لم يعد الذكاء الاصطناعي ملفا تقنيا يدور حصرا حول الابتكار والكفاءة، بل أصبح مجالا تتداخل فيه سلامة النماذج المتقدمة مع احتكار الحوسبة والرقائق والبيانات، ومع صراع النفوذ بين القوى الكبرى.

وتكشف التغطيات الصحفية الصينية أن النقاش بشأن إبطاء تطوير النماذج المتقدمة لا ينفصل عن سؤال جيوسياسي أكبر حول دور صياغة الضوابط في منع فقدان السيطرة البشرية على الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان الهدف الحقيقي هو إبطاء المنافسين وحماية تفوق الشركات والدول المهيمنة.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

تحذير تقني أم إعادة تموضع؟

عرضت صحيفة هوان تشيو الصينية دعوة داريو أمودي -الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك– إلى إبطاء تسارع قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، على أساس أن المخاطر المرتبطة بها باتت “جسيمة”، وأن تدابير الوقاية لا تواكب التقدم التقني بالسرعة الكافية.

واقترح أمودي إنشاء فرق تقييم خارجية مستقلة، تتمتع بصلاحيات وصول مماثلة لموظفي الشركات، للتحقق من الالتزام بمعايير السلامة، وتقييم النماذج وإجراءات تدريبها، والإبلاغ عن الحوادث الأمنية.

داريو أمودي وسام ألتمان بين قادة شركات وخبراء شاركوا في أول قمة عالمية عن الذكاء الاصطناعي في بريطانيا عام 2023 (غيتي)

لقي هذا الطرح تأييدا من سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، وإيلون ماسك مؤسس “إكس إيه آي”. ووفق ما نقلته هوان تشيو عن تقارير أمريكية، فإن توافق ثلاثة من أبرز قادة القطاع يوحي بأن الخوف من الذكاء الاصطناعي خرج من هامش النقاش إلى مركز اهتمام الصناعة.

كما عزز هذه المخاوف حديث جاكوب كوكسون -الباحث السابق في أنثروبيك- عن قلق عميق لدى بعض العاملين من أن تتطور النماذج إلى مستويات يصعب على البشر التحكم فيها.

لكن هذا التحذير يواجه أسئلة عملية وسياسية، فما المقصود بـ”الإبطاء” تحديدا؟ ومن يقرر أن نموذجا ما قد تجاوز العتبة المسموح بها؟ وهل يمكن لشركات متنافسة أن تتفق على خفض وتيرة التطوير من دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تنسيقا يقيّد المنافسة؟

هذه الأسئلة تجعل من السلامة قضية تنظيمية شائكة، لكنها تكشف أيضا احتمال أن تتحول معايير الامتثال المكلفة إلى حواجز دخول تجعل المنافسة أصعب على الشركات الأصغر، وتحمي الشركات العملاقة أكثر مما تحمي السوق أو الجمهور.

FILE PHOTO: OpenAI and Anthropic logos are seen in this illustration taken June 11, 2026. REUTERS/Dado Ruvic/Illustration/File Photo
توافق ثلاثة من أبرز قادة القطاع يوحي بأن الخوف من الذكاء الاصطناعي خرج من هامش النقاش إلى مركز اهتمام الصناعة (رويترز)

ضوابط بلا تنازل

تُظهر صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” أن التوجه الأمريكي لا يحسم لصالح “الإبطاء” الذي يدعو إليه أمودي.

فقد قلل الرئيس دونالد ترمب من الحاجة إلى كبح تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن الولايات المتحدة لا تستطيع التفريط بتفوقها على الصين في المنافسة العالمية، ومختصرا هذا المنطق بالقول إن الفائز في الذكاء الاصطناعي هو الفائز في النهاية.

ويعكس موقف الرئيس الأمريكي مفارقة أساسية مفادها الاعتراف بالحاجة إلى بعض الحواجز الوقائية، مع رفض أي تنظيم قد يُضعف السرعة الأمريكية في السباق.

وقد عبّر رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن الفكرة نفسها حين أقر بالحاجة إلى تدابير أمان، لكنه ربط عدم خسارة التفوق الأمريكي على الصين بالأمن القومي.

وبينما تدرس الإدارة الأمريكية خطواتها، لا تزال محاولات الكونغرس لفرض قواعد -حتى المحدودة منها- تتعثر بسبب التردد في تنظيم قطاع التكنولوجيا.

وهكذا، لا تُفهم السلامة في الخطاب الأمريكي بوصفها هدفا مستقلا تماما؛ إذ تتداخل مع الحسابات الصناعية والانتخابية والضغوط المرتبطة بمراكز البيانات واستهلاك الطاقة والمياه وتأثيرات الأتمتة في الوظائف. وضمن هذه الشروط، تتحول إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى جزء من إدارة القوة الوطنية.

صعود النماذج الصينية المفتوحة المصدر ينافس مسار النماذج الحدودية المغلقة الذي تمثله أنثروبيك، من حيث التكلفة والأداء والانتشار في منظومة المطورين العالمية.

بواسطة شياو تشيان

السلامة ليست حصارا

تتبنى صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية قراءة نقدية لطرح أمودي، معتبرة أن ربطه السلامة بقيود على الصين يكشف تداخلا بين المخاوف التقنية والمصالح التجارية.

فالرئيس التنفيذي لأنثروبيك لم يكتف بالدعوة إلى تقييمات مستقلة أو تعاون دولي، بل طالب أيضا بتقييد وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، والقدرات الحاسوبية والنماذج المتقدمة، بشكل يؤدي -بحسب تقديره- إلى إبطاء الصين وتوسيع أفضلية الولايات المتحدة خلال 3 إلى 5 سنوات.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في سياسات الاتصالات والتكنولوجيا شيانغ لي غانغ قوله إن هذا المنطق متناقض، فهو يقر بالحاجة إلى تعاون الصين لتحقيق تنظيم عالمي فعال، ثم يدعو إلى إضعاف قدرتها التقنية.

كما نقلت عن شياو تشيان -نائبة عميد معهد الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي بجامعة تشينغهوا- قولها إن صعود النماذج الصينية المفتوحة المصدر يمثل منافسة مباشرة لمسار النماذج المغلقة الذي تمثله أنثروبيك، من حيث التكلفة والأداء والانتشار بين المطورين.

وبذلك، قد تغدو “السلامة” في هذه القراءة الصينية وسيلة لرفع حواجز الدخول، وتعزيز موقع الشركات التي تملك الحوسبة والتمويل والقدرة على تحمل كلفة الامتثال.

أمن البيانات والسيادة

لا يعني النقد الصيني للقيود الأمريكية التقليل من حقيقة المخاطر، فقد نقلت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” عن وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين وصفه الذكاء الاصطناعي بأنه “ساحة جديدة للمنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى”.

وحذر الوزير من توظيفه في التضليل، والهجمات السيبرانية، وجمع بيانات الدولة الحساسة والأسرار التجارية والمعلومات الشخصية عبر أدوات التنقيب عن البيانات والزحف الذكي وبناء الملفات التعريفية.

هنا، تتسع الحوكمة الصينية لتشمل حماية البنية التحتية المعلوماتية، ومنع تسرب البيانات المحلية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي الأجنبية، والحد من الثغرات في بعض الوكلاء مفتوحي المصدر.

ولكن -في الوقت ذاته- ترفض بكين ما تصفه بالقيود التقنية الإقصائية على إمدادات الرقائق المتقدمة والاستثمارات الرقمية والأسواق المفتوحة والكفاءات الإنتاجية، وتدعو إلى “نظام دولي عادل ومفتوح لقواعد الذكاء الاصطناعي”، وإلى تعاون متعدد الأطراف يدعم بناء القدرات التقنية في دول الجنوب العالمي.

وفي هذا السياق، وقّعت 29 دولة في شنغهاي -في يوليو/تموز 2026- اتفاقية إنشاء “المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي” (وايكو)، التي بادرت الصين إلى تأسيسها، وتتخذ من شنغهاي مقرا لها. وتقول بكين إن المنظمة تهدف -ضمن أولوياتها- إلى دعم بناء قدرات دول الجنوب العالمي وتعزيز مشاركتها في الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.

وتوحي هذه المواقف بأن الخلاف لا يدور حول مبدأ السلامة والحد من المخاطر وحده، بل أيضا حول من يضع معاييرها والأهداف التي تخدمها.

 

فالاختبارات المستقلة، والإبلاغ عن الحوادث، ومعايير أمن النماذج، وحماية البيانات، كلها ضرورات تفرضها قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

لكن حين تقترن هذه الضوابط بتقييد الرقائق والحوسبة والنماذج بغرض الحفاظ على فجوة إستراتيجية، فإنها تنتقل من حوكمة المخاطر إلى هندسة المنافسة الجيوسياسية.

ومن ثم، فإن معيار الحوكمة الناضجة لن يكون تحديد من يحق له تطوير الذكاء الاصطناعي، بل محاولة ضمان أن تبقى السيطرة النهائية للبشر، وألا تتحول السلامة إلى اسم آخر للاحتكار أو الاحتواء.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل