من قدرة الصين على استكمال سلسلة الرصد والاستهداف، فالانتشار يشتت الأهداف، لكنه يحتاج إلى إمداد وتشغيل سريعين في مواقع متفرقة.

تدريبات قتالية صينية في البحر
تدريبات قتالية صينية في البحر (حساب “ويشات” الرسمي لقيادة المسرح الجنوبي لجيش التحرير الشعبي الصيني)

الاستثمار في الفجوة العملياتية

وتمنح هذه القيود النقاش الصيني حول مشروع أطلقته وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لتقييم الحروب المستقبلية أهمية تتجاوز التكنولوجيا ذاتها، فبحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، يستهدف مشروع “ميريديان” تحديد احتياجات ساحات القتال المستقبلية وترتيب الاستثمار في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والروبوتات.

ودعا معهد “الجيش الأزرق لأبحاث استخبارات المصادر المفتوحة” في بكين -وهو مركز أبحاث يُعنى بتحليل التطورات العسكرية والتكنولوجية- إلى الاستفادة من ربط التقييم التقني بالمتطلبات العملياتية، وأوصى بتقييم القدرات المشتركة، مع فحص ثغرات تبادل البيانات والاتصالات وتوافق الأنظمة والدعم اللوجستي، بدلاً من حصر التقييم في أسلحة أو أفرع منفردة.

وبحسب الصحيفة، فقد اقترح المعهد أن تحدد كل توصية استثمارية الاحتياج الذي تلبيه، والفجوة القائمة، ونضج التقنية، والجهة المسؤولة، وشروط الاختبار والتمويل. كما اقترح إنشاء آلية تقييم ذات مسارين: الأول يعتمد على المراقبة المستمرة للتطورات التكنولوجية العالمية، والثاني يركز على مراجعات محددة زمنياً لمعالجة فجوات معينة في القدرات العسكرية.

بين الحركة والاستدامة

على الجانب الصيني، يقدم التدريب البرمائي صورة عملية لبعض متطلبات التكامل، فقد نقلت صحيفة غلوبال تايمز عن تلفزيون الصين المركزي وقيادة المسرح الجنوبي مشاركة أربع سفن إنزال من طراز “071” في تدريب بالذخيرة الحية، شمل تغيير التشكيل والاشتباك مع أهداف جوية وتدريباً يحاكي إعادة الإمداد.

وبحسب القناة العسكرية للتلفزيون، فإن وظائف هذه السفن تشمل نقل المركبات ووسائط الإنزال، والعمل كقاعدة مؤقتة للاقتحام والإمداد ومستشفى ميدانياً.

ونقلت الصحيفة عن وانغ يون فيه، الخبير الصيني في الشؤون العسكرية، تصوراً لتكامل مستقبلي بين السفن من طراز “071” لنقل المدرعات، وطراز “075” للإنزال العمودي بالمروحيات، وطراز “076” لحمل مزيد من المسيّرات، مما يجعل هذه الأنواع الثلاثة متكاملة تكتيكياً.

وتشير غلوبال تايمز إلى أن الظهور العلني لمروحيات بحرية من طراز “زد-20 جيه” على أسطح سفن الهجوم البرمائي من طراز “075” يعدّ مؤشراً واضحاً على دمج هذا الجيل الجديد من المروحيات متعددة الأغراض ضمن التشكيلات الأساسية للعمليات البرمائية التابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني، وهو ما يمثل ترقية جوهرية لمنظومة الحرب البرمائية في الصين.

وتخلص التقارير إلى أن هذه المقاربات تلتقي بربط تجاوز المسافة عبر منظومة قادرة على العمل تحت الضغط؛ تشمل قواعد محمية، وإمداداً مستمراً، واتصالات موثوقة، وقدرات تتناسب كلفتها مع مهامها.

وتتيح التجارب والتدريبات والمحاكاة فحص أجزاء من هذه المنظومة بدرجات متفاوتة، أما الحكم على فاعليتها المتكاملة في مواجهة واسعة، فيظل أبعد مما تثبته الوقائع المعروضة؛ فالفارق بين امتلاك الأدوات وتحقيق القوة يكمن في قدرة الترابط بينها على الصمود.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل