Published On 19/8/2026
يحمل الذكاء الاصطناعي وعودا كبيرة لتحسين كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات، لكن دخوله المتسارع إلى صناعة النفط والغاز يكشف وجها آخر للثورة التقنية، فالتكنولوجيا التي تستطيع تحسين أداء توربينات الرياح ورصد تسربات الميثان، يمكنها في الوقت نفسه مساعدة شركات الوقود الأحفوري على اكتشاف مكامن جديدة، وتحسين الحفر، وزيادة معدلات الاستخراج.
وتأتي هذه المفارقة في وقت تتزايد فيه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بينما يحذر باحثون من أن قياس الأثر البيئي لهذه التقنية لا ينبغي أن يقتصر على الكهرباء التي تستهلكها الخوادم، بل يجب أن يشمل الانبعاثات التي تُمكّن التقنية قطاعات أخرى من إنتاجها.
إنتاج نفطي أكثر بكلفة أقل
تكمن إحدى أهم نقاط التحول في قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع كميات هائلة من البيانات الجيولوجية والزلزالية التي يصعب تحليلها بالطرق التقليدية، ويمكن للخوارزميات المساعدة في تفسير صور باطن الأرض، ومحاكاة المكامن، وتحديد مواقع الآبار، وتحسين معايير الحفر، إضافة إلى التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن شركات النفط والغاز كانت من أوائل مستخدمي تقنيات الحوسبة المتقدمة، إذ ارتفع عدد الحواسيب العملاقة التي تشغلها شركات في القطاع والمدرجة ضمن قائمة أسرع 500 حاسوب في العالم من 11 جهازا عام 2000 إلى 24 جهازا في عام 2024. وتستخدم الصناعة الذكاء الاصطناعي في معالجة بيانات باطن الأرض، ومحاكاة المكامن، والصيانة التنبؤية، واكتشاف التسربات والأتمتة.
وتقدم أرامكو السعودية مثالا واضحا على هذا الاتجاه، وتقول الشركة إنها تستخدم الذكاء الاصطناعي في تفسير البيانات الزلزالية، ونمذجة باطن الأرض، وتحديد مواقع الآبار وتحسين أداء عمليات الحفر، فيما أعلنت في مايو/أيار 2024 مشروعا بقيمة 372.5 مليون دولار لنشر حاسوب فائق مخصص لمعالجة البيانات الزلزالية ونمذجة المكامن، بهدف دعم عمليات اكتشاف واسترداد الهيدروكربونات.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تقول إكسون موبيل إن نظاما استشاريا للحفر يعتمد على الذكاء الاصطناعي ويعمل في عملياتها البحرية في غيانا يستطيع تحديد معايير الحفر المثلى، كما تستخدم الشركة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحسين عملياتها في حوض برميان.

مفارقة تهدد المناخ
هنا تظهر المشكلة الأساسية، فكلما أصبحت عملية استخراج النفط والغاز أكثر كفاءة وأقل كلفة، قد يصبح إنتاج كميات إضافية من الوقود الأحفوري أكثر جاذبية اقتصاديا.
دراسة نشرت في دورية إن بي جيه كلايمت أكشن (npj Climate Action) في أغسطس/آب 2024 حاولت قياس هذا الأثر عبر نمذجة عشرات السيناريوهات التي تشمل استخدام الذكاء الاصطناعي في مصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة، وخلص الباحثون إلى أن مكاسب الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في قطاع الوقود الأحفوري يمكن أن تتجاوز الوفورات الناتجة عن استخدامه في الطاقة النظيفة.
وفي السيناريوهات التي يتوسع فيها الذكاء الاصطناعي في القطاعين، قد ترتفع الانبعاثات العالمية بنحو 0.47 إلى 1.8 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، أي ما يعادل نحو 1.2% إلى 4.8% من انبعاثات الطاقة العالمية في عام 2024.
ولا تعني هذه الأرقام أن الذكاء الاصطناعي سيتسبب حتما في هذه الكمية من الانبعاثات، بل إنها نتائج لنماذج تعتمد على افتراضات بشأن معدلات التبني ومكاسب الإنتاجية، كما أن الدراسة نفسها تشير إلى أن كفة المناخ يمكن أن تميل لمصلحة الذكاء الاصطناعي إذا كانت مكاسب الإنتاجية في الطاقة المتجددة أكبر بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف المكاسب في الوقود الأحفوري.
الوجه الأخضر للذكاء الاصطناعي
في المقابل، سيكون من غير الدقيق تصوير الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لزيادة التلوث فقط. فوكالة الطاقة الدولية ترى أن التقنية تستطيع تحسين كفاءة أنظمة الطاقة، والتنبؤ بالإنتاج من مصادر الطاقة المتجددة، وتسريع الصيانة، كما يمكنها المساعدة في اكتشاف تسربات الميثان في منشآت النفط والغاز عبر تحليل بيانات الأقمار الصناعية، بما يسمح بإصلاح التسربات بسرعة أكبر.
ويكتسب الميثان أهمية خاصة لأنه من الغازات الدفيئة القوية، بينما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى وجود فرص لخفض كميات كبيرة من انبعاثاته من قطاع الطاقة بتكاليف منخفضة أو من دون تكلفة صافية في بعض الحالات.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بكفاءة كل برميل نفط يتم إنتاجه، وإنما بعدد البراميل التي ستنتجها الصناعة نتيجة لهذه الكفاءة، فإذا أدى خفض تكاليف الاستكشاف والحفر إلى اكتشاف مزيد من الموارد وتسريع استخراجها، فقد تتجاوز الانبعاثات الناجمة عن زيادة الإنتاج الوفر الناتج عن تحسين العمليات.
معركة على اتجاه الذكاء الاصطناعي
تضع هذه التطورات صانعي السياسات وشركات التكنولوجيا أمام سؤال يتجاوز استهلاك مراكز البيانات للكهرباء، وهو ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي بهذه الطاقة والقدرات الحسابية؟
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يتضاعف إلى نحو 945 تيراواط/ساعة (Terawatt-hour) بحلول عام 2030 في سيناريوها الأساسي، مع نمو سنوي يقارب 15% بين عامي 2024 و2030، لكن الأثر المناخي للذكاء الاصطناعي قد يتجاوز استهلاك مراكز البيانات إذا ساهمت التقنية في توسيع إنتاج الوقود الأحفوري.

لذلك لا تبدو القضية معركة بين “ذكاء اصطناعي أخضر” و”ذكاء اصطناعي ملوث”، بقدر ما هي معركة حول اتجاه استخدام التقنية، فالخوارزمية نفسها التي تساعد على استخراج مزيد من النفط يمكن أن تساعد على إدارة شبكة كهرباء أكثر كفاءة أو اكتشاف تسرب للميثان أو تسريع تطوير بطارية جديدة.
وبينما تتسابق شركات الطاقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في عملياتها، يصبح التحدي الحقيقي هو ضمان ألا تتحول مكاسب الكفاءة إلى وسيلة لإطالة عمر الوقود الأحفوري، فمستقبل الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي لن تحدده قوة الخوارزميات وحدها، وإنما القطاعات التي ستستخدم فيها، والسياسات التي ستحدد حدود استخدامها، ومدى سرعة توجيه قدراتها نحو مصادر الطاقة الأقل تلويثا.
