ما إن تتوقف السيارة أمام الحاجز الأمني على الطريق الطويل حتى يباشر الرجال المتجهمون عملية تفتيش دقيقة جدا تشمل الحقائب وجوانب المقاعد وكل ما اصطحبه الركاب من ثياب ومتاع.

وعند العثور على الطبق الأبيض يبدأ الأمن عملية تحقيق صارمة، فقد وضعوا أيديهم على جسم معدني خطير جدا ويشكل تهديدا وجوديا للحكومة التي تقود البلاد.

إرهاصات هذا المشهد أخذت في التشكل منذ زمن بعيد. ففي عام 2006، كنتُ أعمل مسؤولا في لجنة الانتخابات الموريتانية بمقاطعة تامشكط في عمق الصحراء على بعد 800 كلم شرق العاصمة نواكشوط.

وقد اعتقدت حينها أن الحلقة اكتملت عندما أحطت رؤسائي في العاصمة نواكشوط بتفاصيل سير العمل عبر نجم يرسل ذبذباته في الفضاء مباشرة في منطقة لا توجد فيها شركة هاتف ولا محطة كهرباء.

ولكني أخطأت التقدير، حيث عايشت الانفجار الكبير بعد ذلك بعشرين عاما، عندما امتلكت في مكان آخر من الصحراء القدرة على إدارة غرفة أخبار عالمية بما يعنيه ذلك من بث الصور والفيديوهات والتقارير لملايين الناس، دون الحاجة إلى شركة اتصالات ولا لمحطة كهرباء.

كانت هذه النتيجة في موريتانيا، لكن مقدمتها كتبت في ريف كندا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، عندما قرر رجل أعمال شاب مواصلة طموحه في تحقيق أمرين: جمع المزيد من المال، وتخفيف قبضة الحكومات على مصائر الناس.

الفضاء ليس أرضا للحكومة

وكانت “ضربة معلم”، فقد درّت الفكرة حتى الآن 210 مليارات دولار وحررت الفضاء كليا من سلطة الحكومات في بقاع كثيرة من مشارق الأرض ومغاربها.

وعلى ممر غومال الرابط بين وزيرستان في الغرب الباكستاني وولاية غزني في الجنوب الشرقي من أفغانستان، لا يمكن للشاحنات دائما الإفلات من قبضة الأمن، مما يجعلها عرضة للتفتيش بحثا عن الجسم المعدني الخطير حتى لا يصل إلى الناس في كابل وجلال آباد.

ووفق تقارير متداولة، لا تكتفي السلطات في أفغانستان بمصادرة الطبق الأبيض، بل تُغرّم المهرّب مالياً وتحتجزه لأيام في بعض الأحيان.

لكن الأمر أشد خطرا في إيران، فبينما ترفض السلطات الإذعان لجبروت “بي 2” و”إف 16″، تجد نفسها في ورطة هائلة جراء أجهزة “ستارلينك”، التي تتصل بالسماء بلا وسيط وتنقل كل ما يحدث على الأرض دون تمحيص.

يبدو جهاز “ستارلينك ميني” في حدود دفتر ملاحظات بوزن 1.1 كيلوغرام وبارتفاع 11.75 بوصة في عرض 10.2 بوصات، بينما لا تتجاوز سماكته 1.45 بوصة.

التسريبات كشفت أن واشنطن أرسلت أجهزة ستارلينك للمشاركين في المظاهرات الإيرانية العنيفة (رويترز)

هدايا من “الشيطان”

لكن هذه القطعة الضئيلة الحجم باتت خصماً شرساً لطهران، فبقدر ما تستنفر قوتها بحراً لفرض سيطرتها على مضيق، تشن حملات واسعة براً لمصادرة أجهزة ستارلينك ومعاقبة الضالعين في تهريبها إلى البلاد والمتورطين في استخدامها في نقل الصور والمعلومات.

يعتمد طراز “ميني” على استهلاك منخفض جداً للطاقة (حوالي 25–40 واط) ويُمكن تشغيله عبر منفذ “USB-C” باستخدام شاحن سيارة أو بطارية متنقلة (Power Bank).

وهذه الخصائص تلغي الحاجة إلى البنية التحتية الكهربائية، وتصعّب تعقّب المستخدم عبر البصمة الحرارية أو النمط السكني.

كما أن اعتماده على تشغيل الأقمار المنخفضة (LEO) على ارتفاع ~550 كم باستخدام ترددات (Ku/Ka) يجعل التشويش الميداني الشامل مكلفاً وغير فعال.

وأمام هذه المعضلات المتخادمة فيما بينها، تلجأ السلطات الأمنية إلى أجهزة المسح الترددي والطائرات المسيّرة لالتقاط إشارة الصعود لحظة البث، بالإضافة إلى الجهد الاستخباراتي الذي يقود إلى المداهمات.

وفي 27 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت الشرطة الإيرانية مصادرة 108 أجهزة ستارلينك خلال مداهمات نُفذت في أنحاء البلاد.

تم ذلك في ظل انقطاع شبه كامل لخدمة الإنترنت عقب احتجاجات مناهضة للحكومة، وفق ما أفاد به حينها رئيس شرطة الأمن الاقتصادي الإيرانية حسين رحيمي.

وأضاف رحيمي أن السلطات الإيرانية تصنف أنظمة “ستارلينك” الفضائية على أنها معدات “مضادة للأمن”، مؤكداً أن الشرطة ستتخذ إجراءات حازمة وغير متهاونة بحق كل من تثبت حيازته أو توزيعه لهذه الأجهزة.

KAYAH KARENNI STATE, MYANMAR - 2025/02/24: A soldier from an armed group fighting the burmese army who took power in a coup in February 2021, browses on internet on his mobile phone next to a Starlink device. (Photo by Thierry Falise/LightRocket via Getty Images)
جهاز ستارلينك بجانب عضو في فصيل مسلح يقاتل جيش ميانمار (غيتي إيميجز)

السجن للحامل والمحمول له

وعندما اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اكتسى “ستارلينك” المزيد من الخطورة في نظر الدولة التي عطلت الإنترنت للجم الناس عن تداول أي شائعات قد تهدد معنويات المواطنين والجنود.

ويقول مسؤولون إن الحكومة قطعت الإنترنت خلال الحرب لمنع أعمال المراقبة والتجسس والهجمات الإلكترونية.

ولأكثر من شهرين، عاشت إيران في عزلة رقمية في واحدة من أطول انقطاعات الإنترنت الوطنية المسجلة عالمياً.

وقد أقرت الحكومة الإيرانية تشريعاً يعاقب مستخدمي أو بائعي أو مشتري أجهزة “ستارلينك” بالسجن لمدة تصل إلى عامين.

أما توزيع أو استيراد أكثر من عشرة أجهزة فقد تصل عقوبته إلى السجن عشر سنوات. ووفق تقارير متداولة، وُجّهت لبعض الموقوفين تهم إرسال معلومات إلى “العدو”، في إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة التي تصفها إيران بالشيطان الأكبر.

وتفيد تقارير تقنية بوجود ما بين 30-40 ألف جهاز ستارلينك نشط في إيران، تغطي اتصالات أكثر من 100 ألف مستخدم.

وقبل أشهر، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال -نقلاً عن مسؤولين أمريكيين- أن إدارة دونالد ترمب أرسلت سراً الآلاف من أجهزة “ستارلينك” إلى إيران.

وفيما يبلغ سعر الجهاز رسميا نحو 300 دولار، فإن ثمنه في السوق السوداء الإيرانية يصل إلى 3 آلاف دولار.

 

A SpaceX Falcon 9 rocket lifts off from Cape Canaveral Air Force Station carrying 60 Starlink satellites on November 11, 2019 in Cape Canaveral, Florida. The Starlink constellation will eventually consist of thousands of satellites designed to provide world wide high-speed internet service. (Photo by Paul Hennessy/NurPhoto via Getty Images)
صاروخ فالكون 9 التابع لشركة سبيس إكس ينطلق من محطة كيب كانافيرال الجوية حاملاً 60 قمراً صناعياً من منظومة ستارلينك (غيتي)

الأمن القومي لأحفاد ماو

بيد أن إيران ليست القوة الوحيدة التي يُرهبها الصحن الأبيض؛ ففي بلاد التنين تُعتبر حيازة جهاز ستارلينك جريمة بشعة كفيلة بأن تضع صاحبها وراء القضبان.

لقد تخلت الصين عن سياسة “الطفل الواحد” وأدخلت تعديلات عميقة على أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في العقود الأخيرة، لكنها لا تزال تتبع بشكل صارم سياسة “المودم الواحد”.

وفي مؤشر على استحالة التسامح في هذا المجال، ذكرت وسائل إعلام محلية أن السلطات الصينية فرضت عقوبات على سفينة أجنبية لاستخدامها بشكل غير قانوني خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” داخل المياه الإقليمية الصينية.

ووفقاً لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، فقد وقعت الحادثة خلال عملية تفتيش روتينية في ميناء نينغبو، حيث عثر أفراد إنفاذ القانون البحري على “هوائي مستطيل صغير” مثبت على السطح العلوي لسفينة لم يُكشف عن هويتها.

وخلصت السلطات إلى أن السفينة واصلت إرسال البيانات بعد دخولها المياه الإقليمية الصينية، في مخالفة للوائح الوطنية الخاصة بالاتصالات السلكية واللاسلكية وإدارة الطيف الترددي.

وتُحظر خدمة ستارلينك في الصين ولم تحصل قط على ترخيص للعمل داخل البلاد؛ إذ تعتبر بكين هذه الخدمة تهديداً للأمن القومي لأن اتصالاتها تُوجَّه عبر بوابات خارجية في دول أخرى، بدلاً من المرور عبر البنية التحتية المحلية الخاضعة لرقابة أحفاد ماو تسي تونغ.

A Sudanese refugee woman from Darfur walks past a Starlink antenna powered by a solar panel inside the Touloum refugee camp, amid ongoing conflict in her country, on the outskirts of the town of Iriba in Wadi Fira province, eastern Chad, November 30, 2025. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
هوائي تابع لخدمة “ستارلينك” يعمل بالطاقة الشمسية بالقرب من خيام لاجئين سودانيين من إقليم دارفور (رويترز)

فما ظنك بأفريقيا؟

وإذا كانت هذه القطعة الصغيرة تهز كيان قوة بحجم إيران، وتثير قلقا وجوديا لدى الروس والصينيين، فإن الخوف قد يبدو مبرَّرا في زيمبابوي والكاميرون وتشاد.

لقد فرضت الكاميرون حظرا رسمياً على ستارلينك منذ عام 2024 لأسباب تتعلق بأمن البيانات والسيادة الرقمية والأمن القومي والمنافسة العادلة، إضافة إلى تشغيل الخدمة من دون ترخيص.

بناء على ذلك، علقت “ستارلينك” خدماتها فيما واصلت السلطات الجمركية مصادرة الأجهزة خلال عام 2026، رغم ورود تقارير عن تقدم تنظيمي قد يمهد للموافقة عليها مستقبلاً، لكنها لا تزال غير عاملة رسمياً.

وفي العام الماضي أصدرت حكومة تشاد مرسوماً يضع قواعد صارمة لاستخدام “ستارلينك” داخل البلاد، تضمنت تقديم وثائق تفصيلية تشمل إثبات الهوية، ووثائق التسجيل القانوني للمؤسسات، والرقم الضريبي، والأرقام التسلسلية لمعدات “ستارلينك” مثل أجهزة التوجيه (الراوتر) والمودم والهوائيات الفضائية.

كما تفرض القواعد الجديدة على شركة “ستارلينك” الامتثال للقوانين الوطنية المتعلقة بالأمن وحماية البيئة والبيانات الشخصية.

ومن بين أبرز المتطلبات إلزام الشركة بضمان تخزين بيانات المستخدمين، بما في ذلك سجلات الاتصال وعناوين بروتوكول الإنترنت (IP)، أو إتاحتها للسلطات المحلية لمدة لا تقل عن 24 شهراً.

AFP PICTURES OF THE YEAR 2025 Tesla and SpaceX CEO Elon Musk gestures as he speaks during the inaugural parade inside Capitol One Arena, in Washington, DC, on January 20, 2025. (Photo by ANGELA WEISS / AFP) / NO USE AFTER JANUARY 31, 2026 23:00:00 GMT - AFP PICTURES OF THE YEAR 2025
إيلون ماسك أغنى رجل في العالم بثروة بلغت هذا العام تريليون دولار (الفرنسية)

شعب إيلون ماسك

وتُعد “ستارلينك” قوة مهيمنة في اتصالات الفضاء اللاسلكي إذ تمتلك نحو 7 آلاف قمر صناعي عامل في المدار الأرضي المنخفض.

وتشير الأرقام إلى أن القاعدة الجماهيرية لجهاز “ستارلينك” تجاوزت 3 ملايين مشترك حول العالم في عشرات الدول.

وإذا كانت دول عديدة سلّمت بحتمية استخدام “ستارلينك”، فإن أزيد من 60 حكومة حول العالم لا تزال تتعقب صحن إيلون ماسك وتصادره في منافذ الدخول جوا وبرا وبحرا.

ومن بين الدول التي تحظر الجهاز كليا: كوريا الشمالية وروسيا وكوبا وفنزويلا والكاميرون، إلى جانب الصين وإيران وميانمار.

كذلك، تعمل دول أخرى على الحد من استخدام هذا الجهاز عبر قيود صارمة وشروط تعجيزية تجعله في حكم المحظور، مثل ما يحصل في مصر وإثيوبيا وموريتانيا والسنغال والجزائر والمغرب وتايلند.

وحتى في أوروبا يواجه “ستارلينك” تعقيدات وتضييقات ويتحول من حين لآخر إلى مادة جدلية تتشابك فيها خيوط السياسة والأمن والاقتصاد.

وعندما فتحت حكومة إيطاليا العام الماضي محادثات مع مالكي “ستارلينك” حول توفير أجهزة لاتصالات المسؤولين غضبت أحزاب المعارضة، وشككت في جدوى إسناد عقد يتعلق بالأمن القومي إلى رجل أعمال أجنبي وحليف مقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل