بعد سنوات من الإصابة بفيروس كورونا، لا يزال بعض المتعافين يعانون أعراضا مستمرة، أبرزها الإرهاق الشديد وضيق التنفس واضطرابات التركيز والذاكرة، دون أن يتمكن الأطباء دائما من تحديد تفسير واضح لها.
وتشير دراسات علمية حديثة إلى احتمال وجود علاقة بين هذه الأعراض واضطرابات تخثر الدم والجهاز المناعي والأوعية الدموية الدقيقة، بعدما رصد الباحثون تغيرات غير طبيعية في عينات دم مأخوذة من مرضى يعانون ما يسمى “كوفيد طويل الأمد”.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وأظهرت الأبحاث وجود تجمعات بروتينية مجهرية ترتبط بمكونات يفرزها الجهاز المناعي، إلى جانب مؤشرات على اختلال وظائف الأوعية الدقيقة واستمرار الإجهاد والالتهاب في بعض الخلايا.
لكن هذه الاكتشافات، رغم أهميتها، لم تحسم بعد ما إذا كانت تلك التغيرات سببا مباشرا للأعراض أم أنها إحدى النتائج المصاحبة للمرض، كما أنها لم تتحول حتى الآن إلى اختبار تشخيصي أو علاج معتمد.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 6 من كل 100 شخص أصيبوا بكوفيد 19 قد يصابون بحالة “ما بعد كوفيد” مع اختلاف التقديرات بين الدراسات والفترات الزمنية.
وتعرف هذه الحالة باستمرار أعراض المرض أو ظهور أعراض جديدة، عادة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الإصابة، بحيث تستمر شهرين على الأقل، ولا يمكن تفسيرها بتشخيص آخر.
تجمعات مجهرية وشبكات مناعية
في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، نشرت دورية Journal of Medical Virology دراسة بحثت العلاقة بين التجمعات الدموية المجهرية ومكونات مناعية تعرف باسم شبكات العدلات خارج الخلوية.
وشملت الدراسة 50 مريضا بـ”كوفيد طويل الأمد” إلى جانب 38 شخصا من الأصحاء، موزعين على مجموعتين للمقارنة في فرنسا وجنوب أفريقيا.
ورصد الباحثون زيادة في عدد وحجم تجمعات بروتينية دقيقة لدى مجموعة المرضى، مع وجود ارتباط بين هذه التجمعات ومؤشرات نشاط شبكات العدلات، فضلا عن رصد مكونات من هذه الشبكات داخل بعض التجمعات المفحوصة.
والعدلات نوع من خلايا الدم البيضاء تشارك في الدفاع عن الجسم ضد مسببات العدوى، ويمكنها إطلاق شبكات تتكون من الحمض النووي وبروتينات وإنزيمات تساعد على احتجاز الميكروبات والتعامل معها.
لكن استمرار تنشيط هذه الشبكات بصورة غير طبيعية قد يسهم في الالتهاب والتداخل مع آليات تخثر الدم، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة دورها المحتمل في الأعراض المستمرة لـ”كوفيد طويل الأمد”.
وافترض الفريق أن زيادة نشاط شبكات العدلات قد تساعد على تثبيت التجمعات البروتينية الدقيقة، وتجعل التخلص منها أكثر صعوبة، دون أن تثبت الدراسة أن هذه العملية مسؤولة مباشرة عن الأعراض.
ويقول الدكتور عبد الله سامي، الأستاذ المساعد بمركز أبحاث كلية الطب جامعة عين شمس، إن الدراسات الحديثة تكشف عن ارتباطات محتملة بين اضطرابات المناعة والتخثر والأوعية الدموية الدقيقة، لكن الطريق لا يزال طويلا قبل تحويل هذه النتائج إلى وسائل تشخيص أو علاج معتمدة.
ويوضح -في تصريحات للجزيرة نت- أن بعض الدراسات تتناول تجمعات تكتشف في عينات الدم أو البلازما باستخدام تقنيات مخبرية متخصصة، وقد تحتوي على بروتينات ذات خصائص تجعلها أكثر مقاومة للتحلل الطبيعي.
الدم أكثر قابلية للتخثر
عززت دراسة أولية أخرى، نشرت على منصة الأبحاث الطبية medRxiv في 23 أغسطس/آب 2026، الاهتمام باحتمال استمرار اضطرابات التخثر لدى بعض مرضى “كوفيد طويل الأمد”.
وشملت الدراسة 20 مريضا و19 شخصا من الأصحاء، واستخدم الباحثون اختبارات لقياس سرعة تكون الخثرة وخصائصها، إلى جانب تقنيات تصويرية لتحليل التجمعات الموجودة في البلازما.
وأظهرت النتائج أن عينات المرضى كانت أسرع في بدء عملية التخثر وتطورها مقارنة بمجموعة الأصحاء، كما رصدت زيادة في تجمعات بروتينية ذات خصائص غير طبيعية، مع اختلاف تركيبها وأحجامها.
وتشير النتائج إلى احتمال استمرار بعض التغيرات في منظومة التخثر بعد انتهاء العدوى الحادة.
غير أن الدراسة صغيرة، ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، وهي خطوة أساسية لتقييم الأبحاث العلمية قبل اعتماد نتائجها بالدوريات المحكمة. كما شارك بعض باحثيها بالدراسة المنشورة عام 2025، ولذلك لا يمكن اعتبارها تأكيدا مستقلا للفرضية.
اضطرابات داخل الأوعية الدقيقة
لم تقتصر الأبحاث على دراسة الدم والتخثر، بل امتدت إلى الأوعية الدموية الصغيرة التي تنقل الأكسجين والمواد الغذائية إلى أنسجة الجسم.
ففي دراسة نشرتها دورية Microcirculation في سبتمبر/أيلول 2026، فحص الباحثون وظيفة الأوعية الدقيقة لدى 36 مريضا بـ”كوفيد طويل الأمد” وقارنوها بنتائج 47 مشاركا من مجموعة الأصحاء.
واستخدم الفريق تقنية تعتمد على قياس التغيرات الفلورية في الجلد أثناء انخفاض تدفق الدم ثم عودته، بهدف تقييم استجابة الأوعية الدقيقة.
وأظهرت النتائج ضعف بعض الاستجابات الوعائية وتأخر التعافي بعد عودة تدفق الدم لدى المرضى، بالتزامن مع تغيرات في مؤشرات التوازن الكيميائي داخل الخلايا، خصوصا النسبة بين مركبين لهما دور في عمليات إنتاج الطاقة والتفاعلات الخلوية.
ويرجح الباحثون أن اضطراب هذا التوازن قد يرتبط بضعف قدرة الأوعية الدقيقة على الاستجابة لتغير احتياجات الأنسجة من الدم والأكسجين.
وفي اتجاه قريب، كشفت دراسة نشرت إلكترونيا في يوليو/تموز 2026 بدورية The Journal of Allergy and Clinical Immunology عن تغيرات في بعض الخلايا المناعية والبطانية، وهي الخلايا التي تبطن الأوعية الدموية من الداخل.
وشملت الدراسة 73 مريضا بـ”كوفيد طويل الأمد” و41 شخصا تعافوا من العدوى دون استمرار الأعراض.
ورصد الباحثون زيادة في بعض مؤشرات الإجهاد الخلوي ومسارات موت الخلايا المنظم، إلى جانب تجمعات بين الصفائح الدموية وخلايا مناعية وبطانية.
كما ارتبط أحد مؤشرات الإجهاد وموت الخلايا البطانية بشدة الأعراض واضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، المسؤول عن تنظيم وظائف لا إرادية مثل ضربات القلب وضغط الدم.
وتدعم هذه النتائج احتمال وجود تداخل بين اضطرابات المناعة ووظائف الأوعية الدموية، لكنها لا تحدد بعد ما إذا كانت تلك التغيرات سببا للمرض أم نتيجة له.
هل تسد التجمعات الأوعية الدموية؟
رغم ما كشفته الدراسات، يحذر الدكتور سامي من الخلط بين اكتشاف تجمعات مجهرية في عينات الدم وبين إثبات وجود جلطات تسد الشعيرات الدموية داخل الجسم.
فالتجمعات التي يطلق عليها بعض الباحثين اسم الجلطات الدقيقة ليست بالضرورة مماثلة للجلطات التقليدية المعروفة سريريا، كما أن اكتشافها في البلازما لا يثبت تلقائيا أنها تعيق وصول الدم إلى الأعضاء.
وهذه النقطة تحديدا كانت محور مراجعة علمية نشرتها مؤسسة كوكرين في يوليو/تموز 2023.
وخلصت المراجعة إلى أن الأدلة المتاحة آنذاك لم تكن كافية لإثبات تسبب تلك الجسيمات في “كوفيد طويل الأمد” مشيرة إلى أن تجمعات تحتوي على بروتينات الأميلويد والفيبرين أو الفيبرينوجين يمكن العثور عليها أيضا لدى أشخاص أصحاء ومصابين بأمراض أخرى.
كما اعترض الباحثون على وصف هذه الجسيمات بالجلطات، واقترحوا استخدام تسمية أكثر دقة تعكس تركيبها البروتيني.
وفي مايو/أيار 2024، نشرت دورية Research and Practice in Thrombosis and Haemostasis مقالا علميا نقديا شكك في قوة الأدلة التي تربط اضطرابات التخثر بأعراض “كوفيد طويل الأمد”.
لكن هذه المراجعات سبقت الأبحاث المنشورة عامي 2025 و2026، ولذلك لا تمثل تقييما نهائيا لما أضافته النتائج الأحدث، وإنما توضح الأسئلة العلمية التي لا تزال تحتاج إلى إجابات.

ما علاقة ذلك بالإرهاق وضباب الدماغ؟
يعد الإرهاق الشديد وضعف التركيز وضيق التنفس وعدم تحمل المجهود من أكثر الأعراض التي تشغل الباحثين في “كوفيد طويل الأمد”.
ويشرح الدكتور سامي أن اضطراب وظيفة الأوعية الدقيقة قد يؤثر نظريا في قدرة الأنسجة على زيادة تدفق الدم وتلبية احتياجاتها من الأكسجين، خصوصا أثناء النشاط البدني.
لكن الإرهاق قد يرتبط أيضا بالالتهاب واضطرابات النوم والجهاز العصبي الذاتي والتغيرات الاستقلابية، ولا يمكن نسبته إلى اضطرابات التخثر وحدها.
أما ضباب الدماغ، الذي يشمل صعوبة التركيز وضعف الذاكرة وبطء التفكير، فقد يتداخل مع اضطرابات المناعة والجهاز العصبي والدورة الدموية.
ويؤكد الدكتور سامي أن رصد تجمعات دقيقة في الدم لا يثبت وجود انسداد في الأوعية الدماغية، ولا يعني أن هذه التجمعات مسؤولة عن الأعراض المعرفية.
وينطبق الحذر نفسه على ضيق التنفس، الذي قد ينتج عن مشكلات رئوية أو قلبية أو وعائية، أو تغيرات في تنظيم عملية التنفس.
ويلفت إلى أن بعض المصابين يعانون تفاقما ملحوظا للأعراض بعد المجهود البدني أو الذهني، وهي ظاهرة تحتاج إلى تقييم مستقل، ولا يمكن تفسيرها تلقائيا باضطرابات التخثر.
هل اقترب العلماء من العلاج؟
رغم النتائج الواعدة، لم تتحول مؤشرات التجمعات المجهرية وشبكات العدلات إلى اختبار تشخيصي معتمد لـ”كوفيد طويل الأمد”.
ويوضح الدكتور سامي أن اعتماد أي مؤشر حيوي يستلزم إثبات إمكانية قياسه بدقة، وقدرته على التمييز بين المرضى والأصحاء والحالات المشابهة، مع تكرار النتائج بين المختبرات المختلفة.
وتواجه الأبحاث الحالية تحديات تتعلق بصغر أحجام بعض الدراسات، واختلاف طرق جمع العينات وتحضيرها، وتقنيات التصوير وقياس التجمعات، فضلا عن احتمال وجود مؤشرات مشابهة في أمراض أخرى.
ولم تثبت هذه النتائج حتى الآن أن استخدام أدوية مضادة للتخثر أو إجراءات لتنقية البلازما يعالج الأعراض المستمرة لـ”كوفيد طويل الأمد”.
وكانت مراجعة كوكرين قد حذرت من استخدام فصل البلازما لإزالة هذه التجمعات خارج نطاق التجارب السريرية المحكمة، لعدم كفاية الأدلة على فائدته واحتمال تعرض المرضى لمخاطر غير مبررة.
ما الذي ينقص الأبحاث؟
يرى الدكتور سامي أن التقدم نحو فهم هذه الظاهرة يتطلب توحيد طرق قياس التجمعات الدقيقة وشبكات العدلات، وإجراء دراسات أكبر تشمل مجموعات مختلفة من المرضى والأصحاء والمصابين بأمراض التهابية أو وعائية أخرى.
كما يؤكد أهمية متابعة المرضى على مدى أشهر، لمعرفة ما إذا كانت التغيرات البيولوجية تسبق ظهور الأعراض، أو تتزامن معها، أو تتراجع عند تحسن الحالة.
أما الخطوة الأكثر حسما فتتمثل في إجراء تجارب علاجية مضبوطة، تختبر ما إذا كان التدخل في أحد المسارات البيولوجية المشتبه بها يؤدي بالفعل إلى تحسن وظائف الأوعية وتراجع الأعراض.
ويشير إلى أن البحث عن تفسير واحد لجميع حالات “كوفيد طويل الأمد” قد لا يكون واقعيا، إذ يمكن أن تتداخل عدة آليات مرضية تختلف أهميتها من شخص لآخر.
وبذلك، تضيف الدراسات الحديثة أدلة جديدة لفهم العلاقة المحتملة بين التخثر والمناعة والأوعية الدقيقة، لكنها لا تقدم حتى الآن إجابة نهائية عن أسباب استمرار الأعراض.
فالخطوة الفاصلة التي ينتظرها الباحثون لم تعد مجرد رصد هذه التغيرات في عينات الدم، وإنما إثبات دورها المباشر في المرض، وتحديد ما إذا كان التعامل معها يمكن أن يحسن حياة المصابين.
