“لدينا مشكلة صغيرة، نحن ممنوعون من دخول فرنسا. ولكن لدينا حل، سنقوم بجلب جميع يهود فرنسا إلى إسرائيل”
في رسالة لها حظيت بتغطية إعلامية واسعة في فرنسا، قالت راشيل خان إنها لا تستطيع منع نفسها من التفكير في عائلتها “هيرك” ذات الأصول البولندية، التي أبادها النازيون عن بكرة أبيها، وفي قريبها الذي قُتل في سن الثانية لمجرد كونه يهوديا، وفي أمها التي أُخفيت طفلة حتى وصلت فرنسا. وقد أعلنت راشيل أنها ستخوض رحلة “العلياه”، أو الهجرة إلى إسرائيل، تاركة فرنسا التي ولدت وعاشت فيها، إلى “البلد” الذي منحها جنسية ترمم تاريخا عائليا محطما، آملة في أن تكون جسرا بين “هاتين الديمقراطيتين” (فرنسا وإسرائيل)، عن طريق نشر الفن والبحث والابتكار والثقافة والأمل.
قد يبدو الكلام عاديا ومستهلكا ومليئا بمصطلحات لا تكاد تمت للواقع بصلة، لكنه مهم إذا ما عرفنا من هي راشيل خان. فصاحبة الرسالة إحدى أهم الأصوات المدافعة عن الصهيونية في فرنسا، وقد ولدت لأب ذي أصول غامبية وأم يهودية بولندية. واحترفت راشيل الرياضة في شبابها قبل أن تُغرم بالعَدْو وتقع في حب الصهيونية وتبدي انحيازها المطلق لإسرائيل.
قصص مقترحة
list of 4 itemsend of list
في كل محفل تظهر فيه، سواء في الإعلام اليميني أو اليهودي في فرنسا، تقدم راشيل نفسها على أنها يهودية تدافع عن شعب إسرائيل، وتذكر الهولوكوست الذي عانت منه عائلتها، لكنها في الوقت نفسه لا تجد حرجا في تبني مصطلحات “نازية” للهجوم على الفلسطينيين، كما حدث في ظهور إعلامي لها على قناة “سي نيوز” التابعة لمجموعة كانال الفرنسية ذات التوجه اليميني.
ففِي 29 أغسطس/آب الماضي، قالت راشيل إن اليسار المنحاز إلى فلسطين لا يريد سوى “الحل النهائي” في ظل “فلسطنة” أيديولوجية تجتاح العالم حسب تعبيرها، مستعيرة مصطلحا شديد الحساسية من الأدبيات النازية، إذ كان “الحل النهائي” إشارة للتخلص من اليهود، في محاولة للقول إن تضامن اليسار مع فلسطين يخفي رغبة في إبادة اليهود. وقد ضاقت راشيل ذرعا بفرنسا التي لم تعد تستمع لجميع الأصوات الصهيونية في رأيها، وقررت أنه قد آن الأوان كي تحقق حلم طفولتها، وتلبي نداء صهيون، وتنتقل إلى الأراضي المحتلة التي لطالما دعت إلى تطهيرها من الفلسطينيين.
“متسفا”
يُستعمل مصطلح “متسفا” (Mitzvah) في العبرية في سياقين. المعنى الحرفي هو الوصية أو الفريضة التي تشمل الواجبات الدينية والأخلاقية والطقوس الدينية اليومية، وعادة ما يطلق “بار متسفا”، أي ابن الوصية، على الصبي اليهودي الذي يبلغ سن التكليف الديني. أما المعنى الأوسع فهو العمل الصالح أو فعل الخير، ويشير إلى كل ما يستحب فعله بحكم التدين اليهودي.
منذ نشأة دولة الاحتلال الإسرائيلي، تغيرت السردية الدينية اليهودية من أجل المشروع الصهيوني، ولذلك بات الذهاب إلى إسرائيل بحسب فئة من رجال الدين اليهود بمثابة “متسفا” لمن استطاع إليها سبيلا. ويضع بعض يهود فرنسا هذه الوصية على رأس أولوياتهم اليوم، فقد كانوا تاريخيا مخزنا بشريا للدولة الصهيونية الناشئة التي كانت تحتاج لمدد من المستوطنين الجدد بعد تطهير الأرض من سكانها العرب، المسلمين والمسيحيين.
“بات الذهاب إلى إسرائيل بمثابة (متسفا) لمن استطاع إليها سبيلا”
في أبريل/نيسان 2026، شهدت باريس تنظيم “صالون العلياه” الذي استقبل حسب وسائل إعلام إسرائيلية وفرنسية آلاف الراغبين في الاستفسار حول طريقة الرحيل إلى إسرائيل والاستقرار فيها. وللإجابة عن هذه التساؤلات وبتبديد المخاوف، تضع الوكالة اليهودية أكثر من 60 منصة في هذا الصالون؛ منصات حول تعلم العبرية، وحول معادلة الشهادات الدراسية، وحول المساعدات الإدارية والمالية. أما الجديد هذه السنة فكان وجود شركات إسرائيلية أتت من أجل تقديم فرص عمل والبحث عن مرشحين أكفاء قادرين على الالتحاق بسوق العمل الإسرائيلي.
رغم كل الإكراهات والحروب التي فتحتها إسرائيل من كل جهة في فلسطين ولبنان وإيران فإنها تواصل مسارها في استقبال اليهود من كل أنحاء العالم، هكذا صرح إيمانويل سيون، مدير الوكالة اليهودية في فرنسا. فبعد 3 أشهر من المعرض، أعلنت دولة الاحتلال بداية موسم الهجرة الصيفي، حيث استقبلت 128 مهاجرا فرنسيا إضافيا في يوليو/تموز، وتشير الإحصائيات إلى أن هذا العام شهد اتجاه 2500 يهودي فرنسي نحو فتح ملفات لهم لدى دائرة الهجرة الصهيونية، في قفزة بلغت 30% مقارنة مع عام 2025.
وثمة إحصائية أخرى كشفت أن أكثر من 20 ألف مهاجر جديد وصلوا إلى الأراضي المحتلة عام 2025، يتصدرهم الأمريكيون، في حين يحتل الفرنسيون المركز الثالث بحوالي 3300 يهودي، بزيادة 50% عن العام السابق، إذ سافر إلى دولة الاحتلال 2228 يهوديا فرنسيا عام 2024. وتزداد أهمية هؤلاء الوافدين على دولة الاحتلال إذا ما علمنا أن 69 ألف إسرائيلي تركوا فلسطين المحتلة عام 2025 وحده، عبر الطائرات واليخوت والطرق البرية، بحسب الإحصاءات الرسمية، دافعين إسرائيل إلى تسجيل صافي هجرة سلبي (عدد الراحلين أكثر من عدد القادمين) للعام الثاني على التوالي.
ولكن لماذا يزداد تدفق اليهود الفرنسيين تحديدا وبهذا الشكل المتنامي على بلد غير مستقر في قلب الشرق الأوسط؟ يقول الإعلام اليهودي في فرنسا وإسرائيل نفسها إن السبب الرئيسي لهذا الرحيل المنتظم والمتصاعد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 هو ارتفاع “الهجمات المعادية للسامية في فرنسا”. تعضد بيانات وزارة الداخلية الفرنسية هذا الادعاء، حيث تقول إنها سجلت 1320 فعلا معاديا للسامية في 2025، أقل بنسبة 16% من 2024، لكنه لا يزال أكثر بـ3 أضعاف من عام 2023. وبشكل عام، تعد هذه المستويات هي الأعلى منذ أكثر من ربع قرن.
“تُعتبر مشاعر الخوف مغذيا إستراتيجيا لإسرائيل تقنع به يهود فرنسا بالرحيل إليها”
وتُعتبر مشاعر الخوف مغذيا إستراتيجيا لدولة الاحتلال تقنع به يهود فرنسا بالرحيل إلى الأراضي التي تحتلها، فبعد هجمات 2015 في فرنسا هاجر 7900 يهودي إلى إسرائيل، ضمن حوالي 130 ألف يهودي ذهبوا إلى فلسطين المحتلة منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، وحصلوا على الجنسية بموجب “قانون العودة” الصهيوني. ولكن الخوف وحده ليس محرك هذه الهجرات، إذ تلعب العقيدة الصهيونية دورا محوريا في تعزيزها.
“علياه”
تُعد كلمة “علياه” من المصطلحات المهمة في التراث اليهودي، وتعني في اللغة العربية “الصعود” أو “الارتقاء”، وسياسيا تُستخدم للدلالة على هجرة يهود الشتات إلى فلسطين، وذلك من أجل “الترقي روحيا”، والاقتراب من “إله بني إسرائيل”، ولذلك تُسمى مغادرة دولة الاحتلال كما يحدث سنويا من طرف الآلاف “يريدا” أو “النزول”.
في تقرير لقناة “إسرائيل 24 (i24News)”، المعروفة بدعمها الكبير لحكومة نتنياهو، سُلِّط الضوء على عائلة “هاروش” التي كانت تستعد لتوديع فرنسا والانتقال إلى العيش في إسرائيل منتصف عام 2024. يأتي المقربون لوداع العائلة ببعض الحزن على ترك الحياة الفرنسية، مع الكثير من التقبل والفخر لأن الزوجين اختارا تحقيق حلمهما الديني بالذهاب إلى الأرض التي يشعران بأنهما ينتميان إليها. في لقاء القناة الإسرائيلية مع الزوجة قالت إن قرار الذهاب إلى إسرائيل لا علاقة له بالخوف، فهي لا تفر من فرنسا، لكنها تهاجر إلى إسرائيل، لأن هناك جانبا عقديا أيديولوجيا دفعها نحو القرار.
“يُعد اليهود الفرنسيون من أكثر الجاليات اليهودية التي تنتشر بينها الأيديولوجيا الصهيونية”
في الواقع، يُعد اليهود الفرنسيون من أكثر الجاليات اليهودية التي تنتشر بينها الأيديولوجيا الصهيونية. وبخلاف الانتماء الأيديولوجي، يمتلك يهود فرنسا روابط عائلية متعددة مع إسرائيل، ففي الخمسينيات والستينيات عندما كانت فرنسا تنهي حضورها الاستعماري في شمال أفريقيا، زاد خروج اليهود العرب من دول المغرب والجزائر وتونس، وهاجر حوالي 300 ألف منهم إلى فرنسا، فيما غادر عدد مماثل إلى دولة الاحتلال التي كانت في سنوات نشأتها الأولى. وفي كل عائلة كان دائما هناك “أخ” اختار تلبية النداء الصهيوني، وحتى اليهود الذين سافروا إلى فرنسا كانوا ينظرون إلى إسرائيل على أنها وطنهم بدرجة ما.
وقد اشترى الميسورون من الجالية الفرنسية اليهودية منازل في المدن الساحلية في فلسطين المحتلة مثل تل أبيب ونتانيا وهرتسليا لقضاء العطلة الصيفية هناك، وهي منازل أصبحت بعد ذلك مسكنا للشباب اليهودي الذي اختار المغادرة إلى إسرائيل. وتقول الإحصائيات إن ثلث الأشخاص الذين يغادرون فرنسا إلى إسرائيل تتراوح أعمارهم بين 18-30 عاما، وقد غادر كثيرون منهم لأسباب تتعلق بالتوظيف والنمو الاقتصادي بقدر ما غادروا بسبب “معاداة السامية” أو “الحنين الأيديولوجي”. وبجانب المهاجرين الكاملين، هناك الهجرة الجزئية التي تحمل اسم “عَلياه بوينغ”، وهو نوع من الهجرة تنتقل فيه العائلة إلى إسرائيل فيما يظل العائل الرئيسي يعمل في فرنسا ويسافر إلى تل أبيب يوم الخميس ويعود إلى باريس يوم الأحد.
عرفت العلاقة بين يهود فرنسا وإسرائيل تطورا ملحوظا بعد نكسة عام 1967، إذ اتخذ الانتصار الإسرائيلي أبعادا دينية وروحية كبرى، وباتت الجالية اليهودية أكثر قدرة على إظهار هويتها. وقد تجلى ذلك في فتح المزيد من المدارس اليهودية وإنشاء محطات إذاعية وصحافة مطبوعة عززت السردية الصهيونية، كما توسعت المعابد اليهودية وزادت ساعات عملها مع تبني الرموز الدينية اليهودية مثل “التاليت” (شال الصلاة في الديانة اليهودية) و”الكيباه” (القلنسوة اليهودية) التي بدأت تظهر أكثر فأكثر في شوارع باريس وغيرها من المدن الفرنسية.

وبغض النظر عن أسباب الهجرة اليهودية من فرنسا إلى إسرائيل، فإنها عادة ما تتم عبر مجموعة منظمات وسيطة، أبرزها “علياه غروب”. وليست “علياه غروب” مجرد جمعية خيرية أو وكالة سفر لتسهيل الهجرة، بل هي أقرب لآلة هندسة ديموغرافية متكاملة، تعمل من أجل تسهيل الهجرات الجماعية ومنحها الأولوية على الهجرات الفردية التي تنتهي في كثير من الأحيان بالفشل والعودة.
تأسست المنظمة عام 1992 على يد الحاخام يهوشع زوكرمان، وهو رجل دين يهودي يعتبر من أقطاب تيار “الصهيونية الدينية”، وأحد كبار حاخامات مدرسة “هار هامور” التي ترفض أي تنازل عن “أرض إسرائيل التوراتية”. ولأن التأسيس كان في خضم المفاوضات مع الفلسطينيين، التي أسفرت عن اتفاقية أوسلو عام 1993، كانت خطة زوكرمان هي استقدام اليهود الفرنسيين لزرعهم في الضفة الغربية والقدس، وذلك بهدف خلق أمر واقع ديمغرافي يجعل من انسحاب الإسرائيليين أو إقامة دولة فلسطينية أمرا مستحيلا.
على موقع “علياه غروب” الرسمي تظهر الإنجازات التي تحتفي بها المنظمة، 30 عاما من الخبرة، نسبة نجاح تبلغ 98%، وأكثر من 1800 عائلة مهاجرة، علاوة على مئات الزيجات التي ساهمت فيها. وتبدأ الرحلة عبر ملء استمارة، ثم اتصال فلقاء يتبعه فتح ملف ومتابعة خطوة بخطوة حتى ركوب الطائرة. وبعد الوصول إلى إسرائيل لا يخرج المهاجرون من المطار إلا بعد استقبال حافل بالتهاني والعناق، ثم يحصل المهاجرون على جوازات سفر إسرائيلية تُطبع في المطار، ولا يخرج القادمون إلا بها.

بعد ذلك مباشرة تكون خطوة التوجّه إلى المنزل عبر حافلة تنتظر الوافدين أمام المطار، وهنا تبدأ المرحلة الأصعب، حيث ترافق المنظمة هؤلاء المهاجرين الصهاينة في تحدياتهم اليومية: تعلم اللغة العبرية، وإيجاد وظيفة، وتسجيل الأطفال في المدارس، وإحاطة الأسر الجديدة بمجتمعات مصغرة تساعدهم على التأقلم في المجتمع الجديد. وتحرص دولة الاحتلال على إظهار أن يوتوبيا الحياة في إسرائيل حقيقية تماما، فبعد عامين من الهجرة، نجد عائلة “هاروش” التي ذكرنا قصتها في البداية وهي تحكي عن سعادتها بالقرار الذي اتخذته، وكيف أن الحياة لم تكن سهلة دائما، إلا أنها حياة مليئة بالترقي الروحي و”العلياه” لجميع أفرادها، بمن في ذلك الابنة التي التحقت بجيش الاحتلال الإسرائيلي للخدمة فيه.
“ليخ ليخاه”
رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها دولة الاحتلال من أجل إدماج الوافدين إليها، فإن ما يفرقهم أكثر بكثير مما يجمعهم، فهم يعيشون في الغالب في جماعات منغلقة داخل المجتمع الإسرائيلي الكبير. ويحافظ يهود فرنسا على هويتهم الوطنية الفرنسية، ويتجنبون نوعا ما تبني نمط حياة إسرائيلي كامل، ويتحدثون الفرنسية فيما بينهم، ويقرؤون الكتب والصحف باللغة الفرنسية، ويطورون مواقع الويب ووسائل الإعلام الخاصة بهم، ويقيمون فعاليات ثقافية باللغة الفرنسية.
والأهم من ذلك أنهم يحافظون غالبا على الجنسية الفرنسية، ويداومون على الإقامة لفترات في فرنسا والحفاظ على ممتلكات لهم هناك. وهكذا تبدو الحياة في إسرائيل دينية وأيديولوجية بالأساس، لكنها تظل مغامرة حذرة، إذ إن الهروب وارد في أي وقت، خاصة عندما يتعلق الأمر بأرض منهوبة لا يزال أصحابها يطالبون بها.
بيد أن بعض الفرنسيين يحرقون جسورهم في بلاد الأنوار، وهم الأشد حماسة لإسرائيل من غيرهم. من بين هؤلاء نيلي كوبفر-ناوري، المحامية والناشطة السياسية الفرنسية الإسرائيلية، مؤسسة منظمة “ليخ ليخاه” اليمينية المتطرفة الداعمة للاستيطان. وتعتبر عبارة “ليخ ليخاه” أحد أهم المفاهيم التوراتية التي تعني “اذهب لنفسك” أو “امض في طريقك”، وهي الكلمة الافتتاحية في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، وتمثل الأمر الإلهي الأول الذي وُجِّه إلى النبي إبراهيم للذهاب إلى “أرض الميعاد”.
“نشأت ناوري في بيئة صهيونية صرفة، فهي ابنة القيادي الصهيوني البارز جاك كوبفر”
نشأت ناوري في بيئة صهيونية صرفة، فهي ابنة القيادي الصهيوني البارز “جاك كوبفر”، أحد أشرس الوجوه الأيديولوجية التي قادت تيار اليمين واليمين المتطرف داخل الجالية اليهودية في فرنسا، وأحد المحرضين على الهجرة (العلياه) نحو المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، وهو نفسه الذي شغل لسنوات طويلة منصب رئيس فرع حزب “الليكود” في فرنسا، وكان الصوت الممثل لليمين الإسرائيلي المتشدد في باريس. وترأس ناوري أيضا جمعية “إسرائيل إلى الأبد” التي تهدف إلى حشد القوى الصهيونية الناطقة بالفرنسية.
وعلى عكس “علياه غروب”، التي تبدو منظمة بيروقراطية إدارية براغماتية، تأتي منظمة “ليخ ليخاه” بوصفها منظمة أيديولوجية تستهدف الجميع لكنها تركز على المقتنعين بالحلم الصهيوني، وتقدم غالبية التسهيلات التي تقدمها المنظمة الأولى، مع التركيز بشكل أكبر على الاستيطان في الضفة الغربية.
لا تقف مساهمة ناوري في “جرائم الحرب” على توطين اليهود في الضفة الغربية، بل إنها في الفترة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2024 تزعمت تحركات ميدانية لعرقلة شاحنات المساعدات الإنسانية المتجهة إلى قطاع غزة عبر المعابر الحدودية (مثل كرم أبو سالم ونيتسانا)، حيث منع الناشطون الصهاينة عشرات الشاحنات، وذلك بالتعاون مع حركة “تساف 9” بقيادة الناشطة الصهيونية راشيل تويتو.
ولم تكتف المحامية الفرنسية بهذا، بل وثقت وتفاخرت بهذه الأفعال في مقاطع فيديو نُشرت عبر الإنترنت، مبررة ذلك بأنه “من غير الأخلاقي إرسال قوافل إنسانية”. وفي أثناء الحرب على غزة، أدلت ناوري بتصريحات إعلامية متكررة نزعت فيها الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين وبررت استهدافهم، فقد اعتبرت أنه لا يوجد أي مدني في القطاع قائلة إنه لا يجب التعامل مع الأطفال والنساء كأبرياء، ودعت صراحة إلى تدمير غزة بالكامل وتسويتها بالأرض وتهجير أهلها قسريا وتوطين اليهود فيها.
ونظرا لحملها الجنسية الفرنسية، تخضع ناوري لاختصاص القضاء الفرنسي الذي تحرك ضدها وضد تويتو استجابة لشكاوى منظمات حقوقية، أبرزها “الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام” و”طوارئ فلسطين”، حيث فتحت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا تحقيقا قضائيا في مايو/أيار 2024 يبحث في تهم “التواطؤ في الإبادة الجماعية” و”التحريض المباشر على الإبادة” و”التواطؤ في جرائم الحرب”، ثم أصدر قاضي تحقيق من قسم “الجرائم ضد الإنسانية” في محكمة باريس في فبراير/شباط الماضي مذكرتي ضبط وإحضار بحقها وبحق ناشطة فرنسية إسرائيلية أخرى، بهدف استجوابهما حول دورهما في منع المساعدات الإنسانية عن غزة.
رغم الاختلاف اللغوي والعرقي، فإن يهود فرنسا أبدوا دعما كبيرا لدولة الاحتلال منذ نشأتها، وها هم اليوم يرمون بأنفسهم إلى نار الحرب من أجل دعم بقاء إسرائيل بعد أن هبت عليها رياح عالية كانت أقوى من الطوفان، يكتبون بذلك فصلا جديدا من الإجرام لن يمحوه التاريخ، ولو لألف سنة قادمة.
