يرصد “المخبر الاقتصادي” موجة بيع عالمية رفعت عوائد السندات إلى مستويات تاريخية، كاشفا كيف يهدد التضخم والديون ومنافسة الذكاء الاصطناعي نهاية عصر الاقتراض الرخيص.

في أسواق اعتادت الحكومات فيها الاقتراض بتكلفة منخفضة، بدأت المعادلة تتغير على نحو مقلق، بعدما دفعت موجة بيع عالمية عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها اقتصادات كبرى منذ سنوات، لتصبح كلفة الدين أكثر ثقلا.

وتسلط حلقة “المخبر الاقتصادي” بتاريخ 22 أغسطس/آب 2026، التي يقدمها أشرف إبراهيم، الضوء على هذا التحول، وتفكك أسبابه، من التضخم والديون المتصاعدة إلى منافسة شركات الذكاء الاصطناعي، وتداعياته المحتملة على الحكومات والأسواق الناشئة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وشهد يوما 17 و18 أغسطس/آب موجة بيع واسعة رفعت عوائد الديون طويلة الأجل في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان إلى مستويات لم تسجلها بعض هذه الأسواق منذ سنوات أو عقود.

ولا يتعلق الأمر بارتفاع عائد في سوق واحدة، بل بإعادة تسعير أوسع للاقتراض طويل الأجل، بعدما أصبح المستثمرون يطالبون بتعويض أكبر مقابل تجميد أموالهم لفترات قد تمتد إلى 10 أو 20 أو 30 عاما.

وتعود الحلقة إلى آلية السندات الحكومية، موضحة أن ارتفاع العوائد الجديدة يقلل جاذبية السندات القديمة ويدفع أسعارها إلى التراجع، فيما تتحدد تكلفة الاقتراض أساسا بأسعار الفائدة وتوقعات التضخم وحجم العرض والطلب.

لكنّ المستثمر في السندات طويلة الأجل لا ينظر فقط إلى عائد اليوم، بل يسأل عن التضخم والديون وقدرة الحكومة على السداد بعد عقود، وهو ما جعل المخاوف المتراكمة تدفعه خلال الفترة الأخيرة إلى المطالبة بعوائد أعلى.

مخاوف الديون والتضخم

برز النفط كأحد مصادر القلق، بعدما تجاوز خام برنت 90 دولارا للبرميل وسط توترات مرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية ومضيق هرمز، إذ يهدد ارتفاع أسعار الطاقة بإطلاق موجة تضخمية جديدة تتآكل معها القيمة الحقيقية للعوائد المستقبلية.

وتبدو الولايات المتحدة في قلب هذه المخاوف، مع تجاوز دينها 40 تريليون دولار للمرة الأولى، واستمرار العجز المرتفع، وتجاوز صافي فوائد الدين تريليون دولار سنويا، ما يثير تساؤلات المستثمرين حول قدرة المالية العامة على تحمل مزيد من الاقتراض.

ويزداد القلق إذا أدى التضخم إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، لأن ذلك يرفع تكلفة الدين الجديد، ويخلق حلقة تضغط فيها خدمة الدين على العجز، بينما يدفع العجز الحكومة إلى إصدار مزيد من السندات وجذب المستثمرين بعوائد أعلى.

وفي الوقت نفسه، لم تعد الحكومات تتنافس فيما بينها فقط على أموال المستثمرين، إذ دخلت شركات التكنولوجيا العملاقة بقوة إلى أسواق الدين، بحثا عن مئات المليارات لتمويل مراكز البيانات والرقائق والطاقة اللازمة لسباق الذكاء الاصطناعي.

ومع ازدياد عدد الحكومات والشركات الباحثة عن رأس المال، يتحسن موقع المستثمر الذي بات يملك بدائل أكثر، فيستطيع المقارنة بين السندات الحكومية والخاصة والمطالبة بعائد أكبر، وهو ما يرفع تكلفة التمويل على الجميع.

وتواجه الخزانة الأمريكية تحديا إضافيا يتمثل في تغير قاعدة المشترين، مع تراجع دور الجهات الأجنبية التي كانت أقل حساسية للعائد، مقابل اعتماد أكبر على مستثمرين من القطاع الخاص يرفضون الإقراض إذا لم يجدوا عائدا مناسبا للمخاطر.

صدمة الأسواق الناشئة

ولا تقتصر الظاهرة على الولايات المتحدة، فألمانيا تتجه إلى زيادة الاقتراض والإنفاق على الدفاع والبنية التحتية، فيما تعاني فرنسا من ارتفاع الدين والعجز وضعف النمو، وهو ما يدفع المستثمرين إلى طلب تعويض أكبر مقابل الاحتفاظ بسنداتهما.

أما اليابان، التي ساهمت لعقود في توفير أموال رخيصة للأسواق العالمية، فتغيرت حساباتها مع ارتفاع التضخم وتحول سياستها النقدية، إذ أصبحت السندات المحلية أكثر جاذبية للمستثمر الياباني وضيّقت حافز البحث عن عوائد في الخارج.

ويحذر المخبر الاقتصادي من أن الدول الناشئة قد تكون الحلقة الأضعف، لأن ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات الكبرى يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أكبر لإقراضها، ما يجعل إصدار الديون الجديدة أو إعادة تمويل القديمة أكثر كلفة.

وقد تأتي الضربة الثانية عبر العملات، إذ يمكن للعوائد المرتفعة في الولايات المتحدة والأسواق المتقدمة أن تدفع رؤوس الأموال إلى المغادرة، فتضعف العملة المحلية وترتفع تلقائيا قيمة الديون المقومة بالدولار دون اقتراض جديد.

وتكتمل الضغوط بارتفاع أسعار الطاقة، خاصة في الدول المستوردة للنفط، إذ تكبر فاتورة الاستيراد ويرتفع التضخم، لتجد البنوك المركزية نفسها بين رفع الفائدة بما يضغط على الاقتصاد وترك الأسعار والعملات تحت مزيد من التوتر.

وتخلص الحلقة إلى أن العالم قد يكون أمام نهاية تدريجية لعصر السندات الرخيصة، مع اجتماع التضخم والديون المتضخمة والمنافسة على رأس المال، بما يفرض على الحكومات دفع ثمن أعلى لاستعادة ثقة المستثمرين وتأمين احتياجاتها التمويلية.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل