Published On 26/8/2026
في ظل التراجع المستمر للزيارات القادمة من محركات البحث، بدأت أكبر سلسلة صحف في الولايات المتحدة الأمريكية إعادة بناء علاقتها بالجمهور على أساس مختلف، يقوم على معرفة المستخدمين بصورة أفضل وتحويل ملايين الزيارات المجهولة إلى علاقات مباشرة يمكن الاستفادة منها في الاشتراكات والإعلانات.
وكشفت الصحفية هناء تميز، في تقرير نشره مختبر نيمان للصحافة، أن شركة يو إس إيه توداي أبرمت اتفاقا مع شركة البرمجيات وتحليل البيانات بالانتير، لاستخدام منصتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك الجمهور وتحسين القدرة على تحقيق الإيرادات منه.
وقال رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة مايك ريد إن الشراكة تهدف إلى تحسين طريقة جمع بيانات الجمهور وربطها وتفعيلها، بما يسمح بتحقيق دخل أسرع وأكثر كفاءة عبر منصات المجموعة، وتملك أكثر من 200 صحيفة محلية في الولايات المتحدة، إلى جانب الصحيفة الوطنية التي تحمل الاسم نفسه.
كل زيارة تتحول إلى إشارة
تقوم الإستراتيجية الجديدة على التعامل مع كل زيارة وجلسة ووقت يقضيه المستخدم مع المحتوى باعتباره إشارة يمكن ربطها بإشارات أخرى لتكوين صورة أكثر وضوحا عن الجمهور.
ويرى ريد أن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الوصول وحده، بل في تحويل الجمهور الكبير إلى علاقات مباشرة مع مستخدمين معروفين، بما يسمح بتقديم محتوى وعروض واشتراكات وإعلانات أكثر ملاءمة.
وتؤكد الشركة أن البيانات ستظل ملكا لها، وأن دور بالانتير يقتصر على توفير التكنولوجيا التي تساعدها على التعامل مع هذه البيانات بسرعة وذكاء أكبر.
وقالت رئيسة يو إس إيه توداي ميديا كريستين روبرتس إن الشراكة يمكن أن تقود إلى توصيات وعروض أكثر ارتباطا باهتمامات القراء، إضافة إلى تطوير تجارب أكثر ذكاء في الاشتراكات والإعلانات.

محركات البحث ترسل جمهورا أقل
تأتي الخطوة في وقت تواجه فيه المؤسسات الإعلامية حول العالم تراجعا في الإحالات القادمة من البحث التقليدي، مع تغير طريقة اكتشاف المستخدمين للمعلومات وانتشار إجابات الذكاء الاصطناعي.
وسجلت شبكة يو إس إيه توداي 158 مليون زائر فريد خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ180 مليونا في الربع الأول.
لكن روبرتس تؤكد أن الانخفاض لا يعني تراجع الطلب على المحتوى، بل يعكس تقلص الزيارات القادمة من محركات البحث نتيجة تغير عادات اكتشاف الأخبار.
وتشير تجربة تغطية كأس العالم إلى أن البحث لم يفقد قيمته تماما، إذ حققت التغطية عبر شبكة المجموعة 97 مليون مشاهدة للصفحات، جاء نحو 65% منها من محركات البحث.
لكن روبرتس تقول إن المؤسسة لا تعتزم بناء مستقبلها على البحث، حتى في المجالات التي تحقق فيها أداء قويا، بل تريد تطوير طرق توزيع تواكب كيفية استهلاك الجمهور للمحتوى في البيئة الرقمية.

شريك مثير للجدل
وتحمل الشراكة بعدا آخر بسبب الجدل المحيط ببالانتير، التي قدمت تقنياتها لجهات حكومية وعسكرية، من بينها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ووزارة الدفاع الأمريكية والجيش الإسرائيلي.
كما أن رئيس مجلس إدارة الشركة وأحد مؤسسيها هو الملياردير بيتر ثيل، الذي سبق أن مول دعوى المصارع هالك هوغان ضد موقع غوكر، وهي القضية التي انتهت بإفلاس المؤسسة الإعلامية وإغلاقها.
وليست يو إس إيه توداي أول مؤسسة إعلامية تتعامل مع الشركة، إذ سبق أن دخلت أكسل شبرينغر، المالكة لبزنس إنسايدر وبوليتيكو وبيلد وذا تلغراف، إضافة إلى فوكس نيوز، في شراكات للاستفادة من أدواتها في تحليل البيانات.
وفي مواجهة المخاوف المتعلقة بالخصوصية، تقول يو إس إيه توداي إنها تلتزم بقوانين حماية البيانات ومعايير أمن المعلومات، وتطلب من شركائها الالتزام بها أيضا، مؤكدة أن قراراتها التحريرية ستظل مستقلة ومحكومة بمعاييرها الصحفية.

هل تصل المواجهة إلى غوغل؟
تكشف تصريحات ريد عن تحول أكبر في علاقة الناشرين بمحركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي.
فهو لا يستبعد مستقبلا منع محركات البحث من جمع محتوى المؤسسة إذا لم تتوصل الشركة إلى اتفاق عادل بشأن الترخيص، لكنه يفضل التفاوض مع غوغل على نموذج يسمح باستخدام المحتوى في البحث التقليدي وملخصات الذكاء الاصطناعي مقابل تعويض مناسب.
وهكذا، لا تبدو شراكة يو إس إيه توداي مع بالانتير مجرد مشروع لتحليل البيانات، بل جزءا من محاولة أوسع لتقليل الاعتماد على الوسطاء وبناء علاقة أكثر مباشرة مع الجمهور.
فمع تراجع الزيارات القادمة من البحث، يصبح السؤال بالنسبة إلى الناشرين أقل ارتباطا بعدد من يصلون إلى المحتوى، وأكثر ارتباطا بمدى قدرتهم على معرفة هؤلاء المستخدمين وتحويل الوصول العابر إلى علاقة مستدامة ذات قيمة.
