طهران – في شارع نجات اللهي القريب من ساحة فردوسي وسط طهران، حيث تتكدس مكاتب السياحة والسفر، يدخل كيوان مكتبا تلو الآخر بحثا عن تذكرة إلى العاصمة الأرمينية يريفان ليواصل من هناك رحلته إلى دبي التي أغلقت سماءها مؤخرا على الطيران الإيراني جراء الحصار الجوي الأمريكي.

كيوان الذي تبين أنه جاء إلى طهران من مدينة “بندر عبارس” على الضفة الشمالية من المياه الخليجية، يوضح أنه كان كثير السفر بين مدينته ودولة الإمارات عبر مسار بحري تعطل مؤخرا بسبب تدهور العلاقات السياسية بين البلدين، مؤكدا أنه يحمل إقامة إماراتية منذ سنوات عقب تسجيله شركة تجارية هناك، وأن الذين لا يحملون إقامة يواجهون مشكلة كبرى بسبب صعوبة الحصول على تأشيرة في الوقت الراهن.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وبعد أن حصل على تذكرة لليوم التالي، لم يشعر كيوان (59 عاما) بالارتياح؛ إذ يبقى احتمال إلغاء الرحلة قائما حتى لحظة الإقلاع، وقد يضطر إلى حجز رحلة إلى إحدى مدن شمال غربي بلاده حيث الحدود الشمالية، ثم قطع المسافة المتبقية برا كما فعل زميله الأسبوع الماضي.

خريطة سفر جديدة

لم تكن رحلة كيوان مجرد قصة مسافر يبحث عن تذكرة، بل صورة مصغرة عن خريطة الخروج الجديدة التي فرضها الحصار الجوي على الإيرانيين، إذ اختفت وجهات كثيرة من خريطة سفرهم مع اكتمال حلقة العقوبات على القطاع الجوي الإيراني في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، ما حول المغادرة إلى ما يشبه معركة يومية لآلاف الراغبين بزيارة الدول الأخرى.

وفي مشهد يختصر خريطة العزلة التي فرضها هذا الحصار، تراجع عدد رحلات الخروج بمطار الإمام الخميني إلى 7 وجهات فقط في بعض الأيام، تشغلها جميعا شركات طيران إيرانية وتتوزع بين مدن إقليمية وأخرى شرقية، مما أدى إلى نفاد مقاعد الرحلات القليلة المتبقية من وإلى طهران، وهي تواجه ضغطا هائلا وأسعارا جنونية، فتحولت المسارات المتبقية -بما فيها المنافذ البرية- إلى ملاذ أخير لشريحة كبيرة من الإيرانيين.

وأصبح الخروج برا خيارا مفضلا للكثير من الإيرانيين، لأن البلاد ترتبط بـ7 من دول الجوار عبر حدود برية مشتركة تمتد على طول 6 آلاف كيلومتر، بيد أن تكلفة السفر برا ارتفعت هي الأخرى، ناهيك عن ارتفاع نفقات الإقامة على الحدود والانتظار، وفق الشابة ميترا (28 عاما) وهي طالبة في إحدى الجامعات الأوروبية.

وتوضح ميترا للجزيرة نت: “كنت أسافر منذ سنوات إلى تركيا جوا كهمزة وصل بين مطارات إيران والدول الأوروبية، لكن أسعار رحلة طهران-إسطنبول ارتفعت خلال الأشهر القليلة الماضية نحو 300% مما يدفعني إلى الذهاب إليها برا لتوفير الأموال، لأن الشركات المحلية التي باتت تسطير على السوق بشكل كامل رفعت الأسعار مستفيدة من غياب المنافسة الأجنبية”.

الإيرانيون يواجهون مشكلة حادة في الخروج من البلاد عقب الحصار الجوي الأمريكي (الجزيرة)

تأثيرات الحصار الجوي

من جانبه، يقول حميد خليلي بناه، وهو صاحب شركة للسياحة والسفر، إن تأثير الحصار الجوي لا يقتصر على التجار وطلبة الجامعات، بل يمتد إلى المرضى والمسافرين العاديين الذين تتقلص خياراتهم للسفر مع اتساع القيود المفروضة على شركات الطيران الإيرانية.

وأكد للجزيرة نت أن العقوبات أدت إلى تعطل رحلات طبية لمرضى كانوا يسافرون للعلاج في الخارج في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من أزمة دواء خانقة.

وتابع خليلي بناه: “بلدنا اليوم لا يملك سوى 4 دول يمكنه الطيران إليها بشكل مستمر ومستقر: تركيا والعراق وروسيا والصين”، مضيفا أن هناك رحلات إلى دول أخرى، لكنها تنطلق كل بضعة أيام أو بأعداد قليلة، و”لا يمكن الاعتماد عليها”.

ولفت إلى أنه “مقارنة بما قبل الحصار الجوي، تراجع عدد الرحلات من وإلى المطارات الإيرانية بشكل هائل، حتى إن المسافر إلى كثير من دول العالم بات مضطرا للسفر أولا إلى إحدى هذه الدول الأربع المحدودة، لا سيما الجارتين الغربيتين العراق وتركيا، ثم الطيران من هناك إلى وجهته النهائية”.

ويشرح خليلي بناه أن هذا الوضع يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار وإلى إطالة زمن الرحلة وربما مضاعفته عدة مرات، ناهيك عن المتاعب التي يواجهها المسافرون. وكشف أنه في كثير من الأحيان، بسبب تأخر إحدى الرحلات أو إلغائها، لا يلحق المسافر برحلته التالية، فيتحمل خسائر كبيرة، مؤكدا أن “ضغط الحصار الجوي يقع على الشعب أكثر من غيره، فالمواطن العادي هو من يدفع الثمن في الوقت والمال والفرص”.

ويقول إن المرضى والأكاديميين وطلاب الجامعات الأجنبية وحتى الطلبة الأجانب في الجامعات الإيرانية هم الأكثر معاناة، موضحا: “لدينا أعداد كبيرة من الطلاب الإیرانيين يدرسون في الجامعات الأوروبية التي تعتبر دولها وجهتهم الأولى، ثم كندا التي كانت نقطة جذب كبيرة خلال السنوات الماضية”، عازيا السبب الأساسي وراء زيادة أسعار تذاكر الطيران إلى ارتفاع سعر العملة الصعبة بطهران.

إحدى شركات السياحة والسفر بطهران تغلق أبوابها عقب الحصار الجوي (الجزيرة)
إحدى شركات السياحة والسفر بطهران تغلق أبوابها عقب الحصار الجوي الأمريكي (الجزيرة)

رفض العودة

في المقابل، تقول مهسا مطهر الناشطة في القطاع السياحي الإيراني، التي كانت تعمل في استقدام المسافرين إلى بلادها وتسيير حملات سياحية إلى الخارج، إنه بعد الحصار الجوي الأخير، لم يعد تقريبا أي مسافر أجنبي يدخل إيران سوى أعداد محدودة جدا لا تتجاوز أصابع اليدين.

وأكدت للجزيرة نت توقف عمل الشركات التي كانت تنشط في استقدام السياح إلى إيران فيما لا يزال عدد قليل من المسافرين إلى الخارج يطلب تنظيم رحلات أو حجز تذاكر، وأن العديد من الجاليات الإيرانية في الدول الجوار تخشى مواجهة مشاكل في العودة إليها في حال زيارة البلاد.

ولدى إشارتها إلى تزايد عودة الإيرانيين إلى بلادهم إبان الحرب الأخيرة، أضافت مطهر أن كثيرين “من مسافرينا السابقين لم يعودوا يرغبون في القدوم خصوصا بعد عودة الإنترنت، حيث أصبح التواصل المرئي مع أقاربهم في الداخل ممكنا، فتلاشت الرغبة الجامحة سابقا في الدخول إلى البلاد”.

وتضيف: “لدينا الآن طلبات كثيرة للقدوم إلى إيران لا سيما من أمريكا الجنوبية، لكن معظم الطلبات لشهر مارس/آذار المقبل وبعده، ونأمل أن تُفتح الطرق حتى يتمكنوا من المجيء”، مشيرة إلى أن مشكلة التأشيرات تزداد تعقيدا يوما بعد آخر حتى تكاد ترفض غالبيتها بطهران”.

وعن السفر البحري، تقول مطهر إن شركات النقل البحري للمسافرين في بحر قزوين والمياه الخليجية تكاد تتوقف بالكامل عن العمل، ولم تعد قادرة على نقل المسافرين بحرا، مضيفة أن هذه الجزئية لا تعني أن حركة النقل البحري توقفت تماما، فما زالت هناك بعض النشاطات البحرية، لكنها ليست كبيرة ولا يمكن الاعتماد عليها.

وفي الثامن من سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض قيود على 36 هدفا، قالت إنها تدعم قطاع الطيران الإيراني المدني، بينها 27 شركة طيران، وأوضح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن هذا الإجراء جاء بفعل التهديد بفرض عقوبات ثانوية على مقدمي الخدمات الجوية، مشيرا إلى أن المسؤولين الصينيين “منخرطون بشكل كبير” في حملة الضغوط الاقتصادية على طهران.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل