طهران- “ارتميت جراء موجة الانفجار أمتارا، وطرت في الهواء قبل شعوري بحرارة الشظايا التي نبتت في أماكن متفرقة من جسدي بينها رقبتي، رقدت إثرها ثلاثة أيام في المستشفى، ثم ثلاثة أسابيع قضيتها طريح الفراش في بيتي عاجزا عن الحركة إلا بقدر ضئيل”، هكذا يصف المصور الصحفي الإيراني حميد وكيلي تجربته مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على بلاده.

لم يكن وكيلي بعيدا عن مقر الشرطة الدبلوماسية قرب ساحة فردوسي وسط طهران عندما استُهدف أول مرة، حيث أسرع إلى المكان كما يفعل الصحفيون دائما، لكنه لم يكن يعلم أن الخطر لم ينتهِ بعد. فبعد سبع أو ثماني دقائق من بدئه التصوير، استهدف قصف ثانٍ الموقع نفسه.

قصة وكيلي ليست استثناء في مشهد الصحافة داخل إيران في زمن الحرب، حيث تحولت المهنة من سعي وراء الحقيقة إلى سير على حبل مشدود معلق بين القصف الذي يقتل، والتسريح الذي يُجوِّع، والرقابة التي تخنق، واتهامات بالعمالة تصل حد تفتيش الضمائر.

وإذا كان القصف يحصد الأجساد والأعصاب، فإن التسريح الناتج عن الحرب الأخيرة حصد أرزاق عشرات الصحفيين الإيرانيين. حيث شهدت الصحافة الإيرانية موجة غير مسبوقة من الاستغناء عن الصحفيين.

تشير تقارير نشرتها الصحافة الناطقة بالفارسية إلى أن أكثر من 150 صحفيا فقدوا وظائفهم عقب حرب الـ12 يوما، في رقم يُعتقد أنه تضاعف عقب حرب رمضان الماضية.

المصور الصحفي وكيلي أصيب جراء القصف الثاني على مقر الشرطة الدبلوماسية وسط طهران (الجزيرة)

امتحان صعب

يقول وكيلي للجزيرة نت إن “الهجمات المتتالية على مكان واحد كانت قدر الصحفيين في هذه الحرب؛ فهم يصلون أولا إلى مواقع القصف، لكن عمق الكارثة جعل إصاباتهم تختفي خلف ركام المآسي”، مؤكدا “أعرف 10 من زملائي وأصدقائي المقربين في الصحافة أصيبوا خلال هذه الهجمات”، شُفيت أجسادهم وبقي الأثر النفسي، موضحا “ما زلت أهتز عند أي صوت مفاجئ، حتى لو كان صوت دراجة نارية أو محرك سيارة. أحيانا أستيقظ من نومي فزعا، وأنهض بلا وعي بحثا عن ملجأ”.

في مهمتين قادتاه إلی مدرسة ميناب جنوبي البلاد، واجه وكيلي وجها آخر للفاجعة؛ في إحداهما، تعرضت المدرسة التي كان يصور فيها لهجوم بطائرة مسيّرة. وفي مرة أخرى، أُعلن التعرف على أحد الطلاب القتلى بواسطة الحمض النووي، وجاء أهله ليودعوا جثمانه: “فكانت المصيبة أثقل من أن نلتقط الصور. بكينا أكثر مما صورنا. لم أستطع سوى التقاط سبع صور، وأنا نادرا ما كنت أخرج من تغطية ميدانية بهذا العدد القليل”.

ويروي وكيلي حكاية وضعته أمام امتحان صعب بين المهنة والإنسانية. فبعد قصف قرب ساحة نيلوفر شمال شرقي العاصمة طهران، وجد شخصا عالقا تحت الأنقاض طلب منه المساعدة.

يقول: “وضعت الكاميرا جانبا وحاولت فتح مسار للهواء كي يتنفس. في تلك اللحظة لم أفكر إلا في أن يصمد الجريح حتى وصول فرق الإنقاذ.. في أي مكان آخر، قد يحرص المصور على التقاط صورة قبل كل شيء ربما ينال إثرها شهرة لسنوات، لكن إنسانيتي لم تسمح لي”.

خطيبي يختزل حكاية 20 عاما من عمل صحفي انتهى عند باب البطالة جراء الحرب
خطيبي يختزل حكاية 20 عاما من عمل صحفي انتهى عند باب البطالة جراء الحرب (الجزيرة)

فقدان الوظيفة

يختزل كاميار خطيبي، الصحفي في إحدى المؤسسات الإعلامية الخاصة بطهران، حكاية 20 عاما من العمل المهني المتواصل انتهت فجأة عند باب البطالة خلال الأيام الأولى من حرب رمضان بالقول “حتى قبل الحرب، لم يكن الصحفيون في إيران يعيشون استقرارا وظيفيا حقيقيا، لكن الحرب سرّعت الانهيار”.

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح أن وكالة الأنباء التي كان يعمل فيها: “استغنت عن خدماتي بعيد اندلاع حرب رمضان، وحتى اليوم لم أتمكن من إيجاد مؤسسة إعلامية بديلة”، موضحا أنه يمارس في هذه الأيام أعمالا متفرقة لا علاقة لها بالمهنة، فقط كي لا يقع في الفراغ المطلق، ويؤمّن حياته اليومية.

ويلفت خطيبي إلى أن محنته لم تكن استثناء، بل صارت قاعدة. فحتى زملاؤه الذين نجوا من الإستغناء عنهم، تقلصت عقودهم بشكل متسارع؛ بعضهم أصبح يعمل بعقود تُجدد كل ثلاثة أشهر فقط، في مؤشر صارخ على حالة الخوف المالي التي ضربت المؤسسات الإعلامية الخاصة بعد الحرب، مضيفا أن “الصحفيين في المؤسسات الحكومية قلقون دائما من تغيّر الحكومات، لكن الحرب لم تمسّهم بالدرجة نفسها. أما نحن في الإعلام الخاص، فالأزمة المالية جعلتنا في مهب الريح”.

ويرى خطيبي أن غياب أي مظلة نقابية فاعلة ضاعف من هشاشة الصحفيين بطهران، فيقول: “هناك ما يشبه الجمعيات، وأنا عضو في بعضها، لكنني لم أرَ يوما اجتماعا يُعقد لمناقشة أوضاع الصحفيين أو للدفاع عن حقوقنا. منذ بداية الحرب وأنا عاطل عن العمل، ولا أستفيد حتى من تأمين البطالة، لأن العقد الذي كان يربطني بالمؤسسة لم يكن محكما أصلا، والمؤسسات الإعلامية تتقن التهرب من مسؤولياتها”، على حد قوله.

والمفارقة الأكثر مرارة في حكاية خطيبي، أنه لم يكن يعتمد على الصحافة وحدها، فرغم أنه درّس في الجامعة قرابة عشر سنوات إلى جانب عمله الصحفي، يجد نفسه اليوم مضطرا لمزاولة أعمال جانبية متفرقة من أجل لقمة العيش، موضحا: “الحرب لم تخطف مني وظيفتي فحسب، بل خطفت مني هويتي. بعد كل هذه السنوات أصبحت أبحث عن أي عمل، لا عن عمل صحفي.. بعد 20 عاما من العمل الصحفي، أجد نفسي بلا دخل، بلا وظيفة، وبلا أفق واضح”.

حربا الـ12 يوما ورمضان خلفتا مئات الجرحى من بين الإيرانيين بينهم صحفيين
حربا الـ12 يوما ورمضان خلفتا مئات الجرحى من بين الإيرانيين بينهم صحفيون (الجزيرة)

حالة طوارئ

لكن إذا كان خطيبي يمثل وجه البطالة القاسي، فهناك وجه آخر لا يقل قسوة: وجه من غادر غرف الأخبار لإعداد تقارير ميدانية من تطورات الحرب فدفع الثمن من جسده وأعصابه. “ريحانة”، وهو اسم مستعار اختارته صحفية تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الحكومية، فضلت عدم الكشف عن هويتها، فتقول: “لم أفقد وظيفتي. لكني فقدت النوم والطمأنينة، كما فقدت الإحساس بأن المهنة هذه يمكن أن تُمارس دون أن تلتهم صاحبها”، على حد تعبيرها.

بدأت ريحانة حديثها للجزيرة نت عبر الهاتف، قائلة “أنا ومن معي في القسم نعيش في حالة طوارئ دائمة. منذ بداية الحرب، لم يعد نومي طبيعيا. أستيقظ مفزوعة كل ليلة، أمد يدي إلى الهاتف، أطمئن أنه ما زال يعمل، ثم أتصفح الأخبار لأتأكد أن العالم ما زال قائما”.

وتضيف بصوت منخفض: “حتى صحتنا النسائية انهارت، أجسادنا ترفض ما نعيشه، لكننا لا نتوقف”.

ثم تستطرد لتروي علاقتها بالإنترنت، “عقب قطع الإنترنت عن عامة الناس، أعطتنا إداراتنا خطوطا بيضاء كي نستمر في العمل. لكن ذلك تحول إلى نقمة. صرت أخاف نظرات الناس التي أضحت ثقيلة، كأنني خائنة تتجول بامتياز لا يملكه غيرها. لا يستوعبون أننا لا نستطيع أن نكتب حرفا واحدا دون اتصال”.

وتتابع: “أحيانا أرى في المنام أنني أكتب تقريرا، فلا أجد الإنترنت. أحاول البحث عن معلومة، فلا أصل إليها. أستيقظ مرهقة كأنني لم أنم أصلا. وفي اليقظة، تبقى الصور التي التقطتها عيناي في الميدان تلاحقني. القصف، والجثث، والدمار. لا أستطيع محوها. أعيش فيها. هي تسكنني الآن”.

الخطوط الحمراء

وتكشف ريحانة عن ضغط آخر لا يراه الجمهور: “الإدارة طلبت منا ألا نغلق هواتفنا أبدا وإلا تعرضنا للغرامة. أنا لا أطفئه حتى وأنا نائمة. أعيش مربوطة بالهاتف الذي قد يرن في كل ساعة فيذكرني أن هناك خبرا جديدا أو كارثة جديدة.. الصداع لا يفارقني”.

وخلصت إلى أن “الخطوط الحمراء التي تعمم إبان الأزمات لا سيما الاحتجاجات الشعبية التي سبقت حرب رمضان أمست دائرة واسعة تحاصر الصحفي من كل اتجاه. أي تقرير قد يتحول إلى اتهام. وأي كلمة قد تكلف المراسل مستقبله. حتى أصبحت أعيش حالة من فوبيا الكتابة. حتى رحت أسأل نفسي أحيانا: لماذا أكتب أصلا؟ ما الفائدة؟ هذه ليست صحافة حرة، هذا هروب دائم من الفخاخ”.

وبينما يعيش الصحفي في إيران ثالوث القصف والتسريح والرقابة جراء حرب رمضان وتداعياتها المتواصلة، تخرج الأرقام من صمتها، فتروي الفاجعة ببرودتها الرسمية. فقد أعلنت دائرة “تعبئة الإعلام” الإيرانية في بيانين منفصلين أن 12 صحفيا قضوا خلال حرب الـ12 يوما، بينما سقط ستة صحفيين ومصورين في حرب رمضان. في حين يرى مراقبون أن الحصيلة الحقيقية للحرب على الصحافة لا تُختصر في من سقطوا، بل تمتد إلى من بقوا حاملين ندوبهم الخفية: صحفي يبحث عن وظيفة بديلة وصحفية أخرى تبحث عن صحة فقدتها جراء تغطيتها الميدانية.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل