من إستونيا الى بلغاريا وصولا إلى ضواحي روما، تثير التفجيرات المتتالية والغامضة لمصانع الأسلحة الأوروبية مخاوف من حرب منظمة تقودها موسكو لتعطيل الدعم العسكري لأوكرانيا، وهو تكتيك يجنبها الوقوع في مطب المادة الخامسة للدفاع المشترك في معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) رغم أن التحقيقات لم تشر إلى أدلة مباشرة لهذه المزاعم عن التورط الروسي حتى الآن.
وتقول صحيفة تلغراف البريطانية -نقلا عن مصادر استخباراتية غربية- إن الهجمات على مصانع الأسلحة الأوروبية مدبرة بعناية من الكرملين، وإن موسكو تقوم بتجنيد أفراد عصابات محلية لتخريب مصانع الدفاع ضمن “الحرب الهجينة” بدل توريط عملائها بشكل مباشر، بهدف اختبار رد فعل الناتو.
وليس واضحا إلى أي مدى يمكن أن تؤدي هذه الهجمات المتكررة إلى تعطيل سلاسل الإمداد العسكري إلى أوكرانيا. لكنها قد تنطوي، وفق مراقبين، على رسائل مباشرة لخصوم روسيا، حيث تأتي بموازاة التصعيد الخطير مؤخرا عبر تبادل ضربات مركزة ضد مناطق تجارية وتجمعات مدنية، بالإضافة إلى البنية التحتية الحيوية للاقتصاد والطاقة.
كما تأتي الهجمات في وقت تسارع فيه كييف للحصول على أنظمة دفاع غربية بهدف اعتراض الصواريخ الباليستية، وتمويلات إضافية لاحتياجاتها الدفاعية قبل فصل الشتاء، حيث يتوقع أن تكون هذه النقاط على طاولة النقاش في اجتماع “تحالف الراغبين” الداعم لأوكرانيا غدا الاثنين.
هجمات منسقة وغامضة
تلقي صحيفة تلغراف الضوء على سلسلة من الهجمات والتفجيرات الغامضة التي هزت مواقع تصنيع الأسلحة في أكثر من بلد عضو في حلف الناتو في فترات متقاربة، مما يشير إلى شكوك قوية حسب تقديرها في تورط روسي من خلال تجنيد عصابات إجرامية محلية.
ووفق المعلومات التي نشرتها الصحيفة، اعتقلت لاتفيا الأسبوع الجاري 3 مواطنين للاشتباه بتورطهم في حريق متعمد منتصف أغسطس/آب الجاري، كان استهدف مصنعا للطائرات المسيرة تابعا لشركة “ميلريم روبوتيكس” في إستونيا المجاورة، وهي واحدة من بين شركتين أجنبيتين تزودان أوكرانيا بمركبات برية غير مأهولة.
وإلى جانب حادثة الحريق المتعمد في إستونيا، حيث لا تزال السلطات تحقق لمعرفة ما إذا كان العمل تخريبيا وما إذا كانت روسيا متورطة فيه، وقعت انفجارات أخرى في مصانع أسلحة رئيسية في كل من إيطاليا وبلغاريا هذا الشهر وحده، وقبل ذلك في ليتوانيا والتشيك أيضا، وفيما يلي بعض تفاصيلها:
- في 10 أغسطس/آب، هز انفجار هائل مصنعا يتبع “أي أم سي أو” إحدى أكبر شركات تصنيع الأسلحة الخاصة في بلغاريا، والتي تنتج ذخيرة مدفعية عيار 155 ملم لأوكرانيا.
- في 13 أغسطس/آب، هز انفجار غامض مصنعا للذخيرة تديره شركة “آمو إيتالي” في كوليفيرو قرب روما. أشارت التحقيقات الأولية الى حريق اندلع في وحدة تصنيع البارود.
- في مارس/آذار الماضي، دمر حريق هائل مصنعا تشيكيا يصنع طائرات مسيرة وأجهزة بصرية حرارية لأوكرانيا. وقد اعتُقل 4 مشتبه بهم في إطار التحقيق في تورط روسيا.
وحتى الآن لم تشر التحقيقات إلى تورط روسي مباشر بسبب الافتقاد إلى أدلة دامغة. غير أن تباين الإدانات داخل الحلف أحدث حالة من الانقسام بين دول الغرب الأوروبي ودول الحلف الواقعة شرق أوروبا والتي كانت أكثر وضوحا في توجيه أصابع الاتهام إلى روسيا.
وتقول صحيفة تلغراف إن هذا الانقسام بين الحلفاء الغربيين هو ما يسعى الكرملين إلى كشفه، وفي المقابل يتيح كل هجوم -يمر دون عقاب- للروس جمع المزيد من المعلومات الاستخباراتية حول مدى قدرتهم على تجاوز حدود الناتو.
ضغوط أوكرانية
وفي كل الأحوال، تأتي الهجمات في وقت تزداد فيه مناشدات أوكرانيا لحلفائها الغربيين للحصول على المزيد من الصواريخ الاعتراضية اللازمة لمنظومة تعاني كييف من نقص فيها بالإضافة إلى احتياجات أخرى، مع تصعيد روسيا غاراتها الجوية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، للصحفيين في كييف، اليوم الأحد، إن بلاده تتوقع من الاتحاد الأوروبي تقديم 30 مليار يورو (نحو 35 مليار دولار) للمساعدة في تمويل دفاعها ضد الحرب الروسية.
كما أوضح أن أوكرانيا تواجه حاليا عجزا قدره 27 مليار دولار في موازنة الدفاع، منها 20 مليارا مخصصة لدفع رواتب الجنود وتعويض أسر الجنود الذين سقطوا خلال المعارك، بالإضافة إلى نفقات أخرى.
وأخذت المواجهة بين روسيا وأوكرانيا منحى جديدا، حيث ركزت الأخيرة ضرباتها على أهداف اقتصادية داخل روسيا في حملة قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنها فتحت “أبواب الجحيم” مضيفا أن موسكو سترد على “القطاعات الاقتصادية الأكثر حساسية في كييف”.
وفشلت مساعي أوكرانيا في الحصول على نظام الدفاع الجوي باتريوت وهو السلاح الوحيد القادر على إسقاط الصواريخ الباليستية عالية السرعة التي تستخدمها روسيا في حربها في أوكرانيا.
وفي المقابل تقترب أوكرانيا من الحصول على منظومة الدفاع الصاروخي الإيطالية الفرنسية الجديدة “إس إيه إم بي/تي-إن جي” التي يرى كثير من الخبراء أنها ستكون قادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية رغم أنها لم تخضع بعد لاختبارات في ساحات القتال.
بالإضافة إلى الصاروخ أستر المستخدم في منظومة “إس إيه إم بي/تي” من إنتاج شركة يوروسام، وهي مشروع أوروبي مشترك بين شركة “إم بي دي إيه” الأوروبية لصناعة الصواريخ وشركة تاليس الفرنسية.
وسبق أن قال دبلوماسيون أوروبيون إن تسليم المنظومة لا يرجح أن يتم قبل ربيع العام المقبل. لكن شبكة يورونيوز ذكرت نقلا عن مصادر أوروبية أن هذا الطلب سيتم تقديمه قبل سبتمبر/أيلول المقبل.
ومن المتوقع مناقشة هذا الطلب مجددا في اجتماع “تحالف الراغبين” غدا لتسريع الدعم إلى كييف.
تحالف الراغبين
يعقد اجتماع تحالف الراغبين بمشاركة عدة مسؤولين حضوريا في العاصمة كييف وآخرين عبر الإنترنت، وهو يأتي بموازاة احتفال أوكرانيا للموسم الخامس على التوالي بذكرى استقلالها عام 1991، وهي بحالة حرب.
وسيكون الاجتماع المزمع عقده برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -عبر الإنترنت- والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الذي تولى منصبه حديثا، بحسب ما أفادت الرئاسة الفرنسية.

وتواجه الجهود الدبلوماسية لتسوية النزاع تعثرا، خصوصا تلك التي تبذلها الولايات المتحدة التي كانت قد رعت جولات عدة من المفاوضات المباشرة بين كييف وموسكو، مع انشغال واشنطن بحربها على إيران وإحباطها إزاء كثرة التعقيدات.
وكان اجتماع “تحالف الراغبين” الذي استضافه ماكرون في باريس في يوليو/تموز الماضي أدى إلى إطلاق تحالف يضم 10 دول أوروبية لتطوير نظام صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية كبديل أرخص لنظام باتريوت.
وتعهد ماكرون في ذلك الوقت بأن تعجل فرنسا بنشر منظومة “إس إيه إم بي/تي” الجديدة في أوكرانيا، ومنح كييف ترخيصا لتصنيع الصواريخ الاعتراضية، فضلا عن صاروخ كروز سكالب بعيد المدى وذخائر أخرى.
وتنتظر كييف ترجمة هذه التعهدات الى قرارات رسمية في اجتماع الغد.
