يحذر الكاتب الروسي أليكسي بيلوف من أن روسيا تخاطر بفقدان فرصة تبوُّء مكانة مرموقة في النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي تتحدث عنه كثيرا، بسبب تآكل الطبقة الوسطى.

وأوضح في مقال على موقع “أنتي فاشيست” أن حجم القروض المقدمة في روسيا ارتفع بنسبة 41.4% على أساس سنوي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

لكنّ هذه النظرة الإيجابية -كما يتابع- سرعان ما تتلاشى عند التدقيق، إذ يرى أن جزءا مهمّا من هذا “النمو” يرتبط بإعادة التمويل، أي لجوء المقترضين إلى قروض جديدة لخدمة ديون قائمة، وليس بالضرورة بظهور فرص اقتصادية جديدة أمام الأسر.

من هذا المنظور، فإن الأخبار المتعلقة بـ”تزايد الإقراض” تتحول فورا إلى معلومات عن تدهور أوضاع الروس بشكل متسارع، وفقا للكاتب.

ويرى أن كلفة المعيشة في روسيا أصبحت مرتفعة بشكل ملحوظ، بينما الدخول الحقيقية -لا تلك التي تبدو جيدة في التقارير الحكومية بل تلك التي يستطيع الناس بها شراء ما يحتاجونه فعلا- إما أنها راكدة أو في انخفاض.

ويشير إلى أن هذا يتضح جليا ليس في إحصاءات القطاع المصرفي، بل في المتاجر والبقالات العادية. فبحسب بيانات إذاعة “كوميرسانت إف إم”، ينفق الروس على البقالة المبلغ نفسه تقريبا كما في السابق، لكنهم يشترون كميات أقل بكثير.

ويحدث هذا خلال موسم الذروة، حيث من المفترض أن تكون الفواكه والخضراوات أرخص.

وبحسب رأيه، فإن هذا هو التضخم الحقيقي كما يفهمه من لا يعتمد على مؤشر أسعار المستهلك، بل يشتري طعامه يوميا.

وفي الوقت نفسه، يرى بيلوف أن نمو الدخل في قطاعات عدة يأتي أساسا عبر زيادة ساعات العمل: فإذا أراد الشخص كسب المزيد، فعليه العمل ساعات أطول، بينما تظل قيمة العمل نفسه ثابتة جوهريا.

تكاليف المعيشة والطاقة تضيف أعباء جديدة على ميزانيات الأسر الروسية المثقلة بالديون (الفرنسية)

حالة إحباط

ويضيف الكاتب أن الناس يحصلون رسميا على أجور أعلى، وهو ما يسهب المسؤولون في ذكره في تقاريرهم، ولكنْ ليس لأن مساهمتهم في العمل تُقدر بشكل أكبر، بل لأنهم يبيعون لأصحاب العمل المزيد والمزيد من وقتهم.

وفي ظل هذه الظروف -كما يشدد بيلوف- يُعد الارتفاع المستمر في العبء المالي أمرا مُحبطا للغاية. فالضرائب والرسوم والمدفوعات والتعريفات في ازدياد، وتظهر المزيد من الأساليب الخفية لاستنزاف أموال الناس بطريقة “تبدو نزيهة نسبيا”.

في الوقت نفسه، تتسع الفجوة بين نسبة ضئيلة من “أصحاب النفوذ” الذين يجنون دخولا باهظة، وبين غالبية السكان الذين، حتى مع رواتبهم التي تبدو جيدة ظاهريا، بالكاد يُغطّون نفقاتهم.

وبحسب رأيه، هذا أيضا مصدر اتجاهٍ آخر مُقلق للغاية، وهو التآكل التدريجي للطبقة الوسطى.

This photograph shows Russian ruble coins on a US dollar note in Moscow, on September 11, 2026.
تنامي الاقتراض وتراجع الاستقرار المالي في صلب تحذيرات الكاتب بشأن مستقبل الطبقة الوسطى في روسيا (الفرنسية)

وهْم الثراء

فإذا كان المواطن يملك منزلا وسيارة، ويستطيع السفر في إجازة مرة واحدة على الأقل في السنة، ويتردد على المطاعم ودور السينما والمسارح بانتظام، ولكنّ شقته مرهونة وسيارته بالتقسيط ويدفع نفقات رفاهيته ببطاقة ائتمان، فهو ليس من الطبقة المتوسطة.

فالمواطن الذي يُفترض أنه ينتمي للطبقة الوسطى هو فقير كغيره، لكنه يتظاهر أنه ثري باستخدام أموال البنك.

وبحسب تقديره، لا تتميز الطبقة المتوسطة الحقيقية بمجموعة من الصفات الخارجية، بل بالاستقرار المالي، كالقدرة على تجاوز فقدان الوظيفة، أو نفقات كبيرة غير متوقعة، أو المرض، أو إصلاح السيارة، أو انخفاض الدخل لعدة أشهر دون الحاجة إلى التسرع في الحصول على قرض جديد.

من هنا، يعتبر الكاتب أن هذه الفروقات الدقيقة لا تُعد ذات أهمية كبيرة في الإحصاءات الاقتصادية الكلية.

فمن حيث الشكل، يعني امتلاك سيارة أن الشخص ميسور الحال. وامتلاك شقة يعني أنه يملكها. والسفر في إجازة يعني أنه من الطبقة المتوسطة.

ولكنْ، يجب ذكر حقيقة أن كل هذا في الواقع ملك للبنك، وأن الشخص على بُعد قسط واحد متأخر من مشاكل خطيرة، حسب وصفه.

Russian President Vladimir Putin chairs a meeting on economic issues at the Kremlin in Moscow, Russia, September 17, 2026. Sputnik/Vyacheslav Prokofiev/Pool via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعا بشأن القضايا الاقتصادية في الكرملين بموسكو، 17 سبتمبر/أيلول 2026 (رويترز)

دور معرقل

وبالحديث عن سياسات الحكومة الروسية، يعتقد الكاتب أنها تعرقل بشكل متزايد أولئك الذين ما زالوا يسعون للحفاظ على استقلالهم الاقتصادي.

ويورد مثالا على ذلك الإغلاق الجماعي لصالونات التجميل، حيث ارتفع عدد حالات تصفية الأعمال في قطاع خدمات التجميل بنسبة 52.5%، ليصل إلى 12 ألفا و300 حالة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز من العام الحالي.

ومنذ بداية العام، خُفض حد الدخل السنوي الذي يتيح للمؤسسات وأصحاب الأعمال العاملين وفق النظام الضريبي المبسط الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة من 60 مليون روبل إلى 20 مليون روبل.

ويضيف أنه بالنسبة للشركات الكبيرة، تُعد هذه مجرد أرقام في بياناتها المالية. أما بالنسبة للمشاريع الصغيرة، فهي مسألة بقاء.

ونتيجة لذلك، يُغلق بعض أصحاب الأعمال أبوابهم، ويتجه مصففو الشعر إلى العمل الحر في مساحات العمل المشتركة، ويولي العملاء اهتماما متزايدا للأسعار نظرا لاستحالة تحميلهم تكاليف متزايدة باستمرار.

ويذكر الكاتب في هذا السياق ما يصفها بـ”الفضيحة الأخيرة” التي تورط فيها مزارعو نوفوسيبيرسك، حيث يقول إن جهات حكومية أعدمت مواشيهم بذريعة يصفها بأنها ملفقة لصالح شركة معروفة.

وكذا المبادرات الأخيرة لوزارة التنمية الرقمية، التي بات اسمها يثير الاستياء، لتغيير القواعد المنظمة لمزودي خدمات الإنترنت، والتي يرى بيلوف أنها أدت إلى خروج شركات صغيرة وتركُّز السوق في أيدي شركتين أو ثلاث من أكبر الشركات واختفاء المنافسة.

ووفقا له، تبني الدولة تدريجيا -في جوهر الأمر- “رأسمالية دولة احتكارية”، حيث لا يحدد السوق بكل عيوبه وأعرافه القواعد، بل البيروقراطية.

ويؤكد أن هذه البيروقراطية أصبحت الطبقة السياسية الأكثر نفوذا في روسيا، طبقة مستقلة عمليا، تهتم بالدرجة الأولى بالحفاظ على مكانتها وسلطتها ونظام توزيع الموارد.

الدائرة تضيق

ومن هنا تأتي -وفقا للكاتب- محاولات عرقلة الحراك الاجتماعي، في مقابل استمرار الشكاوى من نقص الموظفين وقلة المهنيين والمديرين والأشخاص الفاعلين. ولكنْ من أين سيأتي هؤلاء إذا كان النظام فاشلا؟

بالتالي -يتابع- تبرز مشكلة أخطر بكثير من أي صعوبات اقتصادية حالية. إذ ستنتهي الحرب في أوكرانيا يوما ما، ويفترض بيلوف أن العقوبات أيضا لن تكون أبدية، وأن الاقتصاد سيحصل عندها على فرصة لالتقاط أنفاسه. لكنْ هذا في حد ذاته لا يضمن شيئا.

فإذا ظل هدف المسؤولين عن السياسة الاقتصادية للبلاد ليس تنمية روسيا، بل الحفاظ على النظام القائم من الامتيازات البيروقراطية والاحتكارات والطبقات الاجتماعية المغلقة، “فلن ينقذنا أي إنهاء للحرب” -كما يقول الكاتب- لأن العدو الخارجي تُمكن هزيمته، أما العدو الداخلي فهو عمليا منيع في ظل الظروف الراهنة، حسب رأيه.

يؤكد الكاتب أن الدولة التي تدمر الشركات الصغيرة والمتوسطة وتركّز الاقتصاد في أيدي المسؤولين، وتقضي على أي مبادرة شعبية، وتحوّل السكان إلى مدينين مدى الحياة، قادرة على خسارة مستقبلها دون أي تدخل أجنبي على الإطلاق.

من هنا يرى بيلوف أن غياب طبقة وسطى حقيقية ومستقرة قد يجعل روسيا -على حد تعبيره- “دولة متوسطة المستوى” بكل ما يترتب على ذلك من عواقب.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل