تجتهد ألمانيا منذ إفراج الأرشيف الوطني الأمريكي في مارس/آذار الماضي عن 10 ملايين بطاقة عضوية بالحزب النازي الألماني (NSDAP) في نبش ماضيها.

فمنذ الإفراج عن هذا العدد الضخم من الوثائق ونشرها في موقع الأرشيف على الإنترنت، سجل الموقع ملايين الزيارات، لأن نشر هذه البطاقات حفز الناس على البحث عن ماضي أقاربهم وعلى مقارنة “الاكتشافات الجديدة” بروايات بعضها صحيح وبعضها ملفق تناقلوها عن آبائهم وأجدادهم.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وكانت الصحيفة الألمانية الأسبوعية “دي تسايت” سبّاقة في إتاحة الفرصة للقراء للتعرف على الماضي النازي للآباء والأجداد، فبعد رقمنة الأرشيف الوطني الأمريكي هذا العدد الكبير من البطاقات، قامت الصحيفة بتوفير 4.5 ملايين بطاقة ولاحقا 8.2 ملايين بطاقة أخرى، مما يعني قدرة المهتمين على العثور على 90% من بطاقات العضوية في الحزب النازي.

وبإمكان الشخص الذي يريد تأكيد أو نفي التاريخ النازي لجده أو جدته أو أحد أقاربه الذين عاشوا في الحقبة النازية تسجيل الاسم والأفضل إضافة تاريخ ومكان الميلاد، فتظهر بطاقة العضوية الأصلية لهذا الشخص والتي تتضمن الاسم ورقم العضوية.

وبهذه الطريقة يعرف المهتم أن جده مثلا كان عضوا في الحزب، أو لا يظهر شيء فيعرف أن هذا الجد كان بريئا من تهمة لم يتورط فيها أشخاص عاديون فقط، بل شخصيات سياسية وازنة تسلمت في جمهورية ألمانيا بعد الحرب أعلى المناصب.

معرض “هتلر والألمان” في المتحف التاريخي الألماني ببرلين عام 2010 (غيتي)

كما قام محررو المجلة الألمانية الأسبوعية “دير شبيغل” -فضلا عن البحث عن تاريخ أجدادهم وأقاربهم- بالنبش في تاريخ النخبة السياسية التي كان لها الباع الأطول في إدارة شؤون الدولة الألمانية الفتية بعد الحرب.

ووفق التحقيق الاستقصائي الذي نفذته المجلة ذات التوجه اليساري الليبرالي، فإن الولايات المتحدة احتفظت لعقود في مركز برلين للوثائق -وهو مؤسسة أرشيفية أمريكية- بملفات حساسة لأعضاء سابقين في الحزب النازي، بينها بطاقات عضوية لعدد من كبار السياسيين في ألمانيا الغربية بعد الحرب.

مستشارون ورؤساء اتحاديون

وتشير إعادة بناء الوثائق السرية إلى أنها شملت مستشارا اتحاديا واحدا ورئيسين اتحاديين ورئيسين للبرلمان (بوندستاغ) و17 وزيرا، إضافة إلى مسؤولين آخرين وقضاة ومدعين عامين.

ومن أبرز الأسماء التي يذكرها تقرير “دير شبيغل” كورت غيورغ كيزينغر الذي أصبح مستشارا لألمانيا الاتحادية (1966-1969)، وكارل كارستنز وفالتر شيل، اللذان أصبحا رئيسين لألمانيا الاتحادية، وريشارد شتوكلن الذي تولى رئاسة البرلمان (بوندستاغ)، إضافة إلى هانس ديتريش غينشر الذي شغل منصبي وزير الداخلية والخارجية، وألفريد دريغر، وأوسكار شنايدر، وفريدريش تسيمرمان، وهم من الشخصيات السياسية البارزة في ألمانيا بعد الحرب.

كما يذكر التقرير أسماء مثل إيرهارد إبلر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وفالتر بيشر من الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، وهيلغا فيكس وليزلوته برغر من الحزب المسيحي الديمقراطي، ويشير التقرير إلى أن ما لا يقل عن 57 نائبا في البرلمان (بوندستاغ) عام 1976 كانوا أعضاء سابقين في الحزب النازي.

French President Charles de Gaulle with Kurt Georg Kiesinger, the Chancellor of Germany on Sept. 27, 1968. (AP Photo/Heinz Ducklau)
الرئيس الفرنسي شارل ديغول (يسار) مع المستشار الألماني كورت غيورغ كيزينغر (أسوشيتد برس)

وكانت السلطات الأمريكية تخشى أن يؤدي كشف هذه الملفات إلى خدش صورة الجمهورية الألمانية حديثة التأسيس خصوصا بسبب العدد الكبير من أعضاء الحزب النازي السابقين الذين وصلوا إلى مواقع سياسية مهمة، وظلت المفاوضات بشأن تسليم إدارة المركز إلى ألمانيا متعثرة منذ ستينيات القرن الماضي، بسبب الخلاف حول السرية وحقوق الوصول والملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم النازية، إلى أن تم تسليم المركز للدولة الألمانية رسميا في عام 1994، علما أن الأمريكيين صوروا الوثائق واحتفظوا بنسخ منها.

وبعد رقمنة النسخ التي احتفظت بها الولايات المتحدة، أصبح بالإمكان إعادة بناء محتويات المركز والتعرف إلى أكثر من 70 شخصية بارزة كانت ملفاتها محفوظة فيها.

وهنا يجب التأكيد -بحسب المجلة- على أن مجرد العضوية في الحزب النازي لا تعني تلقائيا أن الشخص كان مجرما نازيا أو مؤيدا عن قناعة للنظام النازي، لأنه لا يجوز اختزال تاريخ شخص معين في مجرد وجود اسمه على بطاقة عضوية، فهناك فرق بين عضوية الحزب من جهة، ودرجة الاقتناع بالفكر النازي والمشاركة في ارتكاب جرائم من جهة أخرى.

بداية القصة

القصة المثيرة لهذا الأرشيف بدأت حتى قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد نقلت قوات من “وحدات الحماية” (إس إس) أطنانا من الوثائق على متن شاحنات من مقر الحزب النازي في ميونخ إلى مصنع لتدوير الورق، وكانت الأوامر بإتلاف هذه الوثائق بالكامل، لكن صاحب المصنع تجاهل هذه الأوامر وسلم الملفات للجيش الأمريكي.

وإثر ذلك جمع الحلفاء هذا الإرث الضخم للنظام النازي في عدة مراكز أقيمت في ألمانيا الغربية وبرلين، وفي ديسمبر/كانون الأول 1945، وصلت إلى برلين بالقطار أول شحنة من هذه البطاقات، بعد أن اعتبرت الولايات المتحدة هذه الملفات “غنيمة حرب” وبالتالي أصبحت ملكا لها.

بعد تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949، تراجع اهتمام الأمريكيين بهذه الوثائق. لأن حفظ هذه الملفات وتخزينها كان أمرا مكلفا ومعقدا وحجب الوثائق عن الحكومة الألمانية الفتية أصبح مع مرور الوقت غير مبرر، خصوصا بعد انضمام ألمانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتحولها إلى حليف للولايات المتحدة.

لاحقا، أراد الرئيس الأمريكي ليندون جونسون التخلص من هذا الإرث الثقيل، وذلك لتوفير التكاليف، فمنح السفارة الأمريكية في بون (عاصمة ألمانيا قبل الوحدة) 6 أسابيع من أجل التوصل لاتفاق مع الألمان.

FILE - President Lyndon B. Johnson signs the Medicare bill in Independence, Mo., July 30, 1965. At right is former President Harry Truman. The Supreme Court's pending Idaho abortion ruling may hinge on how federal spending power might protect doctors against a state's criminal code. For guidance, the justices can look to the very beginning of Medicare in the 1960s, when the promise of federal funding finally persuaded hospitals in the Jim Crow South to desegregate. (AP Photo, File)
الرئيس الأمريكي ليندون جونسون (يسار) يوقّع قانون ميديكير في ميزوري إلى جانب الرئيس الأسبق هاري ترومان (أسوشيتد برس)

لكن الأمريكيين وضعوا شرطين أساسيين أولهما أن يحتفظوا بحق الوصول إلى السجلات إلى أجل غير مسمى، وثانيهما أن يقوموا قبل إعادة الوثائق بتصويرها، ويؤكد تقرير “دير شبيغل” أن المفاوضات بين الطرفين فشلت بسبب الاشتراطات الأمريكية.

بعدها، بدأ الأمريكيون بعرقلة عملية التسليم أو على الأقل إبطاءها، فأعلنت السفارة الأمريكية في بون أن الأمر “ليس مستعجلا” وإذا كانت الحكومة الألمانية -يقول التقرير- ترى في تغيير الوضع ضرورة، فعلى حكومة المستشار الاشتراكي الديمقراطي فيلي برانت (1969 حتى 1974) أن تقدم اقتراحا جديدا ولكن ليس على الفور.

تعثر المفاوضات

وبرانت فرّ من ألمانيا عام 1933 إلى منفاه الإسكندنافي (النرويج ولاحقا السويد) هربا من النازيين، حيث واصل من هناك نشاطه الصحفي والسياسي المناهض للنازية، ورغم ذلك، لم يكن الاشتراكي الديمقراطي بعد مرور أكثر من 25 عاما على نهاية الحرب معنيا بفتح جبهة جديدة حول الماضي النازي لألمانيا.

وفي تلك الفترة كانت وزارة الداخلية الألمانية تتولى مهمة البت في مصير هذه الوثائق، ويشير التقرير إلى أن نحو نصف موظفي الوزارة كانوا في ذلك الحين مدرجين في سجلات عضوية الحزب النازي، ورغم أن هؤلاء لم يعودوا مرتبطين بالفكر النازي بعد الحرب، لكن بعضهم كان يخشى أن يؤدي الكشف عن ماضيه إلى إلحاق الضرر بمسيرته المهنية.

During U.S. Vice President Walter Mondale, second from left, blitz visit to West Berlin he went to see the Brandenburg Gate which is situated on eastern territory, Jan. 26, 1977, Berlin, Germany. From left to right are, British city commandant Gen. Roy Redgrave, Vice President Mondale, Governing Mayor of West Berlin Klaus Schuetz, West German Foreign Minister Hans Dietrich Genscher and U.S. Ambassador to West Germany Walter Stoessel Jr. (AP Photo/KS)
هانس ديتريش غينشر، خلال زيارة والتر مونديل نائب الرئيس الأمريكي لبرلين عام 1977 (أسوشيتد برس)

وكان وزير الداخلية هانس ديتريش غينشر من الحزب الليبرالي واثنان من أصل 3 من وكلاء الوزارة أعضاء سابقين في الحزب النازي ولهذا، يبدو أن الوزير كان يخشى أن يؤدي الكشف عن هذه الوثائق إلى الإضرار بمستقبله السياسي.

وفي عام 1973 توقفت المفاوضات بين الطرفين، فالولايات المتحدة لم تكن مستعدة للتخلي عن الأرشيف بأي ثمن، وألمانيا لم تكن مستعدة لتسلمه بشروط.

وفي عام 1978 قرر المستشار هلموت شميت ووزير الخارجية هانس ديتريش غينشر الدفع باتجاه استعادة الأرشيف، وفي 1979 بدأت مفاوضات جديدة بين ألمانيا والولايات المتحدة، لتصطدم بمعارضة فرنسية لتسليم الأرشيف لألمانيا، لأن فرنسا كانت تخشي من أن تكشف الوثائق تعاون بعض الحلفاء بعد الحرب مع مجرمين من النظام النازي عندما كان هذا التعاون يخدم مصالحهم.

وفي عام 1980 اتفق المفاوضون على التسليم مع احتفاظ الولايات المتحدة بحق الوصول إلى الوثائق إلى الأبد وبحق تصويرها وبتحمل ألمانيا تكاليف التصوير، وفي عام 1981 عارض الاتحاد السوفياتي التسليم بحجة امتلاكه نصيبا من حق التصرف بالوثائق.

دور يهودي

وفي عام 1985 كشف السفير الألماني في واشنطن غونتر فان فيل أن الولايات المتحدة ترفض تسليم الوثائق بسبب معارضة المنظمات اليهودية، في وقت كان فيه القلق الألماني يتمثل في أن يؤدي فتح الوثائق إلى كشف الماضي النازي لعدد كبير من الشخصيات السياسية والاقتصادية والفكرية الألمانية، وبالتالي انطباع باستمرار النظام النازي.

وفي 1990، أي بعد سقوط جدار برلين، عاد الألمان إلى مطالبة واشنطن بالتسليم، وفي 1993، وقعت ألمانيا والولايات المتحدة اتفاقا نهائيا يقضي بتسليم الوثائق لألمانيا، وفي عام 1994 طمأن المستشار هيلموت كول رئيس المؤتمر اليهودي العالمي إسرائيل سينغر، مؤكدا أن ألمانيا ستضمن وصول الباحثين إلى الوثائق الأصلية.

كما تعهدت وزارة الخارجية الألمانية بأن تبقى الوثائق محفوظة كما كانت عند التسليم وألا يتم إتلافها وفي الأول من يوليو/تموز 1994 تم التسليم الفعلي للوثائق، ليصبح الأرشيف الوطني الألماني مسؤولا عنها علما أن الأمريكيين احتفظوا بنسخة منها.

Federal Chancellor Helmut Kohl holds the bell for the opening of the CDU federal committee meeting at the CDU headquarters in Bonn, Germany on Feb. 20, 1984. (AP Photo/Fritz Reiss)
المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول يفتتح اجتماع اللجنة الاتحادية للحزب المسيحي الديمقراطي عام 1984 (أسوشيتد برس)

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 1998، غادر آخر نواب كانت لهم عضوية سابقة في الحزب النازي البرلمان (بوندستاغ) وكان أبرزهم وزير الخارجية المعمر هانس ديتريش غينشر.

وبعد ظهور بطاقة عضويته في الأرشيف، ادعى غينشر أنه أدرج في عضوية الحزب دون علمه، وهي حجة استخدمها سياسيون بارزون آخرون، بينما يُنقل عن مؤرخين أن هذه الادعاءات كانت مجرد محاولة للدفاع عن الذات وحماية السمعة.

من هنا، يمكن القول إن انتقال هذه الوثائق من السرية إلى العلن لم يكن مجرد كشف عن حقائق مخفية في أرشيف سري، بل خطوة مهمة نحو مواجهة الماضي النازي لألمانيا، فقد أتاح الكشف عن الوثائق فرصة لفهم العلاقة المعقدة بين إرث النظام النازي من جهة وبناء جمهورية ألمانيا الحديثة من جهة أخرى.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل