Published On 12/9/2026
تتجه اليابان إلى إنفاق دفاعي غير مسبوق في تاريخها الحديث، بعدما تجاوزت موازنة الدفاع حاجز 58 مليار دولار ضمن موازنة السنة المالية 2026، في خطوة تعكس تحولا لافتا في السياسة الأمنية لطوكيو، وتفتح في الوقت نفسه نقاشا داخليا حول كلفة التسلح وأولويات الإنفاق الحكومي.
اليابان التي جعلت من نبذ الحرب عقيدة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية؛ فهي تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية في منطقة تشهد تصاعدا في سباق القوة، بينما يعاني المجتمع من غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للفرد.
وعلى مدى عقود، ارتبطت صورة اليابان بسياسة دفاعية حذرة، لكن البيئة الأمنية المحيطة بها دفعت طوكيو إلى إعادة النظر في حجم قدراتها العسكرية. ويقول هيرويو أوغي، ضابط سابق في وزارة الدفاع اليابانية، إن تعزيز قدرات قوات الدفاع الذاتي يتطلب معدات وأسلحة دفاعية، مشيرا إلى أن الصناعة الدفاعية اليابانية تؤدي دورا أساسيا في توفير هذه القدرات، ولذلك يجري العمل على تعزيزها.
ويأتي هذا التوجه في ظل تنامي القدرات العسكرية للصين واستمرار الاختبارات الصاروخية لكوريا الشمالية، الأمر الذي يدفع طوكيو إلى توسيع مفهوم أمنها من مجرد الردع والدفاع إلى بناء قدرات عسكرية أكثر اتساعا.
الدفاع يتقدم على التعليم والبنية التحتية
لكن التحول لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد إلى أولويات الموازنة اليابانية، ويقول تاكيرو دوي، أستاذ الاقتصاد في جامعة كيو اليابانية، إن الإنفاق الدفاعي تجاوز تسعة تريليونات ين، في حين يبلغ الإنفاق على التعليم والأشغال العامة نحو ستة تريليونات.
ويرى دوي أن الفارق أصبح واضحا بصورة متزايدة، مع تجاوز الإنفاق الدفاعي ما تخصصه اليابان للتعليم والبنية التحتية. وهنا تبرز المفارقة الاقتصادية والسياسية: فبينما ترى الحكومة في تعزيز القدرات الدفاعية ضرورة لمواجهة البيئة الأمنية المتغيرة، يطرح ارتفاع الإنفاق العسكري سؤالا حول الموارد التي يمكن توجيهها إلى القطاعات المدنية في وقت يواجه فيه المواطنون ضغوطا معيشية متزايدة.
اقتصاد دفاعي جديد
ولا تريد طوكيو أن يكون الإنفاق الدفاعي مجرد زيادة في شراء الأسلحة، بل تسعى إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة. وتشمل الاستثمارات مجالات مثل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات غير المأهولة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني.
والرهان الحكومي هو أن تتحول هذه الاستثمارات تدريجيا من عبء على الموازنة إلى قاعدة تكنولوجية وصناعية يمكن أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد المدني. لكن رينتارو إينوليه، خبير الصناعات الدفاعية، يحذر من النظر إلى الإنفاق العسكري باعتباره محركا مضمونا للنمو الاقتصادي.
ويقول إنه لا يمكن الجزم بأن زيادة الإنفاق الدفاعي ستقود إلى نمو اقتصادي بحد ذاتها، لأن الدفاع بطبيعته يمثل كلفة ولا يوفر عائدا اقتصاديا مباشرا. لكنه يوضح أن الحكومة تراهن على تقنيات ذات استخدام مزدوج يمكن توظيفها في المجالات العسكرية والمدنية معا، بما قد يساعد على خفض الكلفة تدريجيا.
كل ين للدفاع يفتح سؤالا جديدا
ومع اتساع الموازنة الدفاعية، لم يعد السؤال في اليابان عسكريا فقط. فكل زيادة في الإنفاق على الدفاع تفرض سؤالا سياسيا واجتماعيا حول كيفية إقناع مجتمع نشأ على فكرة السلام بأن إنفاق مزيد من الأموال على القوة العسكرية أصبح جزءا من حماية هذا السلام.
ويقول ماسامومي إيشيي، دبلوماسي وسفير سابق، إن المسألة الأساسية تتمثل في المساءلة والشفافية. ويرى أن على الحكومة أن تشرح لليابانيين بصورة أكثر صراحة ووضوحا طبيعة البيئة الأمنية الصعبة التي تواجهها البلاد، حتى يفهم المجتمع دوافع هذا التحول في السياسة الدفاعية.
ولا تبدو القفزة في الإنفاق الدفاعي الياباني مجرد زيادة في بند من بنود الموازنة، بل انعكاسا لتحول أوسع في رؤية طوكيو لموقعها الأمني في المنطقة. فالصين تواصل تعزيز قدراتها العسكرية، وكوريا الشمالية تواصل تطوير واختبار قدراتها الصاروخية، بينما تجد اليابان نفسها أمام خيار تعزيز الردع والقدرات الدفاعية. لكن هذا الخيار يأتي في الوقت نفسه بكلفة داخلية متزايدة، خصوصا مع تقدم الإنفاق الدفاعي على قطاعات كانت لعقود في صلب أولويات الدولة اليابانية.
وللمرة الأولى يتجاوز الإنفاق الدفاعي ما تخصصه اليابان للتعليم والأشغال العامة، لتصبح معركة الأمن مرتبطة أيضا بمعركة أخرى لا تقل أهمية: معركة تحديد أولويات الدولة وكيفية توزيع مواردها بين حماية البلاد وتحسين حياة مواطنيها.
وبينما ترى الحكومة أن البيئة الأمنية تفرض على اليابان إنفاقا دفاعيا أكبر، يبقى عليها إقناع مجتمع اعتاد عقودا من الخطاب السلمي بأن تعزيز القوة العسكرية ليس ابتعادا عن السلام، وإنما وسيلة لحمايته. وهنا تكمن المفارقة اليابانية الجديدة: بلد جعل نبذ الحرب جزءا من هويته بعد الهزيمة، يجد نفسه اليوم أمام موازنة دفاعية قياسية، ويبحث عن صيغة توازن بين متطلبات الأمن وكلفة الحفاظ على هذا الأمن.
