تبقى المفاوضات بين بيروت وتل أبيب عالقة بلا موعد محدد لجولة جديدة، في وقت لا تزال فيه الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة بحق الجنوب اللبناني في خرق واضح لبنود الاتفاق الإطاري الموقع بين الجانبين.
وبينما لا يزال الرئيس اللبناني جوزيف عون متمسكا بخيار التفاوض ومساعيه، معتبرا أنه السبيل الوحيد لتحرير الجنوب ونشر الجيش اللبناني على طول الحدود، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، على لسان رئيس أركانه إيال زامير، اعتزامه رفع جاهزيته العملياتية على جميع الجبهات، من إيران ولبنان وصولا إلى غزة، في ظل ما وصفه بـ”قابلية التصعيد على عدة جبهات”.
ويتناول هذا التقرير الإجابة عن أبرز التساؤلات حول تطورات مسار المفاوضات المتعثرة بين لبنان وإسرائيل، والخلافات التي تعيق فرص انعقاد جولة جديدة من المباحثات، وسط استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان.
لماذا لم يحدد موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما؟
حسب التقارير، أصابت المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية حالة من الجمود بعدما رفضت تل أبيب توسيع المناطق التجريبية، مقابل سعيها فرض مزيد من الشروط على الجيش اللبناني ومطالبتها المتسمرة بتسليم حزب الله سلاحه، وهو ما أثار تكهنات حول مستقبل الاتفاق الإطاري الموقع بين الجانبين، وزاد من رقعة الرفض اللبناني لهذا المسار.
وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أجرى الجانبان جولة مفاوضات سابعة في العاصمة الإيطالية روما، لكنها لم تسفر عن تحقيق أي تقدم ملموس في أي من الملفات التي تناولتها المباحثات، وذلك بسبب التشدد الإسرائيلي الذي قال مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام إنه “يبدو مدعوما من الولايات المتحدة”.
وتتزامن حالة الانسداد هذه مع تصعيد إسرائيلي متواصل ضد قرى وبلدات جنوبي لبنان، إذ تواصل قوات الاحتلال التوغل في الأراضي اللبنانية واحتلال مناطق منها إلى عمق تجاوز خلال العدوان الراهن مسافة 10 كيلومترات.
تبرير أمريكي
ويبدو أن واشنطن تدعم الموقف الإسرائيلي بشأن المفاوضات في روما، إذ برر السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى -الأربعاء- استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بزعم عدم التزام حزب الله بوقف إطلاق النار وتسليم سلاحه.
وقال عيسى إن “الاعتداءات الإسرائيلية موجودة ولم تتوقف، وهي خارج إطار الاتفاق على المناطق التجريبية”، مضيفا أن “كل ما تطلبونه هو أن تخرج إسرائيل، فلماذا لا تطلبون من الحزب أن يسلم سلاحه؟”.
وجاء ذلك بعد لقائه مفتي لبنان الشيخ عبد اللطيف دريان، حيث شدد على أن “الولايات المتحدة مهتمة بالوقوف إلى جانب الشعب اللبناني”، من دون أن تحمل تصريحاته أي إشارة إلى فرض واشنطن أي ضغوط حقيقية على تل أبيب لاستئناف المفاوضات مع بيروت.
وحين سُئل عما إذا كانت واشنطن تشترط نزع سلاح حزب الله أو تسليمه للجيش قبل مطالبة إسرائيل بوقف هجماتها والانسحاب من لبنان، لم يُحمّل عيسى تل أبيب مسؤولية الخطوة الأولى، بل رد بصيغة تُلقي عبء المبادرة على الحزب، قائلا: “إذا تنازع اثنان، أحدهما يطلب أن يبدأ الآخر بتنفيذ ما يُطلب منه حتى ينفّذ هو بدوره ما يجب عليه تنفيذه”.
وحول إمكانية التفاوض مع حزب الله، قال عيسى إن واشنطن مستعدة للتفاوض مع حزب الله إذا “كان لديه شيء ليقدمه لنا”.
كما أعلن أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لم تتوقف، موضحا أن المفاوضات التي تجري في روما هي مفاوضات تقنية وليس لها مواعيد محددة.
وفي ما يتعلق بتقدم ملف المناطق التجريبية ووقف إطلاق النار، في ظل تواصل الغارات والتفجيرات الإسرائيلية في جنوب لبنان بضوء أخضر أمريكي، قال عيسى إن “المناطق التجريبية تتقدم، وكما قلت في تصريح سابق، فإن كل ما يحضر على ورق يأخذ وقتا للتنفيذ على الأرض”.
الموقف اللبناني
وعلى الرغم من عدم تحديد موعد للجولة الثامنة من مفاوضات روما، ظل الرئيس اللبناني جوزيف عون -الأربعاء- متمسكا بخيار التفاوض، مؤكّدًا أنّه يبقى الخيار الأفضل مقارنة بالحرب، حتى وإن اعترضته عراقيل وصعوبات.
وجاء ذلك خلال استقباله وفدا من المجلس العام الماروني في قصر بعبدا، حيث شدد عون على أن “بناء الأوطان مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق شخص أو طرف واحد”، مشيرا إلى أن اللبنانيين “يلتقون على الأهداف نفسها: تحرير الجنوب، ونشر الجيش حتى الحدود، واسترجاع الأسرى، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار”.
وأردف أن هذه الأهداف “لا يمكن تحقيقها بالحرب كما تبيّن، فلا خيار بالتالي إلا التفاوض”.
أما حزب الله، فيرفض حتى اللحظة الانصياع لمطالب الاحتلال الإسرائيلي ويرفض بنود الاتفاق الإطاري التي تنص على تسليمه سلاحه مقابل الانسحاب من أراضي جنوب لبنان.
الموقف الإسرائيلي
في المقابل، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير -الخميس- العمل على رفع الجاهزية العملياتية لجيش الاحتلال في جميع الجبهات، والتي تشمل إيران ولبنان وصولا إلى قطاع غزة، في ظل ما وصفه بـ”قابلية التصعيد على عدة جبهات”.
وجاء ذلك خلال تقييم للوضع على مختلف الجبهات صباح اليوم، إذ أكد زامير أن “تحديات عديدة لا تزال أمامنا”، مشيرا إلى أنه أوعز برفع “حالة تأهب مقر فرقة نظامية إضافية، بهدف تعزيز قوام القوات في المنطقة”، إلى جانب الاستعداد لتفعيل وحدات وكتائب لتدعيم القوات هناك بشكل فوري.
وأوضح رئيس الأركان أن الجيش الإسرائيلي سيكون “في حالة تأهّب كاملة ومتعددة الجبهات خلال فترة الأعياد”، مؤكدا عدم وجود فترات توقف، وأنه “لن يجري تقليص قوام القوات العملياتية”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن -في وقت سابق- أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة، مضيفا أنه أصدر تعليمات للجيش باتخاذ جميع الخطوات اللازمة للاستعداد لوجود “طويل الأمد”، حسبما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت .
من يرفض تحديد موعد جديد للمفاوضات؟
يعود سبب جمود المسار التفاوضي إلى إسرائيل، التي رفضت خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات تقديم إي تنازلات أو انسحابات جديدة من جنوب لبنان، الأمر الذي دفع الوسيط الأمريكي إلى الإحجام عن تحديد موعد رسمي للجولة الثامنة حتى الآن.
وطلبت إسرائيل من الجيش اللبناني -خلال الجولة السابعة من المفاوضات- تفتيش نحو 40% من البيوت الواقعة جنوب نهر الليطاني للتأكد من عدم وجود أسلحة بها.
ونقل مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام عن صحيفة “يسرائيل هيوم” أن المسؤولين العسكريين اللبنانيين الذين شاركوا في هذه الجولة رفضوا هذا الطلب بشكل قاطع، رغم قبول المسؤولين السياسيين به.
كما نقلت صحيفة معاريف أن إسرائيل قالت إنها ستدرس الطلب اللبناني، لكن الواضح -بحسب كرام- أن تل أبيب وواشنطن لا تقبلان بأي انسحاب جديد من جنوب لبنان.
وتمحورت الخلافات حول نقاط مهمة أبرزها توسيع المناطق التجريبية التي يريد لبنان توسيعها، وطلب تضمين الخيام وبنت جبيل لها، وهو ما رفضه الإسرائيليون، بحسب ما نقله كرام.
وهكذا يبقى الجنوب اللبناني عالقا بين مسار تفاوضي متعثر، وتهديدات إسرائيلية برفع الجاهزية على جميع الجبهات، ليظل السؤال معلقا حول ما إذا كانت بيروت قادرة على انتزاع انسحاب إسرائيلي عبر الدبلوماسية، أم أن خيار التصعيد سيفرض نفسه على حساب التسوية.
