تتجه المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة، عنوانها النماذج مفتوحة الأوزان، بعدما أطلقت شركتا ميتا وإنفيديا نماذج جديدة في غضون أيام، في وقت تحقق فيه شركات صينية تقدما سريعا في هذا المجال، حيث تكشف هذه التحركات عن صراع يتجاوز التفوق التقني إلى محاولة فرض معايير ومنظومات ذكاء اصطناعي قادرة على الانتشار عالميا.

منتقدون يحذرون من أن إتاحة نماذج قوية بصورة مفتوحة قد تزيد مخاطر إساءة استخدامها، خصوصا في الأمن السيبراني (رويترز)

ميتا تعود إلى الانفتاح

كشفت ميتا عن ميوز غليمير (Muse Glimmer)، وهو نموذج مفتوح الأوزان يضم نحو 30 مليار معامل، وصُمم للعمل بصورة محلية على أجهزة استهلاكية مزودة بوحدة معالجة رسومية واحدة، وتتيح الشركة أوزان النموذج للمطورين، مع إمكانية تشغيله محليا عبر أدوات ومنصات عدة، وفق مدونة “ميتا” البحثية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن ميتا لم تطرح النموذج بهدف المنافسة في الخدمات السحابية فحسب، بل تراهن على ما يُعرف بـ”الوكلاء المحليين”، أي أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع تنفيذ مهام بصورة مستمرة على جهاز المستخدم بدلا من إرسال كل طلب إلى خوادم بعيدة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة مارك زوكربيرغ أن ميتا تعتزم أيضا إتاحة أوزان ميوز سبارك 1.2 (Muse Spark 1.2)، وهو نموذج أقوى، في خطوة تعكس رغبة الشركة في توسيع منظومة المطورين حول نماذجها، وبحسب وكالة رويترز، يأتي هذا التحرك بالتزامن مع دعوة زوكربيرغ إلى خفض الحواجز أمام تطوير الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان في الولايات المتحدة، لمواجهة المنافسة الصينية.

The modern nvidia logo and company name displayed on the building exterior, California, U.S, October 09, 2025
النماذج مفتوحة الأوزان تتحول إلى جبهة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي الأمريكي الصيني (شترستوك)

إنفيديا تدخل السباق

في الجهة الأخرى، تتحرك إنفيديا لتوسيع نفوذها من الرقائق التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى النماذج نفسها. وأطلقت الشركة نيموترون 3.5 لايتنينغ (Nemotron 3.5 Lightning)، بينما تعمل على عائلة أكبر تحمل اسم نيموترون 4 (Nemotron 4).

ووفق تقرير نقلته رويترز عن موقع ذي إنفورميشن (The Information)، قد يصل أكبر نماذج نيموترون 4 إلى تريليون معامل، في حين لا تزال عملية التدريب مستمرة ولم تحدد “إنفيديا” موعدا رسميا للإطلاق.

وتكتسب هذه الخطوة دلالة تقنية؛ فعدد المعاملات ليس مقياسا وحيدا لجودة النموذج، لكنه يعكس حجم القدرة الحسابية والموارد اللازمة لتدريبه وتشغيله. وفي المقابل، يتجه القطاع بصورة متزايدة إلى نماذج أكثر كفاءة يمكنها تقديم أداء قوي بتكلفة تشغيل أقل.

الصين تشعل المنافسة

تأتي التحركات الأمريكية في وقت أصبحت فيه الصين لاعبا رئيسيا في سوق النماذج مفتوحة الأوزان، ففي يوليو/تموز الماضي، أطلقت شركة مون شوت إيه آي (Moonshot AI) نموذج كيمي كيه 3 (Kimi K3)، الذي وصفته الشركة بأنه أكبر نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح الأوزان في العالم آنذاك، وذكرت رويترز أن النموذج جاء في إطار تسارع صيني واضح لتقليص الفجوة مع الشركات الأمريكية.

كما أثارت نماذج شركات صينية أخرى، بينها زد إيه آي (Z.ai)، اهتمام الشركات والمطورين بسبب الجمع بين الأداء المرتفع وانخفاض التكلفة. وتشير رويترز إلى أن نماذج صينية مفتوحة الأوزان أصبحت قادرة على المنافسة في بعض المهام لنماذج أمريكية متقدمة، بينما يمكن تشغيلها وتخصيصها بحرية أكبر.

وهنا تظهر إحدى أهم مزايا النماذج المفتوحة، فالشركة التي تحصل على الأوزان تستطيع تشغيل النموذج على بنيتها التحتية وتعديله وفق احتياجاتها، بدلا من الاعتماد حصرا على واجهة برمجية تقدمها الشركة المطورة.

The new Meta AI logo is displayed on a smartphone screen with lines of computer code in the background, in Creteil, France, on April 9, 2026. Meta unveils Muse Spark, its most powerful new AI model, along with a new visual identity for Meta AI. (Photo by Samuel Boivin/NurPhoto via Getty Images)
ميتا وإنفيديا تدافعان عن تقليل القيود على النماذج المفتوحة، محذرتين من أن القيود الصارمة قد تدفع الابتكار خارج الولايات المتحدة (غيتي)

لماذا تراهن الشركات على الانفتاح؟

من الناحية الاقتصادية، يمكن للنموذج المفتوح أن يخفض تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصا بالنسبة للشركات التي تملك بنية تحتية قادرة على تشغيل النماذج داخليا، كما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في البيانات وتخصيص النموذج.

وتشير رويترز إلى أن تشغيل النماذج الصينية مفتوحة الأوزان على منصات أمريكية يمكن أن يخفف بعض مخاوف أمن البيانات، لأن بيانات العملاء ومطالباتهم يمكن أن تبقى داخل البنية السحابية الأمريكية بدلا من إرسالها إلى مطوري النماذج في الصين.

لكنْ هناك فرق تقني مهم بين مفتوح الأوزان ومفتوح المصدر، فإتاحة أوزان النموذج لا تعني بالضرورة نشر كل تفاصيل تطويره، مثل بيانات التدريب أو كامل الشفرة المستخدمة في التدريب. لذلك، فإن وصف النموذج بأنه “مفتوح” يحتاج إلى النظر في ما الذي أتاحته الشركة فعليا للمطورين.

معركة نفوذ لا معركة نماذج فقط

البعد الجيوسياسي بات واضحا أيضا، فقد دعا السيناتور الأمريكي جيم بانكس إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى دعم تطوير نماذج أمريكية مفتوحة الأوزان، محذرا من تزايد الاعتماد على النماذج الصينية، ومطالبا بإجراءات تحد من قدرة الصين على الاستفادة من أشباه الموصلات الأمريكية.

FILE PHOTO: People are seen behind a logo of Meta Platforms, during a conference in Mumbai, India, September 20, 2023. REUTERS/Francis Mascarenhas/File Photo
ميتا تراهن على تشغيل الذكاء الاصطناعي محليا، بما يتيح تنفيذ بعض المهام على أجهزة المستخدم بدلا من الاعتماد المستمر على مراكز البيانات (رويترز)

وهكذا تتحول النماذج المفتوحة إلى أداة محتملة في المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. فإذا انتشر نموذج أمريكي بين المطورين والشركات حول العالم، فقد تصبح الولايات المتحدة صاحبة نفوذ ليس فقط في الرقائق ومراكز البيانات، بل أيضا في الطبقة البرمجية التي ستُبنى عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، يمنح الانتشار الواسع للنماذج الصينية بكين فرصة لبناء منظومة تقنية عابرة للحدود، خصوصا إذا حافظت تلك النماذج على ميزة انخفاض التكلفة وسهولة التخصيص.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل