بعد انهيار مفاوضات التجارة مع أوتاوا، صاغ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب النتيجة باللغة الترمبية المعتادة “نحن لا نحتاج كندا، هم من يحتاجنا”، فجاء رد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من مكان آخر تماما، بأن بلاده لن تقبل أن تُعامَل على طاولة التفاوض وكأنها “فرع تابع للولايات المتحدة”.

وهكذا تحولت أزمة الرسوم من خلاف تجاري بين جارين إلى اختبار لطريقة ترمب في الضغط على الحلفاء، ولحدود ما تستطيع أمريكا انتزاعه حين تستخدم سوقها سلاحا.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

كانت الصفقة قريبة بما يكفي كي يعلن ترمب أن اتفاقا تحقق، ثم تفككت قبل منتصف الليل. فوفق نيويورك تايمز، رأت واشنطن أنها قدمت لكندا أفضل اتفاق عرضته على أي دولة، في حين رأت أوتاوا أن الثمن المطلوب منها يفوق ما يمكن قبوله.

وبعد شهر من مفاوضات كانت تتقدم لتجنب رسوم جديدة وتخفيف أخرى مفروضة، أنهى كارني المحادثات وأمر فريقه بمغادرة واشنطن.

صفقة بالإكراه

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الملفات العالقة تشعبت في اللحظات الأخيرة بين السيارات والصلب والألمنيوم، وقواعد حماية المحتوى الكندي والفرنكوفوني على الإنترنت، ومشروع “كيستون إكس إل”، إضافة إلى مطلب أمريكي بأن تساير كندا رسوم واشنطن على دول أخرى.

لكن هذه الملفات -حسب القراءة الكندية- كانت تقود إلى جوهر واحد، هو أن واشنطن لم تطلب تنازلات تجارية فحسب، بل أرادت مساحة داخل القرار الكندي نفسه.

وحسب الصحيفة، أرادت الولايات المتحدة أن تراجع وربما تملي شروط اتفاقيات كندا التجارية المستقبلية مع دول أخرى، وأن تطبق أوتاوا الرسوم الأمريكية على أطراف ثالثة إذا غيرت واشنطن سياستها، وكان ذلك بالنسبة لإدارة ترمب حماية للسوق الأمريكية من دخول سلع أرخص عبر كندا، أما بالنسبة لكارني فكان ذلك مساسا مباشرا بخطته لتقليل اعتماد كندا على السوق الأمريكية وفتح مسارات تجارية أخرى.

دخلت اللغة الفرنسية أيضا إلى قلب الخلاف، فقد ضغطت واشنطن حتى الساعات الأخيرة لإلغاء قانون يدفع منصات البث إلى إبراز الأفلام والمسلسلات الكندية للمشتركين.

وفي بلد تُعد فيه الفرنسية -خصوصا في كيبيك- جزءا من توازنه الوطني، بدا الطلب الأمريكي تجاوزا لما يمكن بيعه كتنازل اقتصادي، ولذلك خلص كارني إلى صيغة حاسمة “لا نستطيع قبول ما عرضوه، ولن نعطيهم ما طلبوه”.

سياسة ترمب بالضغط التجاري على كندا قد ترتد أسعارا أعلى وقلقا انتخابيا داخل أمريكا (رويترز)

الكلفة الأمريكية

غير أن سلاح الرسوم لا يضرب كندا وحدها، فواشنطن بوست تذكّر بأن الاقتصادين متداخلان إلى حد يجعل الحرب التجارية أقرب إلى إصابة الجار والنفس معا، فقطع السيارات تعبر الحدود أكثر من مرة قبل اكتمال المركبة، والشبكات الكهربائية مشتركة، وكندا زودت المصافي الأمريكية بأكثر من 4 ملايين برميل من النفط يوميا عام 2024، وهي أيضا أكبر سوق تصدير لـ32 ولاية أمريكية.

لذلك تحذر هيئة تحرير واشنطن بوست من أن رسوم ترمب البالغة 50% على السيارات والشاحنات وقطع الغيار والصلب من كندا ستضر بمصنعين داخل الولايات المتحدة وترفع الأسعار في البلدين، لأن الحرب التجارية هنا لا تضرب خصما خارجيا منفصلا، بل تضرب سلسلة إنتاج مشتركة قامت عليها مناطق صناعية أمريكية وكندية طوال جيل كامل.

ويحذر موقع أكسيوس من أن توقيت التصعيد يزيد خطورته. فطريق أمريكا إلى خفض التضخم كان يحتاج إلى هدوء في الجبهات التجارية والعسكرية، لكن التوتر مع كندا يأتي بالتزامن مع توترات جديدة مع الصين وإيران. وبذلك تهدد الرسوم والردود المتبادلة بإعادة الضغط على الأسعار، بينما تضيف حرب إيران صدمة جديدة في الطاقة.

الدبلوماسية الغائبة

تكمن نقطة الضعف -كما يكتب ماكس بوت في واشنطن بوست- في أن ترمب يحاول الإكراه حيث يحتاج إلى الإقناع، فهو يهدد الحلفاء من كندا إلى كوريا الجنوبية وعمان، ويعتمد على الضغط العلني بدلا من بناء توافق يثبت طويلا.

والنتيجة -حسب قراءة الكاتب- هي أن الحلفاء لا يستجيبون كما يريد، وكندا والصين دفعتاه إلى التراجع في أكثر من مواجهة، بينما أصبح العالم يرى أن كثيرا من تهديداته أضخم من قدرته على تنفيذها.

وقد تكون التكلفة سياسية أيضا، فواشنطن بوست ترى أن الحرب التجارية مع كندا قد تضر الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصا في سباقات حساسة في مين وميشيغان وأوهايو وآيوا. وإذا تحولت الرسوم إلى أسعار أعلى وقلق صناعي وزراعي داخل هذه الولايات، فقد يجد ترمب أن سياسة “أمريكا أولا” بدأت تؤذي ناخبين أمريكيين قبل أن تخضع كندا.

A cargo ship is seen in the distance as Canadian Prime Minister Mark Carney speaks during a press conference at the Davie Shipyard in Levis, Quebec, Canada on August 24, 2026.
التجارة التي حاول ترمب استخدامها سلاحا تكشف عمق الترابط بين الاقتصادين الأمريكي والكندي (الفرنسية)

درس الحليف

داخل كندا، منح الرفض كارني لحظة التفاف وطني، فقد أفاد أكسيوس بأن تحديه لترمب تحوّل إلى نقطة حشد داخلي، مع دعم من رؤساء حكومات المقاطعات من أحزاب مختلفة وارتفاع في شعبيته.

لكن ذلك لا يلغي الألم المقبل، فاقتصاد كندا أكثر انكشافا أمام السوق الأمريكية، وتقديرات بنك “تي دي” تشير إلى أن الرسوم قد تقتطع بين 0.3 و0.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الكندي.

وتقرأ كريستيان ساينس مونيتور اللحظة بوصفها اختبارا لفكرة “القوة المتوسطة” في عالم لم تعد فيه أمريكا تؤدي الدور الذي اعتاده حلفاؤها، فكندا لا تستطيع قطع روابطها الاقتصادية مع واشنطن، لكنها تحاول منع الاعتماد من التحول إلى تبعية.

ومن اليابان وأستراليا إلى بريطانيا وأوروبا، تراقب قوى أخرى ما يعنيه أن يضطر حليف أمريكي قديم إلى التفكير في مستقبل أقل اطمئنانا للولايات المتحدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل