تواجه موريتانيا تحديات متزايدة في الحفاظ على تراثها المخطوط، في ظل تعرض عدد من المكتبات الأهلية والخزائن التراثية لعوامل المناخ وتضرر بعض مبانيها، بينما يعمل المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة على رقمنة المخطوطات وإتاحة محتوياتها للباحثين، بما يضمن حفظها من التلف والتداول المتكرر.

وتضم المكتبات الأهلية في موريتانيا آلاف المخطوطات التي تمثل رصيدا معرفيا متنوعا يشمل علوم الشريعة واللغة والطب والفلك والحساب، غير أن جزءا كبيرا منها لا يزال محفوظا في مكتبات تقليدية تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لحمايتها من تأثيرات التقادم والظروف المناخية. وتضم مكتبة “أهل أحمد الشريف” بمدينة شنقيط أكثر من 1300 مخطوط، بحسب مشروع صيانة التراث الذي نُفذ عام 2002.

وقال محافظ المكتبة مولاي أحمد ولد الحسن -للجزيرة- إن المخطوطات تتعرض لتأثيرات مناخية أدت إلى تضرر عدد منها، مشيرا إلى أن جزءا من مبنى المكتبة سقط إثر الأمطار التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وأضاف أن القائمين على المكتبة قرروا نقلها إلى العاصمة نواكشوط للمحافظة على ما تبقى منها ومواصلة رسالتها في نشر العلم والثقافة.

وبدأت عملية رقمنة المخطوطات قبل نحو عام، ووصلت إلى تصوير قرابة 50% من أكثر من ألف مخطوط حتى الآن، بهدف جعل محتوياتها متاحة للباحثين.

وأوضح ولد الحسن أن المكتبة تتلقى باستمرار اتصالات من باحثين يسألون عن مخطوطات موجودة في شنقيط، لكن وجودها هناك يجعل توفيرها لهم أمرا صعبا، لذلك أصبحت الرقمنة وسيلة لإتاحة نسخ منها للباحثين في نواكشوط دون الحاجة إلى نقل الأصول.

40 ألف مخطوط بالمكتبات الأهلية

ولا تقتصر الثروة المخطوطة على مكتبة واحدة، إذ قال محمد محمود جلال الطلبة المدير العام للمعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة إن المعهد يحتفظ بـ5481 مخطوطا أصليا موزعة بين 26 حقلا معرفيا. وتشمل هذه الحقول علوم الشريعة واللغة والطب والفلك والحساب، إلا أن هذا العدد لا يمثل سوى جزء محدود من التراث المخطوط الموريتاني.

وبحسب بيانات المعهد، توجد نحو 40 ألف مخطوطة موزعة بين 675 مكتبة أهلية وخزانة معرفية، مما يعكس حجم الثروة التراثية التي تحتاج إلى عمليات فهرسة وحفظ ورقمنة واسعة.

ويرى جلال الطلبة أن الرقمنة تعني إنشاء نسخة ثانية من الذاكرة المخطوطة، بما يساهم في الحفاظ على الأصل وإتاحته للباحثين، ويقلل في الوقت نفسه من الحاجة إلى تداول النسخ الأصلية ونقلها بين الأشخاص والمؤسسات.

وللمعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة تجربة قديمة مع رقمنة المخطوطات، إذ بدأ العمل في هذا المجال عام 1979 بالتعاون مع جامعة توبنغن الألمانية. وأسفرت تلك التجربة عن تصوير 2748 مخطوطا بتقنية الميكروفيلم، نُشر منها على الموقع الألماني 2383 مخطوطا، إضافة إلى تصوير 252 مخطوطا باستخدام تقنية الميكروفيش.

ويعكس هذا التعاون بداية مبكرة لمحاولات الحفاظ على التراث الموريتاني خارج صورته الأصلية، في وقت تطرح فيه الرقمنة اليوم سؤالا أساسيا يتعلق بمصير محتوى المخطوط إذا تعرض الأصل للتلف أو الفقدان.

كيف تتم عملية الرقمنة؟

وفي وحدة الرقمنة التابعة للمعهد، تبدأ العملية بإعداد بطاقة تعريفية لكل مخطوط تتضمن معلوماته وبياناته، ثم يجري تصويره وحفظ نسخة رقمية منه.

وقالت رئيسة مصلحة الحفظ والصيانة بالمعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة إن لكل مكتبة ملفا خاصا داخل وحدة الرقمنة، وتُدرج المخطوطات الموجودة فيها تحت أرقام محددة. وبعد الانتهاء من تصوير المخطوط، يجري الاحتفاظ بالنسخة الأصلية، بينما يتم إنشاء نسخة أخرى لمعالجتها رقميا.

وتختلف مدة وحجم العمل من مخطوط إلى آخر، إذ تضم بعض المخطوطات نحو ألف صفحة، بينما يصل بعضها إلى 1200 أو 1500 صفحة، في حين توجد مخطوطات أصغر لا تتجاوز مئة صفحة.

وفي مكتبة سيدي عابدين الكنتي، يؤكد أمين المكتبة محمد ولد الشيخ العابدين أهمية الرقمنة في حماية المخطوطات من التداول والحركة، مع ضمان وصول محتوياتها إلى الباحثين والأجيال الجديدة.

وأشار إلى أن المكتبة وصلت إلى المخطوط رقم 241، وهو ما يمثل نحو 60% من مجموع المكتبة، موضحا أن بعض المواد عبارة عن وثائق قصيرة لا تتجاوز ورقة أو ورقتين، مما يعني أن عدد المواد قد يرتفع إلى نحو 500 أو 600 إذا احتُسبت جميعها ضمن المخطوطات. وأضاف أن نحو 80 مخطوطا فُهرست ورُقمنت حتى الآن، مع توفير أغلفة لحمايتها، فضلا عن تعاون مع جهة ألمانية في مجال الرقمنة التفصيلية.

ويرى ولد الشيخ العابدين أن المخطوطات تمثل أمانة ووديعة يجب الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة، باعتبارها جزءا من ذاكرة الشعب الموريتاني والأمة، وهو ما يجعل رقمنتها إحدى الوسائل الأساسية لحماية هذا الإرث من الضياع والتلف وإتاحته للأجيال والباحثين.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل