بدأت راشيل غريفين أكورسو مشروعها من سؤال صغير داخل بيتها: كيف يمكن مساعدة طفل يعاني تأخرا في النطق؟ بعد سنوات قليلة، صار السؤال بداية واحدة من أشهر العلامات المستقلة في محتوى الأطفال على الإنترنت.

إذ أصبحت أكورسو، المعروفة باسم “ميس راشيل/السيدة راشيل”، صاحبة أكثر من 21 مليون مشترك على يوتيوب، واتسع مشروعها ترفيهيا، قبل أن يصل إلى مرحلة جديدة مع ألبومها الموسيقي الأول “أنا سعيدة جدا”، المقرر صدوره في 25 سبتمبر/أيلول 2026.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

كيف كانت البداية؟

تأسس المشروع عام 2019 تحت اسم (Songs for Littles) على يد أكورسو وزوجها آرون أكورسو، وساعدت خلفيتها الأكاديمية في تشكيل هوية البرنامج؛ فهي تحمل درجتي ماجستير مرتبطتين بتعليم الموسيقى وتعليم الطفولة المبكرة، بينما يعمل آرون موسيقيا وملحنا.

لم تعتمد الفكرة على تقديم أغنيات للأطفال وحسب، بل على استخدام الموسيقى والحركة والتكرار بوصفها أدوات للتعلم. بعض الأغنيات تدرب الطفل على نطق الكلمات من خلال حركة الفم الواضحة، وأخرى تربط الكلمات بحركات جسدية أو بتعليمات بسيطة مثل القفز والتوقف والحركة.

هذه التفاصيل تجعل المحتوى يبدو بسيطا أمام الطفل، بينما يحمل في داخله بناء تعليميا أكثر تعقيدا. فالشخصية التي تظهر أمام الكاميرا لا تقدم نفسها باعتبارها نجمة أغنيات أطفال فقط، وإنما كوجه تعليمي يستطيع الأهل استخدامه ضمن عملية تعلم الطفل، مع اهتمام واضح بتمثيل الأطفال ذوي الإعاقات والاحتياجات المختلفة.

من الشاشة إلى علامة تجارية

نجاح المشروع على يوتيوب فتح الباب أمام توسع سريع نتج عنه انتقال “ميس راشيل” إلى نتفليكس في 2025، حيث حققت الأجزاء المتاحة من البرنامج 53.4 مليون مشاهدة في النصف الأول من العام، مما وضعها في صدارة مواسم برامج الأطفال التي شملها ذلك القياس، كما جاءت في المركز السابع بين جميع المواسم التلفزيونية التي رصدتها البيانات خلال الفترة نفسها.

بعدها اتسعت العلامة إلى الألعاب والكتب وشراكات ترفيهية أخرى، فأصبحت شخصية “ميس راشيل” نفسها جزءا من عالم يعرفه الأطفال خارج يوتيوب.

أنا سعيدة جدا

في هذا السياق يأتي “أنا سعيدة جدا” كأول ألبوم كامل لراشيل وآرون أكورسو، ومن المقرر أن يضم 23 أغنية، بمشاركة 19 مغنيا و42 عازفا. ولا يقتصر العمل على إعادة تسجيل الأغنيات التي عرفها الجمهور من البرنامج، بل يقدم توزيعات مختلفة، مع مشاركة موسيقيين محترفين وأنماط من الموسيقى الشعبية متعددة الجنسيات بما يتجاوز الشكل المعتاد لأغنية الأطفال القصيرة.

وهو ما يظهر في أغنيات مثل “أولد ماكدونالد” (Old MacDonald) و “ذا ويلز أون ذا باص” (The Wheels on the Bus)، إلى جانب العديد من الأغنيات الأصلية، الأمر الذي يجعل الألبوم أقرب إلى مشروع موسيقي متكامل. وهنا تتجلى أهم خطوة: تحويل التجربة إلى مادة صوتية يمكن مشاركتها مع أفراد الأسرة في المنزل أو السيارة دون الحاجة إلى مشاهدة الفيديوهات.

غزة تُغيّر صورة صاحبتها

وقطعا لا يمكن الحديث عن “ميس راشيل” بمعزل عن نشاطها السياسي. بدأ الأمر معها في وقت مبكر، حيث اعتادت الحديث عن العنصرية والفقر وحقوق الأطفال، كما شاركت في قضايا اجتماعية وحملات مرتبطة بالأطفال والأسر، قبل أن تصبح الحرب في غزة أكثر القضايا حضورا في خطابها العام.

ومع استمرار الحرب، ركزت أكورسو بصورة متكررة على الأطفال الفلسطينيين، وباتت صورهم وتجاربهم جزءا من نشاطها العلني. وفي 2025، ظهرت مع الطفلة الفلسطينية رهف، التي كانت في الثالثة من عمرها بعد أن فقدت ساقيها في القصف على غزة، في لقاء منح نشاط أكورسو بعدا شخصيا يتجاوز الحديث عن الأرقام والأخبار.

وفي العام نفسه ظهرت في حفل (Glamour Women of the Year) بفستان مطرز برسومات رسمها أطفال من غزة. وكان اختيارها ضمن نساء العام وربط الحفل بنشاطها في غزة دليلا آخر على انتقال هذا الجانب من منشوراتها على الإنترنت إلى صورتها الإعلامية.

هكذا بدأت صورتها تنقسم إلى مستويين: المعلمة التي يعرفها الأطفال من الأغنيات وفيديوهات اللغة، وراشيل التي تتحدث أمام جمهور بالغ عن الأطفال المتضررين من الحرب.

حين يصبح التعاطف موضع اتهام

لم يمر هذا الحضور من دون اعتراض، فقد واجهت أكورسو انتقادات من جهات مؤيدة لإسرائيل بسبب تركيزها المتكرر على معاناة أطفال غزة. وطالبت منظمة “أوقفوا معاداة السامية” (StopAntisemitism) المدعي العام الأميركي بام بوندي بفتح تحقيق معها، للنظر في احتمال مخالفتها قانون تسجيل الوكلاء الأجانب “فارا” (FARA)، مستندة إلى زعم غير مثبت بأنها ربما تلقت أموالا من جهات أجنبية مقابل نشر محتوى مؤيد لحركة حماس.

واعتبرت المنظمة أن الصور والقصص والإحصاءات التي نشرتها أكورسو عن أطفال غزة تتشابه مع الرواية التي تروج لها حماس، كما انتقدت حملة نظمتها في مايو/أيار 2024 وجمعت خلالها نحو 50 ألف دولار لمصلحة أطفال القطاع. لكن هذه الاتهامات ظلت مزاعم صادرة عن المنظمة، ولم تستند إلى دليل معلن على تلقي أكورسو تمويلا أجنبيا، كما لم تكن نتيجة تحقيق حكومي مثبت.

وعن تأثير الجدل في حياتها، قالت أكورسو: “كان هناك وقت ظننت فيه أن الجميع يكرهونني. لماذا يكرهونني؟ لأنني لا أريد أن يُقتل الأطفال أو يُتركوا ليموتوا جوعا؟”.

ومع ذلك بقى محتوى “ميس راشيل” نفسه بعيدا عن هذه المواجهة؛ إذ لا تقدم القناة دروسا سياسية، وما زالت مادتها الأساسية تدور حول اللغة والموسيقى والحركة ومهارات الطفولة المبكرة. لكن الفصل بين المحتوى وصاحبته يصبح أكثر تعقيدا عندما يحمل المشروع اسم الشخص نفسه، ويكون وجهه وصوته حاضرين في كل منتج.

اختبار جديد

في سبتمبر/أيلول الجاري، اتسع حضور أكورسو في الجدل الموسيقي عندما انتقدت إد شيران بعد خروج ماكلمور من جولته المتبقية في الولايات المتحدة، في سياق الخلاف المحيط بمواقف ماكلمور المؤيدة للفلسطينيين. وإن كان شيران أوضح لاحقا أن إبعاد ماكلمور لم يكن قراره، وأنه لا ينحاز لجانب بعينه.

تكتسب الواقعة أهميتها داخل قصة أكورسو لأنها تحدث بالتزامن مع دخولها هي نفسها صناعة الموسيقى بألبوم كامل. فالشخصية التي صنعت شهرتها من أغاني الأطفال أصبحت تعلق أيضا على مواقف فنانين آخرين وقرارات مرتبطة بصناعة الموسيقى، وهو مجال مختلف عن الدور التربوي الذي بدأت منه.

ومع صدور “أنا سعيدة جدا”، تنتقل راشيل إلى مساحة جديدة لا تختبر الأغنيات وحدها، وإنما قدرتها على الوصول إلى الجمهور خارج الصيغة التي صنعت شهرتها. وبينما تظل الموسيقى هي جوهر المشروع الجديد، يأتي الألبوم في لحظة أصبحت فيها مسيرة راشيل مرتبطة بأكثر من جمهور وأكثر من مساحة فنية وإعلامية.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل